محدث: 41 مجزرة بحق عائلات كاملة بغزة ..:: ثوابت ::.. الاحتلال يعترف رسميًا بفقدان الجندي شاؤول آرون ..:: ثوابت ::.. أخبـار فلسـطيــن / بروفيسور نرويجي شاهد على "جرائم الحرب" بغزة ..:: ثوابت ::.. أخبـار فلسـطيــن / بالأسماء حصيلة الشهداء 187 ..:: ثوابت ::.. د.شلّح: معادلة تهدئة مقابل تهدئة انتهت والاحتلال يتحمل مسؤولية عدوانه ..:: ثوابت ::.. سرايا القدس تقصف نتانيا للمرة الثانية بصاروخ براق 100 وديمونا بصاروخ براق 70 ..:: ثوابت ::.. اليوم السابع للعدوان..ارتفاع عدد الشهداء الى 175 و اكثر من 1230 جريح ..:: ثوابت ::.. البنيان المرصوص.. سرايا القدس تواصل دك العمق الصهيوني ..:: ثوابت ::.. شريط مصور يبين كيفية استشهاد نديم نوارة ومحمد أبو ظاهر ..:: ثوابت ::.. العشرات من اصدقاء الشهيد نديم نوارة ينظمون وقفة وسط رام الله ..:: ثوابت ::.. واشنطن والامم المتحدة تدعوان "اسرائيل" لاجراء تحقيق في استشهاد نوارة وابو ظاهر ..:: ثوابت ::.. / بالصور : الفلسطينيون يحيون يوم الارض بمسيرة ..:: ثوابت ::.. ::أخبـار فلسـطيــن / احمد سعدات يرفض فكرة الافراج عنه في صفقة ناتجة عن مفاوضات ..:: ثوابت ::.. ::أخبـار فلسـطيــن / الاحتلال يصادق على بناء كنيس "جوهرة إسرائيل" بالقدس:: ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / "إسرائيل" تقرر: الدفعة الرابعة لن تشمل أسرى الداخل المحتل:: ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / أسرى يدخلون أعوامًا بسجون الاحتلال:: ..:: ثوابت ::.. بالصور..جماهير غفيرة تواري جثمان "أبو عرب" الثرى في سورية ..:: ثوابت ::.. شهيدة برصاص الاحتلال شرق خان يونس ..:: ثوابت ::.. مسيرة حاشدة للمستوطنين في القدس المحتلة ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / ارتفاع قائمة الأسرى المضربين لـ7:: ..:: ثوابت ::.. أسرى الحرية / سابقة.. أسير مقدسي ينجح في تجنيد سجّانه ..:: ثوابت ::.. أسرى الحرية / تمديد اعتقال 5 أسرى بينهم 3 أطفال ..:: ثوابت ::.. عطوان : “القاعدة” تصل الضفة الغربية؟ ولم لا.. في ظل الحرب السورية و”هدنة” حماس.. وفشل رهان عباس ..:: ثوابت ::.. أسرى الحرية / أسيران من نابلس في مراكز التحقيق والتوقيف مضربان عن الطعام ..:: ثوابت ::.. الاحتلال يعتقل طفلًا في الثامنة من عمره ..:: ثوابت ::.. الاحتلال يهدم منزلين بالأغوار ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / أسير ينقل إلى المحكمة لتتفاجئ المحكمة بأن ملفه مفقود:: ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / "العليا الإسرائيلية" ترفض التماس الأسير الإداري البرق:: ..:: ثوابت ::.. ::أخبـار فلسـطيــن / 60 مستوطنًا وعناصر مخابرات يقتحمون الأقصى:: ..:: ثوابت ::.. ::أخبـار فلسـطيــن / أسرى عسقلان ينفذون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام:: ..:: ثوابت ::..
كُتب للقراءة
مـقــــــاربــــة في تأصيل الفكر القومي طباعة إرسال إلى صديق
كُتب للقراءة
الكاتب د. محمد صالح الهرماسي   
الاثنين, 23 أبريل 2012 21:29

  • 404 Not Found
  • Not Found

المحتـوى

الموضوع الصفحة

● كلمة 6

● في الدولة والأمة 8

● مفهوم المجتمع المدني

وخصوصية التطور العربي المعاصر 40

● العرب والمعاصرة :

الهوية ضرورة أم خيار؟ 58

● القطري ــــ القومي :

مصالحة أم فك اشتباك؟ 77

● العروبة والإسلام :

ثنائية الجوهر الواحد 104

 


 

كلمة

بين من يعتقد أنّ مشكلة العرب الكبرى تكمن في أنّهم أمّة قول لا فعل... وبين من يعتقد أنّهم أمّة تفتقر إلى الفكر أجدني في موقع وسط وأرى أن ما تشكو منه يكمن في انعدام التطابق بين القول والعمل، والناجم عن طلاق بائن بين الفكر والواقع...

وهذا ما يفسّر غياب الممارسة الصحيحة على الصعد المختلفة وأخصّ بالذكر الصعيد السياسي حيث يظهر بوضوح أن الحركات والأحزاب السياسية نادراً ما تحقق التطابق بين أفكارها النظرية وسلوكها العملي، وانّها في وادٍ والجماهير في وادٍ آخر...

فإلى متى ستبقى الأمّة أسيرة هذين الخيارين الخاطئين: إما الوثوقية التي تحـوّل الفكر إلى عقيدة جامدة تحنّط المفاهيم وتحجّر الأفكار، وإمّا التجريبوية التي تجعل العمل سلسلة من الأخطاء التي لا تنتهي!

وإلى متى يستمر ما لهذين الخيارين من تأثيرات مدمّرة على الأمّة، ويتسبب في ضياع الجهود المبذولة للنهوض الوطني والقومي ويرمي بها أدراج الرياح !...

أعتقد أن الاهتمام اليوم يجب أن ينصّب على إحداث القطيعة الجذرية مع هذين النهجين اللذين يلتقيان موضوعياً في نتائجهما السلبية، وان ينصـرف إلى إنتاج فكر جديد يرفض التعالي على الواقع وعلى الجماهير، ويؤسس أطروحاته ومفاهيمه انطلاقاً منهما. فكر يستطيع ان يكون منطلقاً لممارسة ناجعة تتجنّب خطر التجريب المجاني  والذي يمكن أن يقود إلى كوارث قاتلة من جهة، وخطر الوقوف الأعمى الذي يمكن أن يتحوّل إلى أشكال مهلكة من التعصّب والتطرّف من جهة أخرى.

وقد حاولت في هذا الكتاب أن أطرق باب هذا الفكر الجديد، وأُنتج في سياقه نصوصاً تتناول بعضاً من أهم القضايا الفكـرية القومية العربية...

ولم تكن المهمّة يسيرة بالطبع . لكنّي أرجو أن أكون قد وقفت فيها.
والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

 

 

فـــي

الدولــة والأمّــة


الدولة اصطلاحاً ومفهوماً:

الدولة اصطلاحاً هي رابطة سياسية ذات سيادة فعلية على منطقة جغرافية معينة، وهي سيطرة لمنظومة حكم (ملك أو رئيس) مع حاشيته وأعوانه على الحكم على رقعة من الأرض بما تحتويه من مقيمين وموجودات مادية وقيم معنوية لفترة زمنية قد تطول أو تقصر.

وإشكالية الدولة هي توازن المصالح بين منظومة الحكم والرعية فإذا غلبت مصالح الأولى (المنظومة) اعتبرت دولة استبدادية، وهو غالب الحال أما إذا غلبت مصالح الرعية ووجدت مرجعية(قانون أساسي) لخلق حالة الترجيح أو كحد أدنى التوازن وتكريس حقوق الرعية في مواجهة المنظومة فإن الدولة ستكون أقرب إلى الديمقراطية بالمفهوم الحديث. ومنظومة الحكم في الدولة الحديثة قد تكون أعقد مما ذكر حيث تتكون من مؤسسات وليس أفراد ومنها المؤسسات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

فالدولة تعريفاً هي تجمع سياسي يؤسس كياناً ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة. وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم، إضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة، بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة لاسيما الخارجية منها.

أما الدولة كمفهوم، فليس هناك مفهوم محدد وشامل للدولة صالح لجميع المراحل التاريخية، لأن الأنظمة السياسية جاهدت لتحجيم المفهوم لخدمة توجهاتها الفكرية، ويمكن تحديد مفهوم الدولة بثلاثة أطر (طبقي، حقوقي، أخلاقي) التفسير الطبقي عمد لإخضاع مفهوم الدولة إلى الفكر من الناحية التراتبية لتبرير وجوب خضوع الطبقات الاجتماعية إلى طبقة اجتماعية محددة لتحقيق مبدأ العدل ورفع الظلم عنها ليكتسب التفسير الطبقي للدولة شرعيته.

ويعتقد "روسو" أن ظهور مفهوم الدولة يعود إلى: "أنها شر أوجدته ظروف خاصة في مقدمتها حالة عدم المساواة في الحقوق بين أفراد المجتمع".

تعد مفاهيم الحق والمساواة والعدالة... مفاهيم نسبية واشتراطية في الوقت ذاته، يحددها المُشرّع الحقوقي ويضع شروطها السياسي ويحدد مقاسها المثقف فهي مختلفة باختلاف القائمين عليها أو باختلاف السلطة وتوجهاتها. فالتفسير الطبقي (السياسي) لمفهوم الدولة لا يتفق مع التفسير الحقوقي ولا مع التفسير الأخلاقي للمثقف لاختلاف المصلحة والتوجه الفكري، فهناك دائما حزمة من المبررات السياسية والقانونية والأخلاقية تطرح لتأكيد صحة المفهوم المعتمد.

طرأ تغير كبير على مفهوم الدولة ومهامها عبر الزمن نتيجة تعدد المخاضات السياسية والتحولات الاجتماعية الكبيرة وتطور مستوى الوعي الإنساني، فأصبحت الدولة (ضرورة وحاجة) وشخصية حقوقية ومعنوية تعرف بحقوق مواطنيها وتعبر عن المراحل التاريخية والحضارية لمجتمعاتها.

إذاً الدولة هي المرجعية القانونية للوطن والمواطن على المستوى العام، وبدونها يبقى الفرد مجهولاً ولا يمكن قبوله أو التعامل معه، فالانتماء إلى الدولة ــــ الوطن هو تأكيد وتعريف للذات على المستوى الحقوقي وليس الإنساني.

يقول "الياس مرقص": "يجب فك الارتباط بين مفهوم الدولة وفكرة السلطة، إنهما اثنان، يجب إقامة مفهوم الدولة .. المجتمع السياسي ــــ العام (الكلي الخاص أو العام إزاء الخاص) استنفاذ الدولة كأداة لطبقة ضد طبقة يلغي مفهوم الدولة".

