إخواننا الذين في الحجاز واليمن والعراق وسورية وإفريقية قد سمعوا، وهم في أوطانهم المباركة، ضجة سياسية حدثت هذه الآونة في استانبول وما حولها سلانيك ومناستر وأزمير، وقرأوا في جرائد شتى،

عربية وغير عربية، عن هذه القلاقل أخبارا عُلّقت عليها حواش وشروح، فوصلتهم مرقعة مبقعة قد اجتمع فيها من الألوان بمقدار ما اختلط من الأهواء، فنحن نقول لهم الآن إن هذه الشؤون مازالت ولن تزول من هذه القاعدة بيد أن بعضها ينجلي عن جعجعة من غير طحن كما هو غالب الظن في الضجة التي حدثت هذه المرة،
وبعضها ينجلي عن عاصفة سافية تذهب معها والعياذ بالله العافية، كما وقع في مرات مرّت، وعلى كلتا الحالتين يجب عليكم إذا كنتم تحبون السلامة لهذه الدولة ولأنفسكم أن تعرفوا أنفسكم. هذا هو معظم ما في "الحضارة" من مذهب سياسي في الشؤون الداخلية، أما مذهبنا في الشؤون الخارجية فلا نحب أن نكثر من جَلْوه وإنما ندخل شيئاً منه أحيانا في أطواء المناسبات، على أن الداخلية والخارجية عندنا شيء واحد في أكثر الأوقات باعتبار أن من صحّ داخله صحّ خارجه ولا تضيره الطوارئ البسيطة، ومن فسد داخله فسد خارجه ولا تجيره الصبغ والتماويه كيف كان أمرها بل يزيد بعضها فساداً.
في هذه المقدمة الوجيزة جواب لصديق عزيز كتب ينكر علينا إقلالنا من الفصول(أو الفضول) في السياسة الخارجية وفيها تنبيه لقرائنا الأعزاء أن القوة لهذه الدولة إنما هي في أن يكون العرب معروفين وغير منكورين، وأن على العرب قبل كل أحد أن يعرفوا ويُعَرِّفوا بها، وأنهم إن جهلوا هم أنفسهم لم يكن غيرهم ملوماً.
من هم العرب؟ هم اليوم قوم يجهلون أنفسهم حتى إنّ أعرف العارفين بهم من أنفسهم ينكر اليوم قابليتهم في موضع من كتاباته ويثبتها في موضع آخر، وله شيء من العذر في نظري لأنه يراهم من جهات كثيرة فيجد في بعض الجهات ما ينسيه الذي رآه في الجهات الأخرى: يراهم من بعض الجهات وُرَّاث ذلك الشعب الكبير الذي تتسلسل مدنياته وعلومه منذ قرون كثيرة قبل الإسلام إلى قرون كثيرة بعده، فيقول في نفسه إن ما لناموس(1) الوارثة من التأثير يقضي علينا أن لا ننفي عن هذه الأخلاف شيئاً من تلك القابلية التي كانت للأسلاف، ويراهم من بعض الجهات متقطعين متقاطعين، متباعدين متباغضين، غير مقبلين على إحياء آثار الأسلاف من المدنية والعلم كما ينبغي فيقول في نفسه إن ما للعوارض الاجتماعية من التأثير يقضي علينا أن نذهب إلى أن هذه العوارض تغلبت على ناموس الوارثة كما شوهدت أمثال ذلك في كثير من شؤون الأمم، ولكن بين هاتين الجهتين المتضادتين جهات كثيرة هي حلقات الاتصال، فلو أشرف الباحث من كل الجهات ووصل مشاهداته في جهة بمشاهداته في أختها القريبة، لكان حكمه أقرب إلى الحقيقة وأبعد عن المؤثرات من النسيان والحيرة. إذا قلنا إن العرب يجهلون أنفسهم فليس فيه التعييب على شخص بعينه وإنما هو إغراء وحَدْوٌ "للهمم كي تزيل ذلك الصدأ الذي ركمه الزمان لأسباب كثيرة، وإذا لم نقل هذا القول فإن الداء يبقى داءً ولا يزيدنا السكوت إلا أنيناً وتوجعاً.
إي والشرف! لا يعرف العرب ماضيهم كما يجب ولا يعرفون حاضرهم كما ينبغي، وليس ذلك إلا من الإهمال وقلة التذكير والتذاكر ، ولهذا أصبح معاشروهم لا يعرفونهم أيضاً حق المعرفة، فتركّب المرض وأصبح أول الطب المطلوب لهم الآن هو أن يعترفوا هذا الاعتراف.
