إن أحسن تعبير يأتي به مفكر عن تقديره لعمل مفكر آخر هو، بعد الفهم المحب، المشاركة عن طريق النقد. إذ التقدير يتبع القيمة، والقيمة تكمن في المضمون والأثر الذي يحدثه في النفوس. فإذا قصرتُ في



التعبير فذلك مني، وإذا أجدت فالفضل يعود للمفكر الذي نجتمع لتكريمه.
تبدو المشكلة، التي أود أن ألفت انتباهكم إليها، هامشية بالنسبة إلى مجموع ما كتبه الأستاذ رينه حبشي . فهي لا تتعلق مباشرة بتحليلاته لأبعاد الحياة الشخصية وأعماقها، ولا بالأفكار الالتزامية التي تمتّ إلى الواقع النفسي والاجتماعي في العالم العربي بصلة وثيقة .
إنما هي جزء من قضية العلاقات الكائنة بين الفلسفة والتاريخ. فالأستاذ حبشي لم يكرس أبحاثاً طويلة لهذه القضية، إنه لم يكتب بإسهاب في موضوع فلسفة التاريخ، ولم يعالج بشكل ممذهب القضايا المعقدة التي تؤلف شبكة العلاقات الكائنة بين الفلسفة والتاريخ. لكنه تعرض في أبحاثه لبعض من هذه العلاقات، وعندي أن ما قاله بهذا الصدد أهم بكثير مما يبدو لأول وهلة، إذ عليه يرتكز القسم الأكبر من تفكيره الإلتزامي والتأملي الذي يدور بمجمله حول هذه المشكلة: كيف نتفلسف في إطار العالم العربي المعاصر؟ والجواب الذي نتبينه في كتاباته يسهم إلى حد بعيد في توضيح معالم وضعية الفلسفة في المرحلة الجديدة من تاريخ الشرق الأدنى، ويسعف على إبراز الشروط اللازمة لنشوء الوعي الفلسفي الصحيح والأبعاد التي يتكون منها).
يمكن أن نرد أفكار الأستاذ حبشي جميعها إلى هذه الفكرة المحورية: الوجود البشري مجال التقاء عجيب بين عالمين، عالم الزمن وعالم الأزل، والحياة الشخصية مغامرة غايتها ومعناها تحويل هذا المجال إلى وحدة كاملة ثابتة تكون صورة لوحدة الوجود المطلق.
هذه الفكرة الشاملة تستلزم أسساً لاهوتية معينة، لكن ميزتها الكبرى أنها لا تُغرق الزمن في الأزل ولا تعترف بإمكان الوصول إلى الأزل بالخروج من الزمن. فالوجود زمني، ولا بد من مواجهته في هذا المستوى. وهذا لا يعني أن الإنسان موجود في الزمن بشكل متخارج، بل يعني أن الإنسان موجود زمني بشكل متداخل. فوجود الزمن وزمن الوجود شيء واحد. وكذلك الوجود الزمني والزمن الوجودي حقيقة واحدة. إلا أنها تبدو منقسمة بسبب الوعي وفعله السلبي من حيث هو وجود وعدم. وبما أن الوجود البشري متعلق بفعل الوعي، فالزمن يدخل في تركيب الإنسان بصورة جدلية، أي أنه فاعل ومنفعل في الوقت الواحد.