يرى "هيغل" أن الروح تحقق حريتها في الدولة وعبرها، والدولة عنده أحد منجزات العقل، ولا وجود للإرادة الفردية هنا لأن الدولة تعبر عن روح الجماعة والإرادة العامة وما الفرد إلا عضو في الإرادة العامة التي تعمل بذاتها ولذاتها كما الدولة أيضاً فهي الإرادة الشاملة، وبالتالي فإن العقل معيار تحليل لشكل الدولة، ويرى "هيغل" أن علينا أن نعترف بأن فكرة الحرية لا توجد بالفعل إلا في واقع الدولة، ولن تتحقق الحرية عملياً إلا عندما تعبر الدولة عن أهداف المجتمع، من خلال اختيارات الأفراد، فالدولة عنده هي: "كنه تطور التاريخ"، ويشكل حق الذات في الحرية نقطة التحول بين التاريخين: القديم والحديث، ويجب على الدولة أن تكون في خدمة المجتمع، الذي شيد لرعاية مصلحة الفرد في الرخاء والسعادة والأمن والحرية.

ويعتبر هيغل أن النظر إلى الإنسان خارج الظروف الإنسانية وتصور الحرية خارج الدولة ضرباً من الوهم والخيال، إذن فالإنسان توصل إلى الوعي بحريته الفردية التي تحققت في شكل دولة، حيث أصبحت الحرية فيها نظاماً شمولياً مضبوطاً بدستور تقرره الأمة بحرية، وفي النهاية تصبح الدولة هي التعبير عن حاجة الكل الشمولية لأنها وجدت بذاتها ولذاتها، ولأنها تحقق للفرد حريته وتجسد العقل في العالم ــــ العقل والحرية مفهومان لا فرق بينهما عند هيغل ــــ فالذات ليست حرة طالما لم يكن الإنسان مواطناً لدولة عقلية يرى مواطنوها عن وعي بأن وحدة الكل هي هدف جامع.

ويمكن أن نعطي نبذة عن تصورات علماء الاجتماع حول الدولة القائمة حتى نتبين موقف العروي من أصناف "الدولة القائمة"، وكيف يبني مفهوم الدولة الحديثة انطلاقا من تصورات علماء الاجتماع.

يُصَنف "علماء الاجتماع" أربعة تصورات تعني "الدولة القائمة": النموذج الأول ينفرد به "فريدريك انجلز" ويسمى بـ "الدولة التاريخية" وهي مرتبطة بالملكية الخاصة، وهذا النموذج نشأ في آسيا الغربية مبني على "نظرية الحق الإلهي في الحكم" والسلطة الفردية المطلقة، أما النموذج الثاني فهو الذي وجد عند "كارل ماركس" في نقده لفلسفة الحق عند "هيغل" وسماه "التنظيمات الجديدة" واتخذ "ماركس" كنموذج لتلك الدولة، ملكية "فريديريك الثاني" و"لويس الرابع عشر" وإمبراطورية نابليون الأول، وهو ما يُلَمّحُ إليه العروي بمفهوم الدولة الحديثة، بعد أن يمزجها بالنموذج الثالث الذي ظهر في "اجتماعيات" القرن التاسع عشر والذي نَوَهَ بالدولة الصناعية التي تعطي الأولوية للصناعة على الفلاحة في سلم الأولويات، أما النموذج الرابع فهو الذي ظهر أواسط القرن العشرين في "الاجتماعيات" والذي سمي بالدولة المعاصرة التي تعتمد على تداخل العلم والصناعة، إضافة إلى اعتمادها على وسائل الاتصال السمعية والبصرية والإعلاميات حتى سماها العروي بالنموذج الإعلاموي.

يرفض العروي في كتابه مفهوم الدولة النموذج الأول ــــ "الدولة التاريخية" ــــ ويصفها بأنها نموذج "جد فضفاض"، هذا إضافة إلى أنه يقوم على "نظرية الحق الإلهي"، ويستبعد النموذج الرابع على اعتبار أنه "يخص قسما مازال ضئيلا بالنظر إلى المنتظم الدولي".

يقول العروي: "يبقى النموذجان الثاني والثالث يتداخلان ويؤلفان نموذجاً واحداً يسمى بالدولة الحديثة، وهو ما يستعمله الباحثون في العلوم السياسية، وهو ما يسميه العروي أحياناً نموذج "الدولة الحديثة الصناعية"، إلا أنه يربط الدولة الحديثة أو العصرية بازدهار الوعي القومي، بحيث يقول: كان المؤرخون ولا يزالون يربطون ظهور الدولة الحديثة مع مميزاتها العسكرية والتنظيمية والاقتصادية والثقافية بظاهرة القومية، هذا إضافة إلى ربط مفهوم الدولة الحديثة بمفهوم العقلانية، بل إن أصل مميزات الدولة الحديثة هي العقلنة، بل إنها في مقدمة مميزاتها. وفي الفكر السياسي العربي الإسلامي الحديث، يرى البعض أن فكرة الدولة كانت فكرة أيديولوجية وليست مشروعاً معرفياً نهضوياً حقيقيا، ولعل الخلط بين مفهومي الخلافة الإسلامية والدولة الوطنية الحديثة، وكأنهما مفهوم واحد، كان عاملاً مساعداً في الالتباس في مفهوم الدولة الحديثة في المنطقة العربية، فصياغة نظرية الخلافة تعود إلى القرن الخامس الهجري وما تلاه، أي بعد تدهور مؤسسة الخلافة في الدولة العباسية، وباستثناء طروحات ابن خلدون، فإن هذه النظريات تبلورت كأفكار مثالية حول ما يجب أن يكون وليس كدراسة وصفية لما هو قائم بالفعل؛ لأن القائم كان متدهوراً مع تزايد حركات المعارضة من جانب فئات الشيعة والخوارج والمعتزلة.

من المهم التمييز بين الدولة والأمة والحكومة، فالدولة، باختصار شديد، كيان سياسي وإطار تنظيمي يوحد المجتمع، وموضع السيادة فيه، وتملك سلطة إصدار القوانين والسيطرة على وسائل الإكراه وتأمين السلم الداخلي والأمن من العدوان الخارجي.

وتختلف تعريفات الدولة في الفكر السياسي الغربي، عن هذا التعريف التقليدي، وأهم التحديات لهذا المفهوم هو الطرح الماركسي الذي يرى أن الدولة والمجتمع شيء واحد، حيث الدولة تعبير سياسي لسيطرة طبقة اجتماعية معينة، وأن الدولة الرأسمالية الحديثة هي امتداد للطبقة البرجوازية الغنية تمثل مصالحها وتضع لها قوانين وتشريعات.. والدولة لدى الماركسيين هي أعلى تعبير سياسي عن الرأسمالية كنمط إنتاج.

ومهما يكن من أمر فيمكن تلخيص مفهوم الدولة الليبرالية الحديثة بأنها العقد الاجتماعي (دولة القانون والمؤسسات) وحقوق المواطن.. فهي سلطة عامة منفصلة عن الحاكم والمحكوم، تمثل أعلى السلطات السياسية.

يتفق قطاع كبير من المؤرخين على أن مفهوم الدولة الحديثة ظهر مع كتابات مكيافيللي "القرن 16"، ذلك يعني أن المفهوم المحدد للدولة لم يظهر في العصور الوسطى ولا ما قبلها، رغم أن كلمة "دولة" ظهرت في الفكر السياسي الإسلامي وغيره، لكنها كانت مصطلحاً فضفاضاً يراد به عدة مفاهيم، فأحياناً هي مرادف للحكومة أو النظام السياسي أو كوزارة أو قضاء أو زعامة وقيادة (دولة بني مروان، بني عباس،..).

وتطورت فكرة الدولة في أوروبا من خلال تطور الفردانية ومفهوم الحرية المرتبط بها، فتفتيت المجتمع إلى وحدات (أفراد) يتمتعون نظرياً بالحرية في مواجهة بعضهم البعض هو الذي سمح بتطور مفهوم الدولة ككيان يتعامل مباشرة مع الفرد بصورة قانونية لا شخصانية، وإن كانت فردية تقوم على احترام حقوق الفرد في الأمن والملكية والاعتقاد..

في نشوء الدولة:

تعدّ الدولة ظاهرة تاريخية وسياسية وجغرافية واجتماعية، وقانونية وحضارية، وثقافية الخ، حيث أصبح وجود الدولة مسألة ضرورية لتنظيم العلاقة بين الأرض والمجموعة البشرية المرتبطة بالأرض. إذ يعود نشوء الدولة إلى نحو 5000 قبل الميلاد.

وتعتبر مصر واحدة من أقدم الدول التي ظهرت في التاريخ 3200 قبل الميلاد، حيث يعتقد كثيرون أن فكرة الدول نشأت في مصر، وانتقلت منها إلى بقية العالم(1).

ولقد عرفت الدولة في سيرورة تشكلها التاريخية مراحل عدة حتى أصبحت بمنزلة الدولة ــــ الأمة ذات السيادة. وجاءت الدولة الأوروبية الحديثة بعد مراحل من التفكك والاندماج، وكان ذلك منذ ظهور معاهدة وستفاليا 1648، التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا واقترحت فكرة الدولة في ذلك الوقت.

بعد سـقوط النظام الإقطاعي، وترسـخ الثورة الصناعية في بريطانيا (1760-1830)، ونجاح الثورة الأمريكية 1782، واندلاع الثورة الفرنسية في 14 تموز 1789، بدأت فكرة الدولة الحديثة تترسخ اعتماداً على مبدأ القومية.

ولقد لعب النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري دوراً في بلورة مفهوم القومية الذي شكل قاعدة الكيانات الأوروبية التي كانت تعاني من الانقسامات والصراع فيما بينها بهدف السيطرة على الأراضي والمقاطعات.

وبلغت القومية ذروتها في القرنين 18 و 19، فأضافت بعداً جديداً لفكرة وجود الدولة الحديثة. علماً أن القومية لم تسلم من الانحدار أحياناً نحو الشوفينية والاعتزاز بالذات واحتقار الآخرين، مثلما مثلتها حالة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية(2).

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الدولة القومية الحديثة ذات السيادة المنتشرة في العالم الثالث، ومنها الوطن العربي، نتاجاً أوروبياً. وقد تطلب ذلك ثلاثة أمور أساسية، تتمثل في إنجاز أكبر قدر من المركزية السياسية، وإقرار النظام السياسي، وفرض ثقافة عليا.

