| تخليص الإبريز في تلخيص باريز |
|
|
| ثقافة وفن | |||
| الكاتب فيصل جلول | |||
| الأربعاء, 21 يوليو 2010 14:35 | |||
|
عدت مؤخرا لكتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة الطهطاوي حتى أرى كيف نظر شيخ عربي مصري أزهري إلى العاصمة الفرنسية خلال إقامته فيها لمدة تقل عن خمس سنوات وكيف يمكن أن يراها
يلخص الطهطاوي باريس فعلا إذ يقف على كافة وجوهها بعين نقدية مقارنة فهو يرى تعدد معارف الفرنسيين الذين "لم يقف تمدنهم على حالة واحدة مثل أهل الهند والصين" و ينبهر بالعمران لكنه يلاحظ "نقص حجر الرخام" في العمائر وكان سائدا في الأبنية الفخمة في الشرق. ويمتدح تحصيل الضرائب لأنها "تؤخذ بكيفية لا تضر المعطي" ويؤكد على عادة القراءة عندهم فهي "انس الفرنسوية وسائر العامة يقرؤون ويكتبون وكل إنسان عنده خزنة كتب" في منزله. وباريس التي زارها "خالية من الحشرات فلا يسمع أن إنسانا فيها لدغته عقرب" أما عقاراتها فهي "غالية الثمن والكراء"... وما زالت حتى اليوم. وينتقد الطهطاوي الرجال الفرنسيين بوصفهم "عبيد النساء سواء أكن جميلات أم لا" ويعظ شعرا بقوله "لا يكن ظنك إلا سيئا بالنساء وان كنت من أهل الفطن..... ما رمى الإنسان في مهلكة قط إلا ظنه الظن الحسن"، ويرى أنهم "اقرب إلى البخل من الكرم والحقيقة أن الكرم في العرب" على حد تعبيره لكنه يمتدح عند الفرنسيين "وفاء الوعد وعدم الغدر وقلة الخيانة" ويشخص وعيهم بدقة مذهلة ".. عقولهم رومانية وطباعهم يونانية" وينتقد عنصريتهم الممتدة حتى يومنا هذا ".. وعندهم السود عارون عن النظافة" ولو قدر له أن يسمع ما قاله الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عن حي يقطنه السود وروائح طعامهم الصادمة لجيرانهم الفرنسيين لربما استنتج بأن قرنا وأكثر من ثلاثة أرباع القرن لم تؤثر جوهريا في نظرتهم إلى السود وربما الأجانب إجمالا. ويفتخر الطهطاوي بلغتنا العربية مقارنة بالفرنسية إذ يرى أن "لسان العرب هو أعظم اللغات وأبهج" ويردد كعادته في التفضيل أبياتا شعرية لتأكيد ما يقول "يليق الخطاب اليعربي بأهله ... فبهدى للنقص والحسن للقبح ... ومن شرف الأعراب أن محمدا ... أتى عربي الأصل من عرب فصح.. وأن المتأني أنزلت بلسانه... بما خصصته في الخطاب من المدح". ويقارن بين مفاهيم الفرنسيين ومفاهيم العرب ".. وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عندنا بالعدل والأنصاف فهذه البلاد حرية بقول الشاعر: وقد ملأ العدل أقطارها وفيها توالى الصفا والوفا" . وكان الطهطاوي قد أرسل خادمه ذات يوم إلى مذبح لشراء اللحم وعاد متهولاً من طريقة الذبح عبر ضرب الثيران على رؤوسها بمطرقة حديدية ليعلق على لسان خادمه بأنه ".. يحمد الله على أنه ليس بقرة يذبحها الفرنسيون" ولا يخلو وصف باريس عنده من روح الدعابة فهو يروي أنه كان يسير يوماً في الشارع المحاذي لإقامته عندما سمع سكيرا يخاطبه "يا توركو يا توركو" نظرا لملابسه التي توحي بأنه تركي وليس عربيا ويقول أنه اصطحب السكير إلى دكان قريب وقال لصاحب الدكان ممازحا كم من المواد تعطيني مقابل هذا الرجل فيرد صاحب الدكان "هذا يحصل في بلادكم وليس عندنا حيث الناس لا يباعون ولا يشرون" لا يكف الطهطاوي عن المقارن بين حال الفرنسيين وأحوال العرب فيستحسن بعض ما عندهم ويمتدح بعض ما عند العرب ويتمنى الأخذ بالأفضل منهم ومنحهم الأفضل مما عندنا منطلقا من تفكير ندي ووعي للذات مواز لوعي الفرنسيين وليس أدنى بل أحيانا أعلى كما لاحظنا في المقارنة بين اللغتين الفرنسية والعربية. يزعم بعض الحداثيين عندنا أنهم أتوا في مجال الحداثة بأعظم مما أتاه القدماء من مثقفينا وهو زعم لا ينطبق بأية حال على شيخنا المصري ذلك أن ما لخصه الطهطاوي خلال إقامته الباريسية القصيرة عن أحوال التمدن والعمران في عاصمة الفرنسيين بمنهجه المقارن وبسلم الأفضليات الذي اعتمده مازال صحيحا حتى يومنا هذا. ويختلف الطهطاوي في تلخيصه الباريسي عن مثقفين مصريين كثر استقروا زمنا أطول في العاصمة الفرنسية ونظروا إلى ما يسمى بـ "النور الفرنسي" من موقع المغلوب واخذوا مناهج الفرنسيين وطرق تفكيرهم بوصفها منقذا من "الضلال العربي" ولم يصيبوا في الحالتين. خلاصة القول أن أحدا منا لا يستطيع اليوم الافتخار بما عندنا مقابل ما عند الفرنسيس بعد أن صرنا في موقع المغلوب الذي يسير على خطى الغالب في القسم الأكبر من شؤونه ولعل هذا يعكس جوهر تخلفنا الجاثم والثابت أن لا تقدم يرتجى في أحوالنا ما لم نغادر هذا الموقع إنه أم المشاكل عندنا ومنه بطونها المتعددة .. شكرا رفاعة بيك رافع الطهطاوي ففي تلخيصك لباريز "قول ضباط" في عالم عربي معاصر يضج اليوم بأقوال الجنود.
|
سرقات أنزور وزمجرة البوطي : معارك الشيخ والمخرج في رمضان
قراءة علمية لظاهرة اعصار تسونامي و اثرةعلى التغيرات المناخية و شبكات الاتصالات اللاسلكية
اللهم إني صائم
الضيف الحميم "رمضان"
اجلس اعوج وتفرج عدل
فقراء يتعففون ومحتالون يتسولون