والزمن الذي يتحقق على نمط الجدلية، بنوع أمثل، ليس زمن الطبيعة، ولا زمن الحياة الذاتية، بل زمن التاريخ. وقد لا يوجد في هذا العصر ما يؤكد هذه الحقيقة كما يؤكدها العالم العربي، من هنا الأهمية التي يراها الأستاذ حبشي لمشكلة سير الحضارة فيه. فزمنية الوجود تقتضي البقاء أبداً في الحاضر، لكن حاضر الإنسان ليس الآن المطلق، بل حاضر التاريخ الذي يتكون دفعة واحدة من الآن والماضي والمستقبل. وبسبب تعدد أبعاد الحاضر التاريخي تبرز الجدلية، فتجعل الماضي سيداً، أو تنسفه فتعطي الأسبقية للحاضر الراهن أو للمستقبل، إلا أنه يجب التنبه إلى أن هذا الصراع بين أطراف الحركة الجدلية لا يتقدم دون اشتراك الإنسان فيه، بوعي أو بلا وعي. وهذه فكرة لا تغيب عن ذهن الأستاذ حبشي. فهو يؤكد في كل كتاباته أننا نحن صانعو التاريخ، وأننا مدعوون في كل لحظة إلى صنعه من جديد حتى يصير إنساناً. فالماضي ليس وجوداً مستقلاً وليست له قيمة في ذاته: وجوده وقيمته متعلقان بوجودنا الحاضر. إنه موجود بالنسبة إلينا، ولسنا موجودين بالنسبة إليه. وكل موقف نتخذه حيال الماضي ليس سوى تعبير عن نوعية الحرية والمسؤولية التي نضطلع بها في عملية صنع التاريخ . فالماضي يحتفظ ببعض القيمة بقدر ما يفعل في حياتنا الراهنة أي بقدر ما يغذي أفعال الوعي، والحاضر لا ينفتح على الماضي إلا على قدر افتقاره إليه.)
معنى هذه الفكرة أن الإنسان ليس خالقاً للتاريخ كما أنه ليس نتيجة آلية لحتمياته . الإنسان يصنع التاريخ بحريته تحت تأثير عوامل وحتميات موضوعية معينة. بكلام آخر التركيب الموضوعي يكتسب قيمته ومعناه من الذات البشرية. وهكذا تتحدد معالم الشخص البشري في التاريخ: إنه مدعو إلى القيام دوماً بفعل الحضور والشهادة، الشهادة لنفسه وللآخرين باسم القيم التي تغذي حياته. فالشاهد هو عند الأستاذ حبشي الصانع الحقيقي للتاريخ أي الفاعل الذي يلتزم فكراً وعملاً في تغيير وجه التاريخ. ولسنا نخطئ إذا قلنا بهذا المعنى أن فكر الأستاذ حبشي إنما هو نوع من الشهادة لا يُفهَم مجرداً عن الوضعية الشخصية والوضعية الاجتماعية التاريخية التي ينتمي إليها.
انطلاقاً من هذا الموقف الوجودي يعيش الأستاذ حبشي مغامرته الفكرية، محللاً ما يدركه من مشاكل التطور في العالم العربي . غير أن مستلزمات هذا الموقف نفسه قادته إلى مشكلة هي من أضخم المشاكل التي يواجهها الفكر في العالم العربي المعاصر، ألا وهي مشكلة الفلسفة. إذ أن الفعل الذي يهيمن على عملية صنع التاريخ وينظم مراحلها ونواحيها ليس الفعل السياسي كما يتصور الناس، بل الفعل الفلسفي. لماذا؟ لأن السياسة ترتبط بظروف التغير بينما ترتبط الفلسفة بموجاته البعيدة المدى. وهنا بالضبط تكمن مأساة المفكر في العالم العربي. فغياب الفلسفة الفاعلة عن مجرى الحوادث السياسية والاجتماعية يحتم عليه في الظاهر أن يتبنى أحد هذه الحلول: أما أن يبحث عن فلسفة غربية يجدها صالحة لتوجيه العمل في العالم العربي الراهن، وأما أن يبحث في الماضي البعيد عن أسس يمكن أن يقوم عليها بناء المستقبل، وأما أن ينطوي على ذاته تاركاً قضية إنشاء الفلسفة الفاعلة للجيل أو الأجيال الآتية. هذه الحلول الثلاثة يرفضها الأستاذ حبشي بسبب موقفه الوجودي. فهو لا يتبنى مذهباً فلسفياً أنتجه العقل الغربي لأنه يرفض أن يكون مستهلكاً وحسب، ولا يلتجئ إلى الماضي البعيد لكي يرتاح إلى الحلول التي يقدمها، لأنه يعلم أن تلك الحلول لا توافق الحاضر، ولا ينطوي على ذاته لأنه يشعر شعوراً قوياً بحاجة التاريخ إلى التجدد. لذلك نجده، مقابل هذا الرفض، يفتش بكل قواه عن مخرج من هذه المأساة. وفي الواقع، أنه لا مخرج إلا بالإبداع، والإبداع نفسه مأساة.