مع ظهور فكرة القومية تقلص عدد الدول بالتدريج في أوروبا، لأن المنحى الذي اتخذته الحركة القومية هو منحى توحيدي للكيانات الصغيرة المجزأة. فعلى سبيل المثال كان في ألمانيا معاهدة وستفاليا 900 دولة، وأدت الحروب بينها إلى تناقصها فصارت 355 دولة. وأسفرت حروب نابليون الأول عن زوال 200 دولة منها. وفي عهد الاتحاد الكونفدرالي الألماني 1815 لم يبق منها سوى 36 دولة دخلت ذلك الاتحاد، واستمرت عملية توحيد المناطق بالحرب حتى ظهرت ألمانيا الموحدة على يد بسمارك 1871، فتكونت من 24 دولة كانت باقية. وكانت عمليات التوحيد عن طريق الحروب مستمرة في كل أوروبا، وتمت الوحدة الإيطالية 1870 اعتماداً على ضم الولايات والدوقيات والإمارات والمقاطعات ذات الثقافة المشتركة، وفي مقدمتها اللغة في دولة واحدة، حيث انتقلت الموالاة في فترة الدمج والتوحيد من الحاكم إلى الدولة، أي صارت السيادة للدولة. وأسفرت كل هذه الجهود عن ثورة القومية وفكرتها في أوروبا(3).

إذا كانت الحركات القومية التحررية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة قد أسهمت في قيام دول قومية جديدة، مثل توحيد فيتنام الشمالية والجنوبية تحت لواء الحزب الشيوعي الذي تبنى المسألة القومية، وعمل على إنجاز الثورة الوطنية التحررية في مواجهة الاستعمار الفرنسي أولاً، ثم الإمبريالية الأمريكية ثانياً، فإن هذا النهج لا يمكن اعتباره قانوناً عاماً. إذ أدت الحركات الانفصالية التي نجمت عن انشقاق داخل الحركات القومية إلى قيام دول جديدة، مثال انفصال باكستان الشرقية عن الغربية 1972 تحت اسم بنغلاديش.

وعلى كل حال، فإن أي دولة قومية لها ظروفها التاريخية والجغرافية والقومية التي أثرت على نشأتها (أي مبرر وجودها الخاص) ومن هنا يصبح من الصعوبة بمكان وجود تعريف جامع أي مقبول عالمياً للدولة القومية، لأن كل باحث يركز على زاوية معينة.

وفضلاً عن ذلك، فقد تغير شكل الدولة عبر التاريخ، وكذلك تغيرت وظائفها، وتغير مفهومها. فالدولة تفاوتت جغرافياً وتاريخياً من الدولة المدينة، إلى الدولة القومية، إلى الإمبراطورية، إلى الدولة المركزية الوحدوية، إلى الاتحادية (فيدرالية/كونفدرالية)، إلى الدولة الديمقراطية، إلى الدولة الديكتاتورية، إلى الدولة الملكية، إلى الدولة الجمهورية، إلى الدولة الأمة، إلى الدولة متعددة الأعراق. ولذلك يصعب بل يستحيل وضع تعريف ينطبق على كل مكان وزمان لما تعارف الناس على أنه الدولة(4).

في تعريف الدولة:

تعدّ العوامل البشرية من أهم المؤثرات في الدولة، وفي سلوكها السياسي، وفي جغرافيتها السياسية، وفي علاقاتها بغيرها من الأقطار وتشتمل هذه العوامل على التكوين الإثني للسكان أي القومي (الجنس واللغة والدين)، وعلى عدد السكان وتوزيعهم وتركيبهم وحركتهم وخصائصهم الحضارية وتنظيماتهم الاجتماعية.

ويمكن القول إن الدولة تتكون من أربعة عناصر هي: قطعة من الأرض، ومجموعة من الناس وسلطة عليا تنظم العلاقة بين الأرض والناس والسيادة على أرضها وشعبها من دون تأثير خارجي.

ولا يمكن تصور قيام دولة من دون إقليم جغرافي، أو من السكان قلوا أو كثروا.

الدولة هي مستودع السلطة الشرعية في التاريخ الحديث ويرى البعض أن العالم من الناحية السياسية عبارة عن نظام دولي يتكون من عدة أنظمة أصغر تتكون من الدول المستقلة ذات السيادة. وتعتز غالبية دول العالم بالدولة لأنها أبرزت الخصائص الأساسية (الأرض، السكان، السلطة، السيادة) التي تؤهلها لذلك.

وعند ما يتحدث البعض عن سلطة الدولة حالياً في العالم المتقدم، فهم لا يعنون القوة الاستبدادية المنوطة بالنخبة الحاكمة، فهذه قوتها في تراجع مُستمر، وإنما يعنون قوة المؤسسات (الانتخابات، البرلمان، الأحزاب، الدساتير، الرأي العام).

في الوطن العربي، لم ينغرس مفهوم الدولة الحديثة بعد في الفكر السياسي العربي. فكلما وردت كلمة الدولة في الخطاب العربي المعاصر تحيل على تصورها للسلطة التي يلتبس مفهومها، عند العرب بمفهوم الدولة(5).

عرف الوطن العربي، ولاسيما المشرق العربي منه، المدينة الدولة، والنظام الإمبراطوري والتفتت الإقطاعي، لكنه لم يعرف الدولة على النحو الذي حدث في الغرب الذي يشهد جميع الأشكال السابقة للدولة الحديثة.

وما التسميات التي أطلقت على أنظمة الحكم المختلفة من أسماء، كالخلافة والإمارة والسلطنة والولاية وغيرها، لا تحيل إلا على الأساس الأنتروبولوجي المشترك بين تلك الأنظمة والدولة الحديثة.

ــــ في الدولة الإمبراطورية المركزية الإسلامية لم يكن سلطانها يتعدى كثيراً المدن والحواضر وظهيرها، وكانت الجباية من المناطق النائية والهامشية أشبه ما تكون بحملة، أو تجريدة عسكرية، تذيق سكان تلك المناطق ألوان القهر والعذاب، وكذلك تأديب العصاة المارقين.

فلا يمكن الحديث عن تجربة دولة على مدى أكثر من عدة قرون متتالية. وقد انتظر العرب المسلمون أكثر من ثلاثة قرون حتى عرفوا الدولة في عهد الاستعمار الأوروبي، لذلك لا نجد في المعجمات العربية ولا في كتب السياسة السلطانية معنى لكلمة الدولة تقربنا من معناها الذي نتداوله اليوم(6).

كان الجدل الفكري في الوطن العربي حول مفهوم الدولة عقيماً، ونادراً ما نجد تنظيرات جدية ترتقي إلى مستوى الإنتاج الفكري لمفهوم الدولة، والسبب في ذلك يعود إلى الفقر المعرفي في هذا المجال بالذات، وإلى نقص التواصل مع مصادر الفكر الإنساني الذي نظر للدولة، أمثال أفلاطون، أرسطو، ابن خلدون، روسو، كانط وهيغل.

إن الحرية لم تكن توجد إلا خارج الدولة وبالتضاد معها ولم تكن الحرية تتجلى في تاريخنا الطويل إلا في البداوة والتقوى والتصوّف. وأن البنى ما قبل الدولتية كانت ولا تزال ملاذاً آمناً من سيطرة السلطة التي تتجلى في العشيرة والغنيمة والعقيدة(7).

الدولة هي العنصر العام المشترك بين جميع المواطنين. ولما كان العنصر العام هم العنصر الفعلي والأخلاقي، فإن الدولة هي تجسيد للفعل وتجسيد للأخلاق وتجسيد للحرية. ذلك لأن أساسها هو الفعل والأخلاق والحرية، أي الإنسان/المواطن، وهذا الأخير هو أساس المجتمع المدني الحديث.

عايش العرب تجربة الدولة في العهد الكولونيالي وفي عهد اللحظة الليبرالية الذي تلاه، فعرفوا البرلمان والانتخابات التشريعية والدستور والقانون الوضعي وفصل السلطات والجيش الوطني والإدارة المدنية البيروقراطية والنقابات والأحزاب السياسية والصحافة الحرة والتعليم العلماني والصناعة الحديثة والزراعة الحديثة لكن العرب لم يعرفوا فكرة الدولة، ولم يبلوروا نظرية عن الدولة(8).

وبعد ذلك جاءت السلطات الشمولية التي حكمت الوطن العربي فغابت الدولة في الفكر السياسي العربي وفي الوعي الاجتماعي إلا بوصفها سلطة تعسفية استبدادية.

ليس لدينا إذاً سوى فكرة مسبقة وناجزه عن الدولة، أي ليس لنا سوى أدلوجة عن الدولة حسب تعبير العروي الذي يؤكد أن "أدلوجة الدولة سابقة على نظرية الدولة"(9).

من هنا فإن فكرة الدولة هي المقدمة الضرورية لعقلنة السياسة.

يرى العروي أن "الفكر السياسي الإسلامي صورة مقدسة للتجربة السياسية العربية" وأن المفكرين المسلمين يتفقون في تصورهم لطبيعة الدولة ويستعملون مفهوماً واحداً هو الذي نجده في القاموس تحت مادة (دول). إذا لخصنا تعريفاتها وجدناها تتناول جميعها ميدانين. هما الحرب والمال، وتؤدي معنيين: الغلبة والتناوب.

الغلبة في الحرب تؤدي إلى الاستيلاء على المال والاستقلال به، لكن الحرب سجال، ولا دوام لسلطة جماعة واحدة إذ لا بد أن تضعف وأن تخلفها جماعة أخرى. وما تحليلات ابن خلدون المتشعبة إلا تعيينات لفكرة القهر والاستئثار من جهة وفكرة التداول من جهة أخرى(10). ويضيف العروي: هذا هو واقع الدولة، مفهومها هو التسلط (بحكم هذه التجربة) لا يمكن تصور دولة بلا جماعة معنية بالخبرات، وبالمقابل لا يمكن تصور الحرية، إلا خارج الدولة، أي في نطاق الطوبى(11).

تجربة الدولة العربية والحداثة السياسية:

الدولة العربية الحديثة، لا تعبر عن الدولة ــــ الأمة كنموذج غربي بأي معنى من المعاني، سواء منها القطرية التي اختزلت مفهوم الأمة في حدودها القطرية الموروثة من الاستعمار الأوروبي، أو القومية الحديثة التي عبرت عن دائرة انتماء أوسع، وحاولت ربط العرب بأيديولوجية قومية علمانية، ترتكز على مفهوم الوطن الواحد. كما أن هذه الدولة العربية ليست متحداً سياسياً فيه إجماع من قبل الشعب على شرعية النظم السياسية الحاكمة، التي يسيطر عليها حكام ذاتيون متقلبون، وتتسم بانتشار الفساد الواضح على صعيد أعضاء الحكومة والمؤسسات والبيروقراطية الحزبية والبوليسية، وبالانتهاك الصارخ والاعتباطي لحقوق المواطنين وحرياتهم.

