| المسيحية والإسلام في حركة التطور |
|
|
|
| الكاتب صبحي الصالح |
| الأربعاء, 14 يوليو 2010 08:06 |
|
في هذه التظاهرة الفكرية، صوتي الذي أطلقُ لا يتعالى زهواً بنغمات تكريم، و لايتخافت حياء بلمزات انتقاد، وإنما هو صوت شهادة خالصة تنبعث من قلب إنسان مؤمن يرى أن لا قيمة لإيمانه من غير فكر حرّ أصيل، ولا قيمة لفكره الحر من غير إيمان سام نبيل.علَّمني القرآن أن الشهادة لله، إذ قال للمؤمنين: "ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبُه"، وما أنا بكاتم شهادتي، فلأدليَّن بها في حبشي مفكراً أصيلاً، لا صديقاً حبيباً. ومادمت في شهادتي هذه مدعواً لإبراز الإسلام والمسيحية مواكبَين لحركة التطور، فلا بدّ أن أكون ـ وأنا الشيخ العالم الملتزم ـ مؤمناً بأن التطور سنَّة كل شيء في الوجود، وأنه واضح لبصيرتي في المسيحية وضوحَه في الإسلام، ولا بد أن أكون على يقين ـ في الوقت نفسه ـ بأن رينه حبشي يؤمن بهذا التطور في الإسلام إيمانه به في المسيحية. أما أنا شخصياً، فكنت ولا أزال أقول: إن الدين ـ في جوهره ووجوده الفعلي ـ تغيير شامل للإنسان وللمجتمعات وللمادة، وإن الروحانية المثلى لا تجحد واقع العالم، ولا فاعلية المادة، ولا ارتباط الحياة الإنسانية بالأوضاع الاقتصادية والتنظيمات الاجتماعية؛ وإني لم ابتدع هذا ابتداعاً، فلقد سبقني إلى تقرير هذه المسلَّمات في مدلولاتها الشرعية علماء الإسلام وأئمته المجتهدون في مختلف العصور والأجيال، مؤكدين أن قصر الدين على التعبُّد وإقامة الشعائر تضييقٌ لتعاليمه وسلخٌ له عن واقع الحياة، وإنه، لكي يكون "فطرة الله التي فطر الناسَ عليها" كما يعبِّر القرآن، لا بد أن يواجه الحياة والأحياء بنظرة واقعية ايجابية شاملة تحرص على إيجاد التوازن بين قوى المادة وقوى الروح، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، وتؤثر التوسط والاعتدال في كل شيء، مصداقاً للآية الكريمة: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً" وللحديث النبوي الشريف: " ليس خيركم مَن ترك دنياه لآخرته، ولا مَن ترك آخرته لدنياه، وإنما خيركم من أخذ من دنياه لآخرته" ولقول الإمام علي بن أبي طالب: "إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، وإعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". وإني لأعتقد أن المسيحية إذا ردت إلى ينابيعها الأولى، لا تعارض هذا المنطق الديني المتوازن الذي يواكب حركة التطور على هدىً وبصيرة، ولي من ديني الذي جاء مصدّقاً لما بين من أديان السماء ووحي المرسلين ما يكفل لي سلامة هذا التصور، لأن الإسلام ما فتئ ينظر إلى الأديان السماوية ـ وفي طليعتها المسيحية ـ نظرته إلى حلقات في سلسلة واحدة ترتدّ إلى الله ينبوع الرجاء والحق والإيمان: فلا غرو إذا تشابهت معاييرها جمعياً لقضايا الوجود الكبرى ما دامت كلها وحياً من لدن حكيم خبير. ولقد كفاني رينه حبشي مؤونة البحث في موقف المسيحية من هذه القضية فيما كتبه في محاضراته القيمة" حضارتنا على المفترق" و "فلسفة لزماننا الحاضر" . وهو ـ وإن لم يكن من رجال الدين ـ ربما بدا لكم أنسب لالتزام موقف مسيحي من "شيخ" مثلي لا ينتظر منه أحد أن يلتزم غير تعاليم الإسلام. بل أوشك