أدرك الأستاذ حبشي هذه النتيجة كما لم يدركها سواه. ولكنه أدرك في الوقت نفسه صعوبة الإبداع الفلسفي، الذي يختلف بماهيته وشروطه عن الإبداع الفني والاختراع العلمي. فعل التفلسف مرتبط بحالة المجتمع الحاضر. فكيف يكون الإبداع، والحاضر يخلو من الشروط الأساسية التي تساعد على التأليف الفلسفي! من هذه الزاوية تبدو المشكلة، على صعوبتها، محصورة بسيطة. لكن علاقات الفلسفة والتاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. إذ أن فعل الفلسفة لا يرتبط بالحاضر وحسب، بل يرتبط بالتاريخ، وبنوع خاص بتاريخ الفلسفة. فالفيلسوف في العالم المعاصر لا يستطيع بأي حال أن يجهل أو أن يتناسى تاريخ الفلسفة، وإذا فعل فإنه يقضي على نفسه بالعقم. الحقيقة تنمو وتثري بكل ما يكتشفه الباحثون. هذه الفكرة صحيحة في مجال العلوم الوضعية، لكن صحتها تكتسب طابعاً تكاملياً وبعداً حياتياً عميقاً في مجال الفلسفة. ذلك لأن حوار الفكر والتاريخ قديم قدم الإنسان، وليس باستطاعة أي مفكر الادعاء بأنه أول من اكتشف الحقيقة. هذا يعني أن فعل التفلسف يتحقق وكأن الفيلسوف المبدع يعاود، في بدء من ذاته، مغامرة قديمة. لكن الخطر يكمن حيث يطلب الفيلسوف غذاء لفكره، إذ يُخشى عليه أن ينقلب ويصبح مؤرخاً للفلسفة. ومثل هذا الانقلاب ليس غريباً في حركة جدلية الفلسفة والتاريخ، حيث تمحي ذاتية الفعل الفلسفي لتظهر في موضوعية تاريخ الفلسفة. باختصار، التفلسف الخلاق لا يمكن دون الرجوع إلى تاريخ الفلسفة والانعتاق منه. فكيف يتم ذلك في إطار الثقافة العربية الحديثة؟
يجيب الأستاذ حبشي بأن الحل الوحيد بالنسبة إلينا هو إقامة الوصل بين الفلسفة الغربية الحديثة والفلسفة الشرقية الوسيطة، بالاعتماد على المشكلة الرئيسية التي تخترق تاريخ الفلسفة من أفلاطون حتى سارتر، مشكلة الماهية والوجود. ولكي يتم هذا الوصل في عقولنا الممزقة، يجب هضم العناصر الإيجابية التي تقدمها الفلسفات الحديثة من وجودية وماركسية وغيرهما وإحياء العناصر المفيدة التي تتضمنها الفلسفات القديمة. هذا الواجب المزدوج يعمل الأستاذ حبشي على تتميمه وقد اختار، لأسباب منهجية، أن يرقى تاريخ الفلسفة باتجاه الجذور، دون أن ينقطع عن الحاضر أي دون أن يصبح مؤرخاً بالمعنى الحصري. وبما أننا لا نقوم هنا بدراسة نقدية مفصلة، فإننا نكتفي بالإشارة إلى قيمة هذا الحل ومعناه.