على الرغم من حدوث الاستقلال السياسي في معظم البلدان العربية منذ أواسط القرن العشرين، فإن عملية انبثاق الدولة العربية قد نمت ضمن سيرورة "العصرنة السياسية" التي أدخلتها الإمبريالية الأوروبية إلى العديد من البلدان العربية، كالتمدن والتصنيع، وتطبيق نوع من الديمقراطية البرلمانية، والنظام البيروقراطي الحديث، والتعليم الحديث، ومشاركة وسائل الإعلام، واستبدال عدد كبير من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية بسلطة سياسية "وطنية" علمانية، وضمن البنية وعلاقات التبعية البنيوية للإمبريالية التي يتصف بها المجتمع العربي بشكله "الحديث" الذي يتألف من ثلاث طبقات متميزة على حد قول الدكتور هشام شرابي: "الجماهير الفقيرة (ومعظمها ريفي) والبرجوازية الصغيرة (التي تسكن المدن)، والبرجوازية الحاكمة التي تمتلك في يدها كل السلطة وكل الثروة الوطنية تقريباً. وقد تم الاستقلال الوطني (بالأحرى التبعية) ونشأة نظام الدولة المعاصرة في الوطن العربي، بقيادة هذه البرجوازية (البطركية الحديثة)، وفي ظل أفكارها وأهدافها وهي الطبقة التي تمثل النتاج الاجتماعي المباشر والأكمل لعصر الإمبريالية"(12).

تفترض العصرنة السياسية المشاركة المتزايدة في السياسة من قبل فئات اجتماعية من المجتمع ككل، وقد تسهم المشاركة الموسعة في السياسة في تعزيز سيطرة الحكم على الشعب، كما في الدول الكليانية أو أنها قد تسهم في تعزيز سيطرة الشعب على الحكم، كما يحدث في بعض الدول الديمقراطية، لكن في كافة الدول العصرية يصبح المواطنون معنيين مباشرة بشؤون الحكم وتحت تأثيرها، إن السلطة العقلانية والبنية التفصيلية والمشاركة الجماهيرية هي إذاً ما يميّـز أنظمة الحكم العصرية عن أنظمة الحكم السابقة(13).

إلغاء فكرة الدولة:

بقيت الدولة في شتى أشكالها التقليدية الموالية للغرب، أو "الثورية العسكرية"، التي انتهجت سياسة تعديل شروط العلاقة مع الإمبريالية، دولة تفتقد إلى العقلانية مطبقة في السياسة، ولا زالت سياسة الدول العربية هذه غير متحررة من المطلقات، وذات بنية تقليدية من حيث الجوهر، ولا ترتكز هذه سياستها على خدمة المصلحة القومية أولاً، ولا على التمييز بين الحقيقة الواقعية والمعتقد ثانياً، ولا على مبدأ سيادة الأمة ثالثاً.

لا شك أن أوجه العصرنة الاجتماعية والثقافية التي قامت بها الدولة العربية أضحت واضحة للعيان، من خلال تعميمها التعليم ومجانيته دون أن تجعله إلزامياً، وبذلك فإن عدد الأميين يتضاءل باطراد وترتفع نسبة خريجي المدارس الثانوية والجامعات والمعاهد العليا، وتشهد المدن العربية نمواً سريعاً وإن كان متوحشاً في غالبيته نظراً للهجرة المكثفة من الريف إلى المدينة، وبروز أحزمة البؤس والفقر في معظم المدن العربية، وتنتشر وسائل الإعلام والاتصال وتزداد توسعاً، ويشهد الدخل الفردي الإجمالي نمواً من الناتج القومي، ويتم تجهيز المستشفيات والأطباء والآلات الحديثة، ويرتفع مستوى المهارة المهنية بشكل ملحوظ في مجال الزراعة والصناعة. غير أن العصرنة السياسية التي تعني من وجهة نظر عملية عقلانية السلطة، وتوسيع المشاركة السياسية، والانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي، لا تزال تسير وفق آلية بطيئة.

في العلاقة التنابذية بين الأمة والدولة في الوطن العربي:

الأمة في اللغة تعني الجيل والجنس من كل حي. وردت كلمة الأمة بالمفرد 52 مـرّة، وبالجمع 13 مرّة، في القرآن الكريم والسنة للدلالة على جميع المسلمين في كل مكان أو زمان قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا البقرة: 143. ولفظ الأمة قد يطلق ويراد به الجماعة، وقد يراد به الدين والملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ الزخرف: 22. وقد يطلق ويراد به الذي يُقتدى به في الخير، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةًالنحل: 120.

إن لفظ الأمة قديم في اللغة العربية وشاع منذ ظهور الإسلام في بداية القرن السابع. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في مراجع كثيرة. لكنه من الألفاظ الحديثة في تاريخ أوروبا. ولم يتفق الفقهاء على تعريف محدد للأمة.

مفهوم الأمة عند الفارابي:

واهتم الفارابي (339هـ) بموضوع الأمة اهتماماً بالغاً إذ يمكن القول إن هذا الاهتمام يمثل موقفاً متميزاً من مواقف كل الذين كتبوا حول الأمة بين النص القرآني والنص الخلدوني إذ يتضمن في بنيته العامة كلاماً يتجه نحو واقعية التحليل الخلدوني وكلاماً ينحو نحو مثالية الأمر القرآني كما يقول ناصيف نصار.

من البديهي أن الوحدة الاجتماعية السياسية التي يعنى بها الفارابي أكثر من غيرها هي (المدينة)، وترادف لفظة الأمة، إذ نراها بوضوح متضمنة في نصوص عديدة في كتبه من أمثال السياسة المدنية وإحصاء العلوم وتحصيل السعادة والحروف وآراء في المدينة الفاضلة. والذي نريد قوله هنا إن هذه النصوص الفارابية التي أشرنا إلى مواضعها نجد فيها تصوراً يطابق ما يردده ابن خلدون (808هـ) فيما بعد حيث يصرح بالاقتران الثابت بين تصور الأمة وتصور الجيل.

إن مفهوم الفارابي أقرب إلى المفهوم السياسي لمعنى الشعب حيث ترد المفردة بلفظها عنده فيقول: العرب يعنون بالجوهر الأمة والشعب والقبيلة من حيث إنّ محور التقسيم في فلسفة الفارابي السياسية هو (المدينة) وإن إغفالها أو إسقاطها ذو دلالة مع أنه لا يعني أبداً أن الفارابي لا يعتبر الجماعة القبلية في نظرته الاجتماعية(14).

أي أن مفهوم الأمّة عند الفارابي هو مفهوم اجتماعي محوري يتمتع بمكانة عالية، ويشكل مستوى أهم من مستوى المدينة.

مفهوم الأمة عند ابن خلدون:

إذا ما ذهبنا إلى النص الخلدوني نجده هو أيضا لديه التباس مفهوم الأمة بمفهوم القبيلة ويستند تصورها إلى تصوّر العرق ونلاحظ في مواضع متعددة من نصوص (المقدمة) ارتباط الأمة بالعشائر والقبائل كما نجده يذكر لفظة الشعب حيث يقول: إن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عودته إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية. والفارابي لا يستعمل لفظة الأمة بالمعنى الديني المتداول المعروف بل يستعملها بالمعنى الاجتماعي الطبيعي الفلسفي مميزاً مضمونها من مضمون لفظة المدينة ولفظة المعمورة ويوافقه على هذا الرأي ابن خلدون فإنه يستعمل لفظة (الملة الإسلامية) ولا يستعمل لفظة الأمة بالمعنى الديني إلا في مواضع نادرة.

ابن خلدون هو صاحب النظرية الاجتماعية والتاريخية التي جاءتنا في المقدمة، وحين تطرق إلى موضوع الأمة، تطرق إليها من زاوية المؤرخ الاجتماعي. وقد قام بالربط بين مفهوم الأمة ومفهوم الجيل، إذ إن المفهومين يأتيان معاً في معظم فصول مقدمته، على سبيل العطف أو البدل. وأكثر من ذلك، فإن ابن خلدون يفتتح كلامه على العمران البشري بمفهومي الجيل والأمة. "الحمد لله الذي له العزة والجبروت... العالم... القادر... أنشأنا من الأرض نسماً، واستعمرنا فيها أجيالاً وأمماً". العمران البشري أجيال وأمم. هذا هو المعطى العام الأول، بحسب نظرة ابن خلدون. ولا يوجد في أبواب (المقدمة) خروج عن حدود هذا المعطى، كما يظهر من المقتبسات التالية، المأخوذة من مختلف تلك الأبواب.

"إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال"(15).

يقول الكاتب اللبناني ناصيف نصار في معرض تحليله للمفهوم الخلدوني عن الأمة، وعن ارتباط هذا المفهوم مع مفهوم الجيل، بأنه ارتباط غير عارض، إذ لا يوجد حسب قول نصار سوى نص واحد في المقدمة يحدد فيه ابن خلدون معنى الأمة. ولذا نثبته فيما يلي بأكمله.

"ولما رأى النسابون اختلاف هذه الأمم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لأجل الأنساب. فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام وارتابوا في ألوانهم، فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية. وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث، وأكثر الأمم المعتدلة وأهل المتوسط المنتحلين للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك من ولد سام. وهذا الزعم وان صادف الحق في انتساب هؤلاء، فليس ذلك بقياس مطرد. إنما هو أخبار عن الواقع، لا أن تسمية أهل الجنوب بالسودان والحبشة من أجل انتسابهم إلى حام الأسود. وما أداهم هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط، وليس كذلك. فإن التمييز للجيل أو الأمة يكون بالنسب في بعضهم كما للعرب وبني إسرائيل والفرس، ويكون بالجهة والسمة كما للزنج والحبشة والصقالبة والسودان، ويكون بالعوائد والشعار والنسب كما للعرب، ويكون ذلك من أحوال الأمم وخواصهم ومميزاتهم. فتعتيم القول في أهل جهة معيَّنة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب، إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات، وإن هذه كلها تتبدل في الأعقاب ولا يجب استمرارها"(16).

لم يهتم ابن خلدون بتبرير استعماله لكلمة أمة في كل مرة استعملها. فعلى القارئ المدقق أن يكتشف المعنى المقصود في كل مرة، بحسب الشروط المقارنة والمفاهيم المصاحبة، كمفهوم الجيل أو القبيلة أو العشيرة أو الجهة أو غيرها.