للعرب ماض عظيم ولا أعني به الماضي من بعد ظهور الإسلام فقط وإنما أعني كل ماضيهم الذي عرفه الباحثون من الأمم السالفة والحاضرة، ومنه ذلك الذي أشار لنا القرآن المجيد أنواع الإشارات إلى حكاياته لتكون لنا عبرة وذكرى.
بديهي أن هذا الكتاب الحكيم لا يأتي بأحاديث الغابرين على أسلوب المؤرخين وإنما يأتي بها على أسلوب الناصح المذكر، ولكن طالب التاريخ يأخذ أيضاً حصة وافية من مثل ذلك الأسلوب العالي الذي يحيط بالموضوع من أخص جهاته. لقد وصف لنا هذا الكتاب الصادق انقلابات قبائل وجماعات كانت معروفة الاسم والحال بالجملة عند عرب الحجاز، وكون تلك القبائل والجماعات من العرب يظهر صريحاً في بعض تلك الجماعات وقريباً من البداهة في الجماعات الأخرى، إذ ليس في القرآن المجيد أخبار الجماعات النائية عن العرب المجهولة عندهم، وما جاء من أخبار بعض الجماعات المعروفة عندهم قد صرح باسمها كالروم مثلاً.
أخبار تلك الانقلابات التي قصها علينا القرآن المجيد يؤخذ منها أن تلك الجماعات التي حدثت فيها كانوا على جانب عظيم من الحضارة والزينة والرفاه، ومن ذلك أن جماعة منهم كان لهم مدينة "لم يخلق مثلها في البلاد" وقد أظهر الاكتشاف والحفر والتنقيب في مساكن العرب القدماء ما يدهش من نحت الصخور واتخاذ البيوت منها وحدها على ما فيها من النقوش والزخرف والهندسة، وكذلك أخبر ذلك الكتاب المجيد عما كان لهم من الجنان وعما كانوا متمتعين به من صحة الجسوم واعتدال الخلق وأنهم عمروا الأرض وتمكنوا فيها كثيراً من العزة والسيادة وطيب العيش، وكل ذلك قد عرفه الباحثون المتأخرون في يومنا هذا على نحو ما عظّم القرآن المجيد من شأنه.
أما تلك الانقلابات فلها أسباب يطول بنا تفصيلها هنا ويخرج بنا عن الصدد فنحن نكتفي بأن نأخذ منها النتيجة وهي أن تلك المدنيات كان يوجد فيها نقص وعيوب على ما كان لأصحابها من جودة القرائح وعلو الهمم وسعة العلم بالعمران، فكانت سنة الله سبحانه تقضي بانطفاء لوامع تلك المدنيات لتخلفها مدنيات أصحُّ وأصلح وأكثر مناسبة واستعدادا للبقاء.
نعم كانت تنطفئ لوامع تلك المدنيات ولكن كانت تخلفها أخَر في ذلك الشعب نفسه فيوماً كانت طائفة منه تنشئ حضارة في سبأ اليمن، ويوماً كانت طائفة أخرى تقيم عمراناً في العراق، ويوماً كانت طائفة أخرى توجد مدنية في شواطئ سورية ثم في شواطئ إفريقية، ويوماً كانت طائفة منه تنبت عرفاناً قي أيْلَة وما حولها. مازالوا كذلك حتى بزغ منهم النور الأعظم الذي ملأ الخافقين، وأضاءت به المشارق والمغارب، هنا تجد العرب قد اختفوا في الحقيقة وظهر شيء آخر مكانهم، نعم هنا ظهرت بواسطتهم جامعة إنسانية عظمى تضم بين جوانح محافلها طوائف كثيرة من كل أبناء آدم وبنات حواء، فإن كان هذا منتهى ما يسعى محبو الإنسانية لرؤيته من الإخاء الإنساني ومن أجله يؤلفون الجمعيات فلا تبلغ أعضاؤها إلا عدداً قليلاً جداً بالنسبة إلى مجموع بني آدم فليُفرحهم هذا الإخاء الذي جعل نحو خُمس العالم على اختلاف أجناسهم جمعية واحدة قائمة على أسس العدل والمرحمة؛ الرب عندها واحد، والإمام الأكبر عندها واحد، والمقصد الأعظم عندها واحد وهو أن لا يتخذ بعضنا بعضا أرباباً وبعضنا بعضا عبيداً.