في الواقع أن من يتأمل حصيلة النتاج الفكري، في تاريخ العالم العربي الحديث، يرى أن قضية الفعل الفلسفي قد بلغت في فكر الأستاذ حبشي أكمل صورة لها. فإننا نجد في فكره إدراكاً عميقاً بأن التفلسف الخلاق يبدأ من الذات، وإنه مغامرة مهمة جداً لتوجيه التطور الحضاري. ونجد أيضاً المبدأ الذي يرشد كل مغامرة فلسفية وهو أن فعل الوعي يتحقق في التاريخ وبواسطته. ونجده فوق ذلك وصفاً دقيقاً لمستلزمات التفلسف في الفراغ الذي تتخبط فيه العقول في العالم العربي الحديث. هذه العناصر تدلنا بوضوح إلى أن الأستاذ حبشي خلَّص الفلسفة من التزييغات التي تقع فيها عند كثيرين من أدعياء الفكر، وخلَّصها من عقدة التاريخ، وأوصلها إلى المجال الصحيح. فتأملاته الشخصانية، وأفكاره الالتزامية، وكتاباته حول الفكر المتوسطي تكوّن بمجموعها، وبالرغم من شكلها غير الموحَّد، أعمق وأشمل محاولة قام بها مفكر عندنا لتثبيت الفلسفة وتبيين دورها في تكوين التاريخ. ومهما تكن قيمة بعض النتائج التي يستخلصها من تحليلاته، فإنه يمكن القول بأن كل تقدم على صعيد الفلسفة في العالم العربي مرهون بتخطيه للمشكلة التي يطرحها وهي أن التاريخ يستدعي الفلسفة والفلسفة تستدعي التاريخ، وهذه العلاقة الجدلية المعقدة لا تجد حلاً مطابقاً لها إلا بالإبداع. لكننا، وإن كنا لا نحدد الإبداع بأنه إيجاد الشيء من لا شيء، فإننا لا نقبل بتحويله إلى معنى البعث والإحياء. الإبداع الحقيقي ليس مرادفاً للشهادة. إنه يقتضي الهدم واستعمال ما يصلح من التاريخ كوسيلة فقط في سبيل تكوين أفكار ونظريات جديدة توافق المشاكل التي يعيشها الجيل الجديد. ولكننا نعلم أيضاً أن الإبداع في أي قطاع من قطاعات الفلسفة، وبنوع خاص في قطاع فلسفة التاريخ، يستلزم في إطار الثقافة العربية المعاصرة هضم تاريخ الفلسفة الذي يمثل حصيلة الوعي الحضاري، وهضم قسم كبير من العلوم الإنسانية، وتحويل ذلك كله إلى شيء أصيل في عالم لم تجتز فيه الأبحاث الفلسفية والعلمية مرحلة الطفولة. أيقوى على ذلك غير العباقرة؟.
وإذا كان فعل التفلسف يتحدد ضمن حركة عقلنة التاريخ وتحقيق العقل في التاريخ، فإن المعنى الذي ترشدنا إليه أفكار الأستاذ حبشي ينتهي إلى أن أكبر تحدٍ يلقاه الفكر في العالم العربي المعاصر هو النجاح في إبداع فكر فلسفي أصيل. هذا الفكر يجب أن يكون شخصانياً في اتجاهه، لكنه يجب أن يقيم البناء الفلسفي على قاعدة تاريخية الوجود وعلى نظرية في المجتمع والدولة. بذلك يمكن للوعي الفلسفي أن يتفاعل مع التاريخ، فيصبح وعياً تأسيسياً بالتاريخ والوجود. لكن مشروعاً كهذا يتطلب جهود كثيرين عبر أجيال متعددة. والأستاذ حبشي لا يجهل ذلك فهو يدعو صراحة إلى مشاركة من هذا النوع بقوله الرائع:" سيتعذر علينا أن نشعر بفرح أولئك اللبنانيين الذين يرون عمل أيديهم يتعالى، لكننا سنشعر بسرور مرير قوي، سرور الذين يهيئون التاريخ لكي تبني أجيال أخرى ضمن شروط تكون عند ذاك جديدة".
ومن كانت هذه رؤياه ورسالته، فإنه يستحق سلفاً أن يدخل ملكوت التاريخ.