ومهما يكن من أمر دقة استعمال ابن خلدون لمصطلح الأمة، فإن نظرته العامة إلى المراحل التاريخية الكبرى واضحة، إذ تقوم على أن كل مرحلة تتميز عن غيرها بعدد من الأمم من حيث الظهور والسيادة.

في سياق التحقيب التاريخي في النص الخلدوني الوارد في المقدمة، لا يربط ابن خلدون مفهوم الأمة بالجيل والقبيلة فحسب، بل ربطه بالوطن أيضاً. وذلك من خلال قوله: "إن كل أمة لا بد لهم من وطن هو منشؤهم ومنه أولية ملكهم".

 

تعريف الأمة في العصر الحديث:

نصل بعد هذا الاستعراض التاريخي إلى نتيجة تتعلق بالتعريف الحديث للأمة ألا وهي جماعة إثنية من البشر لها خصائص تربط بين أفرادها برابطة الانتماء والولاء لها من خلال وشائج التاريخ المشترك، والعادات والتقاليد، واللغة، والثقافة، والدين، والحضارة، وتُميزها هذه الخصائص عن غيرها.

هناك شبه إجماع على أن تاريخ الأمم القديمة، التي ظهرت على مسرح التاريخ وكونت إمبراطوريات مثل الصين والعرب، ليس بالتأكيد هو تاريخ الأمم الأوروبية. وهذا الاختلاف الجوهري نفهمه مما كتب ماركس وإنجلز عن العرب والهنود وغيرهم من شعوب الشرق. فالأمم قديمة وعالمية، وتاريخها طويل جداً ومتنوع. تاريخ الشعوب بعد ظهور الإنسان النوع هو، جوهرياً، تاريخ تكوّن الأمم. ومن التعريفات التي تناولت مصطلح الأمة ورد في موسوعة ديــدرو Diderot الفرنسية أن الأمة هي "اسم جنس يدل على مجموعة كبيرة من الناس، يعيشون على قطعة من الأرض، داخل حدود معينة، ويخضعون لحكومة واحدة"(17).

إن مشكلة هذا التعريف تتمثل في اعتبار جميع رعايا الدولة الواحدة أمة واحدة، بصرف النظر عن انقساماتهم الإثنية والقومية. لقد كانت ألمانيا، قبل إنجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية، مجزأة إلى عدة دويلات صغيرة، فهل يعقل أن نعتبر سكان برلين وبون وفرانكفورت من أمم مختلفة لأنهم ينتسبون إلى دول مختلفة؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تضم عدة أقوام مثل الأتراك والعرب والأرمن والبلغار والأكراد.. الخ فهل يعقل، أيضاً، أن تعتبر هذه الأقوام كلها أمة واحدة لأنهم يخضعون لدولة واحدة؟(18).

لذلك علينا، ومع احترامنا لما تذهب إليه بعض النظريات الحديثة في الأمة من أن هذه الأخيرة لا توجد إلا في الدولة، أن نميّز بين تشكّل الأمة عبر سيرورة تاريخية معقدة وبين وجود الدولة. فمن الممكن جداً أن تكون الأمة موجودة من دون تحقيق وحدتها السياسية في إطار "الدولة الحديثة".

يمكن القول إن الأمة جماعة من الناس لها خصائصها ومكوناتها هي: منطقة جغرافية، والرغبة في العيش سويا ًأي وحدة المشيئة والإرادة، واللغة المشتركة، والعادات والتقاليد وحدة الثقافة والتاريخ المشترك.

وقد تكون الأمة خاضعة لعدة دول كما هو حال الأمّة العربية والأمّة الألمانية سابقاً والأمّة الكورية. ويعتبر التاريخ والعادات والتقاليد ووحدة الثقافة واللغة من أهم العوامل التي تخلق شعور القرابة المعنوية بين أبناء الأمة.

في كتابه المهم "اللغة العربية والهوية القومية" الصادر عن جامعة إيدنبرغ سنة 2003، يتعرض الباحث ياسر سليمان لأفكار حسن المرصفي ونجيب عازوري والقاضي اللبناني عبد الله العلايلي الذي نشر عام 1941 كتابه "دستور العرب القومي" وغيرهم من الكتّاب ممن تناولوا موضوع دور اللغة في تعريف الأمة. ويتوقف عند العلايلي الذي يرفض التعريفات الغربية للأمة، الأمر الذي شاطره فيه مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق الذي تأثر بأفكاره أيضاً المفكر القومي المعروف نديم البيطار الذي اهتم أيضاً بوظيفة اللغة الاتصالية وبصفتها مميزا ومحددا للحدود. فمن جهة الأمة تجتمع نتيجة لتبادل الأفكار والمشاعر، وهذه الأفكار والمشاعر تميز الأمة عن غيرها، ومن هنا جاءت أفكار للبيطار مثل عدم جواز ترجمة القرآن حرصاً على خصوصيته العربية.

يولي سليمان ساطع الحصري (1880-1968) ـــــ وهو أحد أهم ممثلي الأيديولوجية القومية العربية ـــــ أهمية خاصة، ويلتفت إلى دور التعليم في التحديث وبناء الأمة. فقد أصر على أن تكون العربية لغة التعليم الوحيدة في مرحلة ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، وعلى تعريب المصطلحات العلمية. وتعريف الحصري للأمة يركز على العامل الثقافي أكثر من السياسي، فهو لا يرى الدولة شرطاً ضرورياً أو كافياً لتكوين الأمة.

يرى ساطع الحصري، في هذا المجال، أن بعض الأمم قد تكون مجزأة وموزعة بين دول عديدة كما كانت الأمة الألمانية قبل اتحادها، وكما هي الأمة العربية في الحالة الحاضرة.. كل أمة تنزع إلى تكوين دولة خاصة بها، إلا أنها تكون موجودة قبل أن تتوصل إلى تكوين الدولة، كما أنها تبقى "أمة" ذات كيان خاص حتى إن فقدت الانتظام في شكل دولة. وتكون أمة واحدة ولو تعددت الدول التي ترعى شؤونها. فالأمة والدولة شيء آخر.

ويبدو الحصري قريباً من النموذج الألماني في تعريف الأمة، ولكن بينما يهتم الفلاسفة الألمان بالآخر والمقارنات، يهتم الحصري بالعامل الداخلي للروابط العربية دون كبير انشغال بالأمم الأخرى. ويؤمن بأن للدين دوراً رئيساً في تكوين الأمة عندما تكون ذات نوع منغلق مثل اليهودية ولكن ليس على أديان مثل المسيحية والإسلام، لاسيما للتعدد اللغوي لأمم هذه الديانات.

أما بخصوص الدين كعنصر مكون للأمة فقد حدث اختلاف عليه، فعندما نشأت الأمة والقومية في أوروبا لم يكن الدين من مكوناتها نظراً لتبني معظم الدول الغربية العلمانية التي قادت إلى فصل الدين عن الدولة. لأن هذه الأفكار نشأت في أوروبا في القرنين 18 و19، بعد فك الارتباط بين الدولة والكنيسة والفصل بينهما وسيادة النزعة العلمانية هناك.

الحركة القومية في العصر الحديث:

تجدر الإشارة إلى ظهور قوتين كبيرتين في الوقت الحاضر تؤثران بشدة على المسرح السياسي الدولي، واحدة منها القومية، والأخرى الأصولية الدينية. وهما ليستا بجديدتين، وأنهما قديمتان، وكان لهما دور سياسي كبير عبر التاريخ(19).

فالقومية هي أساس نشأة الحداثة، وقبل القومية كانت الدولة الدينية ويشهد العالم في الوقت الحاضر صراعاً قومياً مريراً من قبل قوميات وجماعات دينية تريد الانفصال عن دولها، وهما يشكلان حالياً جزءاً من الحركات الاجتماعية الأوسع المؤثرة على المسرح السياسي الدولي.

 

 

وهناك اتجاهان فيها يتعلق بالحركة القومية:

1ـ الأول يرى أن القومية مفهوم أيديولوجي، وفي السياسة يعني الأمة، فضلاً عن مصالحها القومية.

2ـ الثاني يرى أن القومية هي قوة اجتماعية مستقلة، وهي متغير مستقل في التاريخ، وروجت لها النخبة، وتجاوبت معها الجماهير كمحدد للهوية.

ونقلت النخبة العربية الفكرة القومية هذه عن أوروبا، علماً أن فكرة الأمم أقدم عندهم.

وانقسمت آراء النخبة في الوطن العربي بخصوص فكرة القومية، فهناك من يعتقد في الفكرة القومية، كما نقلها عن أوروبا من دون تعديل، وهناك من ينفي هذه الفكرة بالكامل على أساس أنها ضد الدين، وهناك من يحاول التوفيق.

فالفريق الأول يهدف من وراء رأيه إلى فصل الدين عن الدولة، ومن ثم لا يكون الدين من الأسس التي تنظم على أساسها حياة الدول والشعوب.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفكرة ظهرت أولاً في بلاد الشام والعراق، وهي كثيرة الطوائف الدينية، ولذا تبنى زعماء فكرة القومية العربية هناك مبدأ الفصل بين الدين والدولة خشية حدوث اضطرابات في دولهم، وآمنوا بفكرة القومية العربية، ويرفضون فكرة الوحدة الإسلامية.

أما الفريق الثاني فلا يقر بفصل الدين عن الدولة، وأن حياة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجب أن تنظم كلا على أساس الدين. فالإسلام دين ودولة، وهم يرفضون القومية العربية، ويقولون بالوحدة الإسلامية وزعماء هذا التيار من مصر لأنها تعاني من الطائفية كما تعاني بلاد الشام والعراق(20).

وأما الفريق الثالث، وهو الواقعي فيرى أنه لا يمكن تجاهل الدين الإسلامي مطلقاً تحت أي سبب من الأسباب في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلاد العرب لأن الإسلام دين ودولة ما وبالمثل لا يمكن تجاهل القومية العربية مطلقاً، أي التوفيق بين الوحدة الإسلامية والقومية العربية، لكن في حدود بلاد العرب فقط، حتى تكون المسألة واقعية وقابلة للتنفيذ.

أيهما أسبق الدولة أم الأمة:

عرفت الحركات القومية في سيرورة تشكلها التاريخي طيلة القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين عدة أنماط. ويتعلق النمط الأول بالحركات القومية التي نشأت في الدول الغربية، منبت الفكرة القومية ذاتها. ففي أوروبا الغربية، حيث كانت الرأسمالية صاعدة، كان هناك تقارب كبير حول تاريخ ظهور فكرة الأمة والقومية.