هذه روح ربانية قد أمدّ الله بها النوع البشري فنفعتهم كثيراً حسب اعتراف كل العقلاء، وقد كانت جزيرة العرب مشرق نورها بإذن الله تعالى، ولايزال العرب على ما صدمهم من العوارض الاجتماعية آخذين بحظ عظيم الفائدة من الاستضاءة بهذا النور، ولكن قد تخفى على كثيرين بركات هذا الحظ لكثرة الغيوم الاجتماعية والسياسية الحائقة بأجوائنا.
حدث بعد ظهور هذه الروح العظمى كثير من الانقلابات الماضية التي أشرنا إليها، ولكن الذي نزّل الذكر "القرآن المجيد" وقد وعد بحفظه، والذكر هو حافظ اللغة وجامع شتات المتكلمين والكاتبين بها إلى يومنا هذا، فللعرب اليوم جامعة عظيمة من لغة يشرفها الدين والاجتماع، ويتكلم بها خمسون إلى ستين مليونا من البشر تتصل دورهم وبلادهم ببعضها، لا يفصل بينها من المياه إلا ترعة السويس، ويتدارس لغتهم أيضاً مئتان وثمانون مليونا إلى ثلاثمئة مليون من البشر الذين يتكلمون بلغات أخرى.
فالعرب اليوم هم أهل هذه اللغة التي عُرفت حياتها وعُرف ارتقاؤها منذ عُرف التاريخ، وهم أهل هذه الأوطان الجميلة المتوسطة في الأرض المتاخمة للأقيانوس ولبحر الهند وللبحر المتوسط، وهم أهل هذه العقول الذكية التي توارثوها أكثر من سبعة آلاف سنة عن أسلاف عُرفوا بإقامة الحضارات وإحياء العمران وإنبات العرفان. وإذا شئت أن تزداد معرفة بهم فاقرأ الكتب الشارحة بهذا الشأن.
* * *
صدر الجزء الأول في هذه الأيام من كتاب "تاريخ آداب اللغة العربية" لجرجي أفندي زيدان مشتملاً على تاريخ آدابها في عصر الجاهلية وعصر الراشدين والعصر الأموي أي من أقدم أزمنة التاريخ إلى سنة 132 هجرية. أما الكتاب كله ففي ثلاثة أجزاء قال مؤلفه: "يشتمل على تاريخ اللغة العربية وعلومها وما حوته من العلوم والآداب على اختلاف مواضيعها وتراجم العلماء والأدباء والشعراء وسائر أرباب القرائح ووصف مؤلفاتهم وأماكن وجودها أو طبعها من أقدم أزمنة التاريخ إلى الآن".
تصفحنا هذا الجزء الأول فوجدناه كسائر مؤلفات هذا المؤلف المجتهد حسن الترتيب، متقنا، جامعا لكثير من الشوارد، سهل الأسلوب حلوه، جم الفائدة، لذيذ المغزى. وقد تعودت اللغة العربية وقراؤها من هذا الكاتب إهداءه التحف السنية ولكنا قد وجدنا هذه أسناهن وأوفاهن، ولو رحنا نشكر المؤلف على هذه العناية باللغة لخشينا أن يشتمَّ منه أن علاقتنا بها أقوى، كلا بل هو ابن هذه الأم مثلنا، وخادم أمه يجزيه الله ويشكر العالم كله حسن أدبه، أما نحن فنشكره من حيث أنه أخ مفيد في حياتنا الاجتماعية، وعضو نافع في عائلتنا العربية.
على أننا نغتنم هذه فرصةً لأن نهدي إليه كلمة من العتاب على بعض نظريات في حق العرب ساقها في هلال السنة الماضية وقد عنَّ لنا إذ قرأناها أن نؤلف كتاباً في تفنيدها، ثم ثنانا عنه ثانيان: حبُّ الابتعاد عما قد يؤول إلى الشغب، والثقة بأن فكر المؤلف في هذه المسألة ربما يتبدل مع الزمان كما وقع لكثير من المؤلفين في كثير من النظريات.
قال المؤلف في صفحة 13 من هذا الجزء الذي نحن بصدده: "وقد رجحنا في كتابنا «العرب قبل الإسلام» صحيفة 29 ج1 أن دولة حمورابي عربية وأنها أقدم دول العرب فإذا صحّ استدلالنا هناك كان أقدم الآثار العلمية الباقية كاملة عربيَّ الفكر وإن كان آشوريَّ اللغة".