حبشي أحياناً أن يكفيني مؤونة البحث حتى في موقف الإسلام من حركة التطور، وأن أبدي قلقاً من جمود "التقليديين" المسلمين إزاء القضايا التي يثيرها التطور، حتى اضطر إلى مجابهتهم بأن "تقدم العلم لا ينال من إله العقل، الذي هو عند المحققين إله القرآن والإنجيل". والأستاذ حبشي ـ الذي يقيم على الشخصانية فكرته التطورية ـ لم يفته أن ينبِّه إلى أن هذه الشخصانية وجودية للشخص الفرد، وإلى أن معالم هذه الوجودية قائمة في الفكر الإسلامي والمسيحي؛ ومع إيمانه بأن "المسيحية خميرة ثورية لا نظام زمني"، وأن طبيعتها في هذا تختلف عن طبيعة الإسلام الذي يؤثر التنسيق لا التمييز بين الزمنيات والروحيات، تكلم، كما تكلم إمامكم الآن، باسم الدينين العظيمين، مؤكداً مالا أجد أنا أيضاً حرجاً في تأكيده لكم من أن "الثورة ـ كما يقول البير كامو ـ أقوى البراهين على وجود الإنسان"، فليس لنا إذاً ـ باسم المسيحية أو الإسلام ـ أن نتخذ سبيلنا إلى الله إلا إذا انطلقت الثورة من أنفسنا على أنفسنا فلسفياً، وعلى واقعنا علمياً، وعلى أوضاعنا العامة اجتماعياً، وعلى أساليبنا في الحكم سياسياً، وعلى تخلفنا المادي اقتصادياً؛ وبكلمة واحدة: إنما نتخذ سبيلنا إلى الله إذا اعتمدنا إرادة التغيير أسلوباً لنا ومنهاجاً، فغيَّرنا ما بأنفسنا ليغيِّر الله ما بنا في جميع هذه الحقول، مصداقاً للآية الخالدة: "إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". "إن الدين لم ينسحب قط من ميدان الاقتصاد" أقول هذا عن الإسلام بوضوح إن لم يحقّ لي أن أقول مثله في المسيحية. بل الإسلام يصرّح بأن الطريق إلى الله بدون اقتصاد إنساني سليم، وبدون شعور بالكفاية، طريق منحرف يودي بصاحبه ويرديه، كما قال الرسول العربي الكريم: "كاد الفقر أن يكون كفراً". من هنا زخرت بطون المجلَّدات في فقهنا الإسلامي بأفضل الحلول لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوزيع ثروة المجتمع على الطبقات كلها بالقسطاس المستقيم، عملاً بقول القرآن في شأن المال: "كي لا يكون دَولةً بين الأغنياء منكم" (الحشر59/7)، كما أوضحته تفصيلاً في باب "النظم المالية والاقتصادية" من كتابي الأخير: "النظم الإسلامية:نشأتها وتطورها". وحسبُكم ـ لتعرفوا قيمة المال في الإسلام ـ إن القرآن في الآية الخامسة من سورة النساء سمَّى "أموالكم التي جَعل الله لكم قياماً"، وهي تسمية تُرادف اليوم: "المال عصب الحياة" في تعبيرنا الحديث. ولقد آثرت أن أصدر عن هذا الروح المشترك بين المسيحية والإسلام ـ حتى على هذا الصعيد الذي يمتاز فيه الإسلام بوضوح ـ يوم أقررت هنا في "الندوة اللبنانية" الصديق الكريم الارشمندريت جورج خضر على انتصاره ـ باسم المسيحية ـ للقضايا الاقتصادية، ومواجهته نفراً غير قليل من إخوانه في الدين الذين يرون المسيحية مجرد ديانة روحية لا يعنيها إلا خلاص الفرد وآخرته. والدين لم ينسحب قط ـ ولن ينسحب أبداً ـ من ميدان العلم التجريبي، لاسيما إن كان الدين المعنيّ هنا هو الإسلام. وكلَّما حاولت العلوم الطبيعية أن تضغط الإنسان في حتمية وجدت في الإسلام محرّضاً على المزيد من التوغل في هذه الصعدات، لا إزراءً بالإنسان، ولا خدشاً لكرامته، ولا انتهاكاً لوجدانه