وفي القرن العشرين شاع نمط الحركات القومية التحررية، حيث كانت تعتبر المسألة الوطنية، أو المسألة القومية تعتبر قضية ثورية في مقارعة الاستعمار والإمبريالية. وتعتبر الحركات القومية التحررية هي المسؤولية عن حصول المستعمرات على استقلالها. وكانت كل الحركات الساعية إلى استقلال الدول عبارة عن حركات تحرير قومية، وتجدر الإشارة إلى أن حركات التحرير القومية التي ظهرت في القرن العشرين اتخذت الطابع الاشتراكي فأصبحت حركات تحرير قومي اشتراكي.

القضية القومية في الوعي العربي:

الأيديولوجية القومية العربية ولدت في المشرق العربي، ولم تتبلور نظرية قومية عربية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، يوم كانت شمس القومية قد بدأت تميل إلى الغروب عن أوروبا، في عالم بدأ يتنبه للشرور الإمبريالية في القومية المسلحة بالأسنان والأنياب كما لاحظ جورج طرابيشي(21).

القضية القومية واحدة من القضايا الأساسية التي احتلت مركزاً مهماً في تاريخ القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث لعبت فيها الحركات القومية دوراً بارزاً.

وعلى الرغم من أن تكوين الأمم يمتد إلى تاريخ طويل جداً وأن عوامل تكوين الأمم نشأت وتبلورت عبر المسيرة العميقة للحركة التاريخية، قبل ظهور الرأسمالية، فإن ستالين اختصرها فيما بعد بعصر صعود الرأسمالية والطور البرجوازي الصاعد.

إن غياب الوحدة السياسية للأمة، لا يلغي وجود الأمة القومية، والتسليم بوجود أمة عربية واحدة، مع أن آلية الاقتحام الإمبريالي الغربي في الوطن العربي، وقانون التجزئة الموضوعي للأمة العربية، وتثبيت قاعدة الكيان الصهيوني المرتبطين بقانون التخلف والتبعية للإمبريالية، لا يلغي كل هذا، وجود الأمة العربية، لأن وجود الأمة العربية تاريخي، وإن كان هذا الوضع قد نشأ عنه كيانات قطرية، وطبقة برجوازية طفيلية مرتبطة وتابعة، لها تعبيرات سياسية معادية للقضية القومية العربية.

إن الطابع المشرقي للحركة القومية العربية قد يفسر عدم ارتباط فكرة الأمة بفكرة الدولة لدى روادها الأوائل، ثم لدى منظريها فيما بعد، مع أن مبدأ القوميات في كل مكان يقوم على أن "لكل أمة الحق في أن تكون دولة... وينبغي أن تتطابق حدود الدولة مع حدود الأمة... وأن للأيديولوجية القومية صوتاً مزدوجاً: بصوت أول تتكلم عن التوحيد، وبصوت ثان تتكلم عن الانفصال".

إن رواد الحركة القومية، أسقطوا عامل الدولة من المسألة القومية بسبب نزعة عثمانية ترتكز على "ضرب من الانتماء الديني يتنافى أو يتعارض أو على الأقل لا يتطابق مع الانتماء القومي" ونعيد تفسير حق الأمة، أو المبدأ القومي، من منطلق مجاملة، ذلك الشعور الديني، مما عرض الأيديولوجية القومية لعملية مماثلة لتلك التي عانت منها الأيديولوجية الليبرالية، والاشتراكية والعقلانية عند تكريرها في مصفاة المذهب التوفيقي لمعظم أيديولوجيي عصر النهضة العربي(22).

إن النزوع إلى تفسير القومية العربية تفسيراً ثقافياً، لا سياسياً، سيبقى هو النزوع السائد لدى واضعي النظرية القومية العربية، ولاسيما لدى ساطع الحصري وورثته.

إن خطورة النزعة الثقافية، تكمن في تجاهلها عامل الدولة في المسألة القومية، أي أنها تكمن في ترجيحها لـ كفة ما يسمى بالقومية السلبية على كفة القومية الإيجابية، قومية مجرد الشعور الانتماء على قومية الوعي والفعل.

لقد غدت الحركة القومية العربية بعد الحرب العالمية الأولى ثورات وطنية (إقليمية) على الاستعمار الغربي وعلى سياساته التجزيئية، في سبيل الاستقلال، ثم حركة احتجاج على الصيغة الإمبريالية وعلى إقامة الكيان الصهيوني، بعد استقلال الدول العربية.

وهي في جميع الأحوال حركة نخبة ذات وعي ملتبس، شبه تقليدي وشبه حديث وذات رؤية ضبابية على الرغم من أثر الثقافة الغربية الحديثة البين في وعيها، ولكنه أثر مبتور ويعاد تأويله وإطفاء أنواره وإخفاؤها لتناسب منطق الثقافة السائدة ومبادئها.

أخفق العرب في إنجاز دولتهم القومية، وليس من السهل الحكم على هذا الإخفاق الذي يعود إلى أسباب موضوعية وذاتية عديدة ومعقدة. ثم إن هذا ليس هدفنا، ما نريد إثارته هُنا هو أن الحديث عن وجود الأمّة العربية وكأنّها حقيقة بديهية ثابتة، وجوهر لا يتغيّر، الذي يتردد كثيراً ولاسيما في الأدبيات القومية، إضافة إلى الاعتقاد السائد بأن ذلك يكفي لقيام الدولة القومية، أي أن بداهة وجود الأمّة يؤدي حتما إلى حتمية قيام الدولة هو في الحقيقة أحد الأسباب الجوهرية التي أدّت إلى ذلك الإخفاق الذريع، وهو إخفاق مزدوج. فلا الدولة تحققت، ولا الأمّة اكتملت وترسّخ كيانها على أساس المصالح المشتركة.

وفي رأيي ان العمل يجب أن يبدأ من هنا، وأن القيام بمراجعة مفهوم الأمّة العربية، وإعادة بنائه على أسس واقعية لا تنحصر في الروابط الثقافية التقليدية فقط، بل ترتكز على المصالح والمنافع في جميع المجالات، ولاسيما الاقتصادية، هو اليوم مهمّة ملحّة لن يكون من المفيد، قبل النجاح في تحقيقها على صعيدي النظر والعمل، طرح فكرة الدولة القومية، لأنها ستكون فكرة لا واقعية بكل المقاييس.

 

الهوامش:

1. د. محمد محمود إبراهيم الديب، الجغرافيا السياسية، مكتبة الأنجلو مصرية، 2002، ص156.

2. المصدر السابق _ ص158.

3. المصدر السابق _ ص160.

4. المصدر السابق _ ص162.

5. جاد الكريم الجباعي، وردة في صليب الحاضر، دار الفرات، ط1/2008، ص67.

6. المصدر السابق ـ ص 68.

7. راجع محمد عابد الجابري في نقد العقل السياسي، وجورج قرم في تعدد الأديان وأنظمة الحكم.

8. جاد الكريم الجباعي، مصدر سابق، ص71.

9. عبد الله العروي، مصدر سابق، ص5/6.

10. المصدر السابق ـ ص 114.

11. المصدر السابق.

12. د. هشام شرابي، البنية البطريكية، دار الطليعة، ط1/1987، ص70.

13. ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، دار الطليعة، ط1/1979، ص230/231.

14. المصدر السابق.

15. مقدمة ابن خلدون، طبعة لجنة البيان العربي1962، ص207.

16. المقدمة، ص335.

17. انظر إلياس مرقص، نقد الفكر القومي، ص424.

18. الموسوعة العربية، دمشق، ط1/2001، المجلد الثالث، ص631.

19. د. محمد محمود إبراهيم الديب، الجغرافيا السياسية، منظور معاصر، الانجلو مصرية 2002، ص483.

20. مصدر سابق، ص486.

21. راجع جورج طرابيشي، الدولة القطرية والدولة القومية، دار الطليعة، ط1/1982.

22. جورج طرابيشي، مصدر سابق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مفهوم المجتمع المدني و خصوصية التطور العربي المعاصر


شهد الوطن العربي في الفترة الأخيرة حديثاً واهتماماً "بالمجتمع المدني" وقد فتحت التطورات الاقتصادية والثقافية والسياسية في الوطن الكبير المجال أمام حرية الرأي والتعبير والمشاركة، مما دفع بالبعض إلى ترديد هذا المصطلح والحديث عنه، وإن كان هذا الحديث ــــ في غالب الأحيان ــــ يصل إلى حدود اللغط أو الاستعمال العشوائي والشعاراتي لهذا المصطلح المعقّد دونما تحديد لمضمونه ومعانيه..

لذلك، كان لابد من الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يثيرها مصطلح "المجتمع المدني"، إسهاماً منا في هذا الحوار الواسع الذي قد يكون مفيداً إذا أخلص المشاركون فيه للتدقيق العلمي وللنزاهة المعرفية والالتزام بالحس الوطني، وقد يكون مضراً جداً إذا أخفى بعض المشاركين خلفه نواياهم في المزايدة ورفع الشعارات البراقة دون معرفة بالمضمون والانبهار بالنقل والتقليد، والركض خلف الشهرة وما تقدمه وسائل الإعلام المعاصرة من ترويج وتأييد لهؤلاء في سعي هذه الوسائل خلف كل ما هو مثير ومبهر وتضخيمه والمبالغة فيه.

محاولة لتحديد المصطلح:

مصطلح المجتمع المدني واحد من بين مصطلحات كثيرة استعملها اللسان السياسي والإعلامي بكثرة في القرنين التاسع عشر والعشرين مثل "الديمقراطية" و"الثورة" و"الإصلاح" و"حقوق الإنسان" وغيرها من المصطلحات العامة..

ومن الملاحظ أن هذه المصطلحات تستعمل بشكل انتقائي وفي ظروف معينة لدرجة أن الأهداف غالباً ما تكون بعيدة كل البعد عن المعاني والمضامين الحقيقيّة، ويقصد منها الإساءة إلى حزب أو دولة أو ثقافة أو أيديولوجية معينة..

ومن جانب آخر يشمل المصطلح الواحد ذاته مضامين أيديولوجية متناقضة تبعاً للجهة التي تستعمل هذا المصطلح، فالشيوعيون يطالبون بالديمقراطية تماماً كما يطالب الجانب الآخر المعادي لهم أيديولوجياً.

لكن مفهوم "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" وغيرها من المفاهيم الشائعة يختلف تماماً عند كل من الجانبين. وفي الحقيقة نحن أمام عناوين واحدة لمضامين مختلفة، بل ومتناقضة، في بعض الأحيان..

ولما كان "المجتمع المدني" مفهوماً نشأ وتطور في الغرب واكتسب خصائص تطور هذا الغرب، فلا بد من أن يكون التعريف، القابل للنقد بالضرورة، ذا مصدر غربي...