وقال في صحيفة 23 "لم يتصد أحد للبحث في آداب اللغة العربية قبل زمن التاريخ لقلة المواد المساعدة على ذلك ولاعتقادهم أن العرب حتى في الجاهلية الثانية قبل الإسلام كانوا غارقين في الفوضى والجهالة لا عمل لهم إلا الغزو والنهب والحرب في بادية الحجاز والشام وفي نجد وغيرها من بلاد العرب، على أننا إذا نظرنا إلى لغتهم كما كانت في عصر الجاهلية نستدل على أن هذه الأمة كانت من أعرق الأمم في المدنية لأنها من أرقى لغات العالم في أساليبها ومعانيها وتراكيبها، واللغة مرآة عقول أصحابها ومستودع آدابهم، فمتكلمو اللغة الفصحى كما جاءتنا في القرآن والشعر الجاهلي والأمثال لا يمكن أن يكون أصحابها دخلوا المدنية أو العلم من قرن أو قرنين فقط، إذ لا يتأتى للغة من لغات المتوحشين أن تبلغ مبلغ لغات المتمدنين إلا بتوالي الأدهار، فكيف باللغة العربية الدالة على سمو مدارك أصحابها وسعة تصورهم ودقة نظرهم كما سنبينه في أماكنه. على أن الاكتشافات الأثرية أيدت هذا الرأي بما أظهرته من بقايا تمدن اليمن قبل الإسلام ببضعة عشر قرنا ولم يظهر من تلك الأطلال إلا الطفيف لأن ما عثروا عليه من الأحافير لا يذكر في جانب ما بقي مدفوناً في الرمال، فضلاً عما ظهر من فضل العرب وإعراقهم في المدنية والعلم مما قرأوه من آثار بابل وآشور فإذا صح أن دولة "حمورابي" التي تولت بابل وسائر العراق في القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد عربيةٌ كما بينا ذلك في كتابنا«العرب قبل الإسلام» صفحة 49 ج1 كان العرب من أسبق الأمم إلى المدنية والعلم فإنهم أقدم من وصلتنا شرائعهم وقوانينهم. هذه شريعة حمورابي التي عثروا عليها في بلاد السوس منقوشة بالحرف المسماري على مسلة من الحجر الأسود الصلب سنها حمورابي في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد أي قبل شريعة موسى بثمانية أو تسعة قرون وهي مؤلفة من 281 مادة تبحث في طبقات الأمة وحقوق المرأة وواجباتها والزواج والتبني والإرث وغيره".
وقال في صحيفة 24 " فإذا صحّ أن هذه الدولة عربية كان العرب أسبق أمم الأرض إلى سنّ الشرائع وتنشيط العلم، وأنهم بلغوا في نظام الاجتماع مالم يبلغ إليه معاصروهم، وأدركوا من الرقي الاجتماعي ما لايزال بعض الأمم المتمدنة في هذا العصر بعيدين عنه".
وقد بحث المؤلف عن درجة ارتقاء جاهليتهم في العقول والأخلاق (صحيفة29) وعن درجة ارتقائهم في السياسة والعمران(صحيفة30) وعن درجة ارتقائهم في التجارة والاقتصاد وعن تعقلهم وآرائهم (صحيفة30 أيضاً) وعن ارتقاء نسائهم(صحيفة33) وختم كل فصل من هذه الفصول بنتيجة قطعية قضى بها لهذه الأمة بأنها من الأمم الراقية والسابقة في الرقي في كل هذه الشؤون، ثم ذكر من علومهم في جاهليتهم ما يؤيد هذه النتائج ويجعلها ناصعة يراها كل أحد بدون تعب.
وإذا انتهى القارئ معنا إلى هذه النقطة فإني أرجوه أن يعلم هو ثم يقول لكل من لم يكن عربياً أنا فيما نورده من مثل هذه لا ننوي التبجح به على غيرنا، أستغفر الله، وأقسم للقارئ بشرفي أن هذا بعيد عن مشربنا بل نحن نعرف للأمم الأخرى مزاياها ونحترم الجماعات كلها ونجلها، وغرضنا من كل هذا أن لا ننسى فضل الله علينا، فإن من نسوا الله ينسيهم أنفسهم، ومن نسوا أنفسهم ضاعوا في العالمين وصاروا في الذل والبوار مثلاً وعبرة للآخرين، وذلك ما نعوذ منه بالله ونعيد فيه الذكرى، والذكرى تنفع ولو بعد حين.