الممزّق، بل حثاً له على اكتشاف ذاته، وتحقيق وجوده، وامتلاك العالم بالعلم، وتسخيره الكون بالمعرفة والحضارة ، بهذا نطقت الآية الكريمة: "وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه" وجلجل الحديث الشريف وهو ينادي: "الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها التقطها". لذلك رحَّبت ـ في سلسلة "المسيحية والإسلام في لبنان" ـ باستناد الصديق الكريم الأب فرنسوا دوبره لاتور إلى آراء الأب العلامة تيلار دي شاردان، للتوفيق بين نصوص الكتاب المقدس ونظريات العلم الحديث. وأجدني الآن ـ في هذه المناسبة بالذات ـ مبدياً من آيات الإعجاب أروعها وأنا أردّد لغبريال مرسيل عبارته الفلسفية العميقة: " لابدّ للإنسان من اكتساب مقتنىً ما حتى تبدأ ذاته في أن توجد وتكون. إن الله لا تحدّه كلمات التملك، ولا ألفاظ الملكوت، وإنما تحدّه كلمة الوجود، فإنه هو الوجود الكلِّي، بل هو كلّ الوجود". ولعل من حق المسلم ـ في هذا الصدد ـ أن يزداد استمساكاً واعتصاماً بالتعريف الشامل الدقيق الذي كشف الله له فيه عن وجوده الكلِّي واضحاً قوياً يأخذ بأقطار نفسه، ويتدخَّل جهرة في كل شأن من شؤون الناس، بسمعه وبصره، ويده التي فوق أيديهم، ليحسوا إنه معهم أينما كانوا، وليشعروا بوجوده في حياتهم الفردية والجماعية عميق المعنى، واسع الأثر، قوي الاتصال! "ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم، ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا، ثم ينبِّئهم بما عملوا يوم القيامة. إن الله بكل شيء عليم" (المجادلة 58/7). وما كان للدين ـ آخر الأمر ـ أن ينسحب من ميدان السياسة، لئلا يترك للنظم "الزمنية" القائمة تقرير الأصول ووضع التشريعات، وحينئذ تتحقق مقالة بيغي(Peguy): "بدأ كل شيء بالعقيدة، وبالسياسة ينتهي كل شيء". ولأمرٍ ما آثر الإسلام أن ينسِّق بين سلطات الدولة وتوجيهات الدين، بنظم واضحة صريحة تتعادل فيها الحقوق والواجبات، ويتساوى فيها الجهد والجزاء، وتكفل فيها ضمانات المعيشة المادية، وضمانات العدالة القانونية. ولأمرٍ ما أيضاً وافقتُ الصديق الكريم الأب يواكيم مبارك على اقتراح له أدلى به على منبر هذه الندوة يوم طالب بإنشاء مجلس إسلامي مسيحي مشترك، لعلَّه يكون فرصة للقيم الروحية ـ مهما يكن مصدرها ـ لتشعّ على الزمنيات بنورها الوهَّاج، ولعلَّه يقلِّل من تدخُّل الطائفية البغيضة التي تسيء إلى كرامتنا جميعاً في بلد الإشعاع والنور. ألا وإن تلكم اللمحات التي مكَّنني من عرضها عليكم وقتي المحدود، قد ساورت بوضوح نفسية حبشي، مفكرنا اللبناني الأصيل، الذي تحدّث في طائفة من محاضراته عن الدين عبر الفلسفة والعلم والسياسة والاقتصاد، ورأى إلهَ الدين إلهاً للعقل والعلم، وألفى بيننا وبين الاقتصاد صلة حميمة وثقى، واعتبرَ المادة خير وسيط بين الإنسان وأخيه الإنسان، ودعا إلى المحبة جوهر كل دين، وزادنا تلهفاً وظمأً إلى ينبوع الإيمان العذب النمير. |
سرقات أنزور وزمجرة البوطي : معارك الشيخ والمخرج في رمضان
قراءة علمية لظاهرة اعصار تسونامي و اثرةعلى التغيرات المناخية و شبكات الاتصالات اللاسلكية
اللهم إني صائم
الضيف الحميم "رمضان"
اجلس اعوج وتفرج عدل
فقراء يتعففون ومحتالون يتسولون