وإجمالاً، يمكن تحديد المجتمع المدني بأنه النظام الاجتماعي العام الذي يكفل مايلي:

1 ـــــ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ونظام السوق والمنافسة الحرة، في مستوياته الاقتصادية..

2 ـــــ حرية التفكير والتعبير والمعتقد ومجمل حقوق الإنسان وفق النظرية الغربية، في مستوياته الثقافية والقانونية والاجتماعية..

3 ـــــ المساواة الشكلية وحرية التنظيم والمعارضة، والترشيح والانتخاب وتداول  السلطة وتوسيع قاعدة المؤسسات المدنية غير الحكومية والتحويل المستمر لبعض سلطات الدولة إلى هذه المؤسسات، على المستويات السياسية..

ونشير إلى أن سمات المجتمع المدني وقيمه لخصها الباحثان د. الحبيب الجنحاني، ود. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، في النقاط التالية:

ـــــ إنه مجتمع مستقل إلى حد بعيد عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية، والتنظيم التلقائي، وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي، والحماسة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة.

ـــــ إنه مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من التنظيم المهني والجمعياتي.

ـــــ هو مجتمع التسامح، والحوار والاعتراف بالآخر، واحترام الرأي المخالف، والعلاقات في المجتمع المدني أفقية، وليست رأسية أو عمودية مثل العلاقة بين الأجير والمؤجر، أو بين السلطة والمواطن، أو بين الكهنوت الديني والأتباع.

ـــــ هو مجتمع الإبداع في أرحب معانيه، فهو الضامن لمسيرة التقدم الحقيقي والدائم(1).

يقول عبد الغفار شكر: "ان المجتمع المدني من حيث المبدأ نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة وبين الدولة من جهة أخرى وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات ومحاسبة الدولة في الأوقات كافة التي يستدعي فيها الأمر محاسبتها".

ويضيف: "المجتمع المدني هو مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية والعمل التطوعي، والمحاسبة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة".

ويشير (شكر) إلى أربعة مقومات للمجتمع المدني هي:

ــــ الفعل الإرادي الحر أو التطوعي.

ــــ الوجود في شكل المنظمات.

ــــ قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين.

ــــ عدم السعي للوصول إلى السلطة.

أما مكونات المجتمع المدني فهي وفق رأيه ورأي العديد من الباحثين: النقابات المهنية، النقابات العمالية، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعاونية، الجمعيات الأهلية، نوادي الهيئات التدريسية في الجامعات، النوادي الرياضية والاجتماعية، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال، المنظمات غير الحكومية، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية.

وحول دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية يقول(شكر): "إن الدور المهم للمجتمع المدني في تعزيز التطور الديمقراطي، وتوفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمتها الأساسية ينبع من طبيعة المجتمع المدني وما تقوم به منظماته من دور ووظائف في المجتمع لتصبح بذلك بمثابة البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتشييد المجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني تقوم بدور مهم في تهيئة المجتمع لممارسة ديمقراطية حقيقية، سواء من خلال وظائفها التقليدية، أو من خلال حياتها الديمقراطية، ويكون للمجتمع المدني دور حقيقي في بناء الديمقراطية عندما تتاح له الفرصة كاملة للقيام بهذه الوظائف أو تعزيز الطابع الديمقراطي للحياة الداخلية لمؤسساته".

في حين يرى الدكتور محمد مورو أنّ المقصود من مصطلح المجتمع المدني عند ظهوره في نهاية القرن الماضي، مجموعة من الجماعات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية أو الأهلية أو غير الرسمية(2).

التكوين التاريخي للمجتمع المدني:

من الواضح مما سبق أن فكرة المجتمع المدني تدور حول قضيتين أساسيتين هما قضية ملكية وسائل الإنتاج وقضية السلطة..

فالقضية الأولى كانت، منذ بداية العصر الرأسمالي والثورة الصناعية الأولى مطلباً أساسياً وجوهرياً للطبقة الرأسمالية الناشئة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وتبنى على الملكية الخاصة مجموعة كبيرة من "الحريات" في المجالين الاقتصادي والسياسي كحرية التملك والصناعة والتجارة والتصدير والاستيراد وكذلك حرية التعبير عن هذه المصالح والدفاع عنها..

أما قضية السلطة، فعلى الرغم من أنها مرتبطة تماماً بالقضية الأولى قضية ملكية وسائل الإنتاج، إلا أنها تعقيداً إذ تتعلق بمسائل عميقة ومتعددة تصل إلى الفلسفة والدين والثقافة والأخلاق.

لذلك عندما حاولت الطبقة البورجوازية الناشئة إعادة تركيب السلطة اضطرت إلى الدخول في عمق الفلسفة والأدب والدين، بل والتاريخ أيضاً..

وبالطبع، بما أن الدولة كانت المؤسسة الأكثر تنظيماً وقدرة على تركيز السلطة، على الرغم من أن مفهوم السلطة لا ينتهي في مفهوم الدولة، كان من المهم وضع مسألة الدولة على رأس قائمة اهتمامات العلوم الاجتماعية بأكملها وخاصة تلك العلوم التي كانت تأخذ أبعاداً شمولية، كفلسفة التاريخ، وعلم الاجتماع، والفلسفة السياسية، بل والفلسفة الخالصة أيضاً..

ولما كانت الدولة خاضعة لسلطة الكنيسة، كان من أول مهام العلوم الاجتماعية في تلك الفترة تأكيد علمانية ودنيوية السلطة والدولة، بمعنى سحب الغطاء الفلسفي واللاهوتي وإنهاء البعد السياسي للدين..

لذلك بدأت الجهود تتجه نحو تعزيز الدولة على حساب الدين. وفي هذا الإطار يمكن أن تفهم فلسفة هيغل، وبالأخص الهيغليون الشباب وعلى رأسهم الأخوان باوير (Bauer).

ولو استقرأنا تاريخ أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للاحظنا أبعاد العملية المتصاعدة لتعزيز دور الدولة على حساب الكنيسة حيث كانت الدولة رمز المجتمع المدني مقابل المجتمع المقاد لاهوتياً، ورمز الحداثة (العقلانية) مقابل سلطة النقل واللاهوت. المرحلة الثانية في هذا التطور جاءت نتاجاً للمرحلة الأولى. فبعد أن انتصرت الدولة على الكنيسة تصاعد تدخل الدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لدرجة أن الدولة تحولت إلى دولة رعوية باترياركية (أبوية) تمثل المجتمع، وتنوب عنه.

وقد كان لهذا التطور أسبابه ومن أهمها ضرورة حماية السوق الداخلية وتشجيع الاقتصاد الوطني، الحروب العالمية وتمدد العملية الرأسمالية خارج الحدود.. الخ..

في النصف الأول من القرن العشرين استفحل دور الدولة وتدخلها في الاقتصاد الوطني وفي مجمل الحياة العامة. وكانت الدولة النازية في ألمانيا والدولة الفاشية في ايطاليا شكلاً خالصاً لتدخل الدولة، وهو شكل يختلف من حيث الكم فقط ـــــ وليس النوع ـــــ مع تطور الدول الرأسمالية الأخرى، بل وحتى في الولايات المتحدة التي اشتد فيها تدخل الدولة في الاقتصاد بعد النيوديل (New Deal) في الثلاثينات.

بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد هناك حاجة ملحة لتعاظم دور الدولة في حماية مصالح الطبقات الرأسمالية، فالأعداء قد تراجعوا تماماً. واستطاعت الدولة على المستوى الداخلي ترويض الحركة العمالية والفوضوية وجميع الحركات المناهضة للنظام الرأسمالي، وعلى المستوى الخارجي تم التخلص من أكبر تشوهين في النظام الرأسمالي: النازية، والفاشية، بينما لم يكن الاتحاد السوفييتي لاعباً بنيوياً في عملية الرأسمالية الوطنية والدولية. فكان من الممكن اقتصار مواجهته على مجالي السياسة والتسلح بشكل أساسي.

كان على الدولة الرأسمالية المعاصرة تغيير آليات حضورها المباشر في الاقتصاد والحياة العامة بآليات جديدة غير مباشرة تضمن حماية المصالح الرأسمالية الكبرى دون الدخول في تفاصيل علاقات الناس والتجمعات والمؤسسات. وكان هذا مطلباً له مسوغاته بسبب أنه لم يعد هناك خطر كبير على مصالح النظام الرأسمالي لا على المستوى الداخلي ولا العالمي. وقد ازداد هذا التوجه حتماً بعد سقوط الشيوعية في أوروبا.

بناء عليه، أضحى المجتمع المدني في الغرب مفهوماً ليس المقصود منه تعزيز سلطة الدولة وحضورها كما كان في القرون الماضية وإنما انحسار حضور الدولة ونقل سلطاتها إلى المؤسسات المدنية، غير الحكومية المختلفة.

وتأخذ هذه العملية طابعاً واسعاً جداً في الولايات المتحدة، بينما هي أقل دينامية في دول أوروبا الأساسية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا). ولهذا أسباب عديدة من أهمها أن أوروبا مازالت تعيش مرحلة التكوين السياسي والاقتصادي على مستوى القارة (إنشاء الاتحاد الأوروبي) مما يتطلب تعزيز سلطات الدولة الوطنية من جهة، وتعزيز السلطة (الفوق وطنية) من جهة أخرى..

 

 

المجتمع المدني ومرحلة التطور المعاصر في الوطن العربي الكبير:

هل يطرح التطور المعاصر قضية "المجتمع المدني" في الوطن العربي على اعتبارها قضية حيوية راهنة، أم أن الحديث عنها هو مجرد انبهار بما يحصل في الغرب دونما تقدير لاختلاف ظروف التطور ومراحله ومنطقه؟ وإذا كان الجواب بالنفي، ما هي مسوغات هذا الرفض للمجتمع المدني وما هي الطروحات البديلة التي تلبي حاجات التطور؟.

لا شك أن استيراد حلول المجتمع المدني بشكل جاهز ومعلب هو أمر يضر بالتطور ويتنافى مع العلمية. فلا يمكن لأي بلد أن ينفصل عن تاريخه لأن الحاضر هو أقرب نقطة في عملية تطور طويلة يطلق على ما مضى منها اسم التاريخ.

والمجتمع المدني في أوروبا لم ينشأ في رؤوس المفكرين القابعين في الغرف المغلقة وإنما تكوّن شيئاً فشيئاً عبر صيرورة تطورية طويلة قامت ضمن ظروف معينة ولعب فيها البشر دوراً محدداً بهذه الظروف ومناسباً لها...

وإذا كانت زراعة أعضاء الجسد ونقل عضو من شخص إلى آخر ممكنة في مجال الطب، فإن الأمر في المجتمعات المختلفة ليس بهذه السهولة. هذا الطرح يجب ألا يقودنا إلى الانعزالية والتفرد والانغلاق باسم الأصالة والارتباط بالموروث التاريخي، لأن هناك قوانين عامة للتطور تنطبق على جميع مجتمعات البشر، ثم هناك عوامل تجعل المجتمعات النامية أكثر تأثراً بما يجري في دول الغرب في عالمنا المعاصر بسبب آليات العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصالات بجميع أنواعها.

يقول د. محمد عابد الجابري في تعريف المجتمع المدني: "إذا كان من الجائز أن يختلف الباحثون حول تعريف "المجتمع المدني"، فإن هناك واقعة أساسية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف، وهي أن المعطى الأساسي الذي به يتحدد جوهر هذا المجتمع هو نسبته إلى المدينة.

غير أن ما هو "أساسي" لا يكفي وحده في تحديد مفهوم من المفاهيم، فإذا كان "المجتمع المدني" هو، بالتعريف، مجتمع المدن، فإن ما يحدد وضعه ومكوناته في زمان ومكان معينين هو ما يشكل "الضد" له في ذلك الزمان والمكان.

فعندما ظهر مفهوم "المجتمع المدني" في أوروبا كان "الضد" الذي به كان يتجدد ويتميز في أذهان مستعمليه هو الكنيسة التي كانت تشكل مجتمعاً مستقلاً متميزاً، دولة داخل الدولة.

وعندما انسحبت الكنيسة كمنافس للدولة وصارت الدولة وحدها هي السلطة الوحيدة المهيمنة اتخذ مفهوم المجتمع المدني معنى آخر، إذ أصبح هذه المرة يتحدد بهذا "الضد" الجديد، وغدا شعاراً يرفع في وجه كليانية الدولة، عسكرية كانت أم ملكية مطلقة.. ومن هنا مفهوم "دولة المؤسسات"، ليس المؤسسات الإدارية والسياسية فحسب، بل أيضاً المؤسسات التجارية والنقابية والصناعية .. الخ.

هذا في أوروبا، أما في الوطن العربي، فالوضع يختلف وفق رأي الجابري: إذ إن غياب الكنيسة، كجهاز اجتماعي يحتكر الدين و "يملك" نفوس الأفراد.... الخ، يجعل من الضروري البحث خارج مجال الدين، عن "الضد" الذي يتحدد به "المجتمع المدني"، لنتساءل إذن: إذا كان "المجتمع المدني" هو، بالتعريف الأولي اللغوي، مجتمع المدن، فما هو "الضد" الذي كان ــــ وما زال ــــ يتحدد به "مجتمع المدن" في التجربة الحضارية العربية؟.

ويميز هنا بين مرحلتين في تاريخنا الحضاري: مرحلة تتميز بانقسام المجتمع، حصراً، انقساماً أفقياً: إلى "بدو وحضر"، إلى "بادية ومدينة". ومرحلة تتسم بانقسام عمودي إلى: "المجتمع العصري" و "المجتمع الأهلي". هذا مع التأكيد على أن المرحلتين لا تشكلان لحظتين من التطور الداخلي إلا بنسبة بسيطة، تكاد تنعدم في بعض الأقطار العربية.

ذلك أن الانقسام العمودي لم يكن نتيجة صراعات داخلية أسفرت عن تجاوز المرحلة الأفقية (بدو ــــ حضر) إلى المرحلة العمودية (طبقة ضد طبقة)، كما حدث في أوروبا عندما امتصت الثورة الصناعية (والتوسع الاستعماري) سكان الأرياف وألحقتهم بالمدن.

إن الذي حدث هو على العكس من ذلك تماماً: لقد غرس الاستعمار في الأقطار التي احتلها بنيات الدولة الأوروبية الحديثة، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية، فعمل بذلك على فسح المجال لقيام نخب حديثة انبثق الجيل الأول منها من الأرستقراطية المدنية التقليدية خاصة، إذ كانت أكثر اتصالاً واحتكاكاً بالمستعمر ومؤسساته. ومع النمو النسبي السريع الذي عرفته هذه النخبة، ومع تطور وعيها الوطني بالارتباط بحركة التحرر من الاستعمار في العالم برزت هذه النخبة لتشكل النقيض الذي أفرزه "التحديث الاستعماري" من جوفه وجوف المجتمع التقليدي والذي سيقود النضال الوطني من أجل الاستقلال(3).

لا يجوز للخصوصية أن تصل بنا إلى الانغلاقية، بيد أن العصرنة يجب ألا تقودنا إلى النقل والتقليد. ومهمة علم المجتمع السياسي العربي الحديث تحديد الصيغ المتحركة الأكثر جدوى ونجاعة للتعامل مع خصوصيتنا، ولكن بلغة العصر ومنطقه.

لذلك بدل أن نبحث في تجارب الآخرين كي نستورد حلولهم المعلبة، لابد من الانتباه إلى موروثنا الثقافي والحضاري الكبير، وإلى مجمل كينونتنا التاريخية بهدف إعادة اكتشاف هذا الموروث والبحث فيه عن منطلقات وجذور يمكن البناء عليها استخداماً لمنطق العصر ومتطلبات النمو والتطور.

وفي هذا الصدد قد يُساعدنا كثيراً إعادة اكتشاف الفلسفات الاجتماعية والحلول التنظيمية التي طرحتها الثقافة العربية الإسلامية في عصر النهضة العربية، والتي حاربتها وضغطتها الأيديولوجية الحاكمة آنذاك سواء في العصر الراشدي أو الأموي أو العباسي وما بعده.

إن إعادة اكتشاف إخوان الصفا والمعتزلة، ومن ثم ابن رشد والمعري وغيرهم كثيرون وصولاً إلى ابن خلدون، يسهم كثيراً في وضع حلول عربية تتناسب مع منطق العصر وحاجات التطور. بل إننا نصر على أن الجوهر المشترك عند هؤلاء جميعاً يركز على القضية الأساسية التي طرحتها الحداثة في أوروبا بعد قرون والتي نتج عنها مفهوم المجتمع المدني والمفاهيم الأخرى (كالديمقراطية والتقدم) وهذه القضية هي قضية إزالة استلاب الإنسان، وبالتالي استلاب المجتمع، وتحريره وعقلنة تنظيم المجتمع.

وعلى هذا الأساس يمكن إيجاد الصيغ العملية التي تلبي حاجات التطور، وهذه الصيغ لا يمكن أن تلبي تلك الحاجات إلا إذا كانت هي نفسها صيغاً قابلة للتطور، وتتضمن في بنيتها آليات التغيير المستمر دون أن تتحوّل الحلول المرحلية إلى قوالب جامدة تصل إلى مرحلة المقدس وتعيد إحياء عملية الاستلاب الشامل للفرد والمجتمع..

وقد يكون من المفيد وضع منهج لمثل هذا التفكير يستند إلى أسس عديدة نقترح من بينها التالي:

1ــــ إن قضية تخليص المجتمع من جميع أنواع الاستلاب وتوطيد سلطة الإنسان على حياته وعقلنة العلاقات بين الناس، هي القضية المركزية العامة لكل البشر، وهي قانون عام يجمعنا مع الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين والصينيين وكل شعوب العالم وأممه. وهذه القضية تميز المجتمع الإنساني وتجعله المجتمع الأكثر قدرة على تحقيق التقدم والتطور الشامل.

2ــــ إن النظرة إلى هذه القضية يجب أن تكون واحدة في جميع بقاع العالم بمعنى أن الحلول والنتائج يجب أن تتناسب مع القضية ذاتها لا أن تخالفها. وهذا أمر يتعدى المنطق الصوري الخالص ولا علاقة له بهذا المنطق، وإنما الحديث هنا حول ضرورة أن يؤمن كل مجتمع بأولوية هذه القضية ومركزيتها....

3ــــ إن نهج التعامل مع هذه القضية التي تشترك بها جميع المجتمعات يجب أن يلتزم بثلاثة معايير أساسية:

أ . الموروث الثقافي والحضاري للمجتمع المعني.

ب . درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي العام.

ج . طبيعة القوى الاجتماعية وحجمها وعلاقاتها.

4ــــ إن نهج التعامل مع هذه المعايير يجب ألا يكون سكونياً بمعنى أن تؤخذ المعايير على حالها، وإنما لا بد تعامل دينامي ــــ وأحياناً انتقائي ــــ مع هذه المعايير.

فالموروث الثقافي والحضاري يعامل معاملة نقدية انتقائية بما يستجيب لمنطق العصر وحاجات التطور، فمثلاً لا تهمني الحلول السياسية والتنظيمية اللامركزية التي وضعتها السلطة الأموية أو العباسية، بحد ذات هذه الحلول، وإنما يهمني الكيفية التي طرحت فيها قضايا الحكم، كما يهمني كيف تعامل علماء تلك الفترة مع هذه القضايا، وما هي جدوى الحلول التي وضعت وظروفها وإمكانات تطبيقها....

أما درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي العام فيجب أن ينظر إليها في مضامينها الحركية، أي على أساس أن تكون الحلول محرضاً لتطور الاقتصاد وليس عاملا لإبقائه وهنا تطرح نظرية التنمية حلولا كثيرة لا بد من العودة إليها.

وفيما يخص القوى الاجتماعية وحجمها وعلاقاتها يجب هنا النظر إلى هذه القوى كما هي موجودة فعلا على الأرض لا كما هي موجودة في الكتب المترجمة. إذا كانت أوروبا قد نهضت بفعل نشاط الطبقتين الرأسمالية والعاملة (البروليتاريا) فهذا لا يعني أننا نحن العرب يجب أن نقول إنه لا يقوم بالتطور إلا هاتان الطبقتان.

وإذا نظرنا إلى مجتمعنا العربي نجد أن الطبقتين غير موجودتين بالمعنى الأوروبي، وأن المجتمع العربي لا يتضمن  تركيبات طبقية بالمعنى الأوروبي للكلمة وربما من المفيد التعامل مع مصطلح الجماهير أو الطبقة الوسطى الواسعة مع كل ما يتطلبه هذا التعامل من حلول نوعية تستجيب لبنية مجتمعنا الحقيقية..

إن دراسة سريعة وعامة للمجتمع العربي تؤكد مايلي:

1ــــ إن التحولات الاقتصادية والاجتماعية تتسم بالدينامية القصوى. فلو بدأنا بالعام 1960 كنقطة انطلاق، نجد أنه في ظرف خمسين عاما حصل تطور كبير بالمنظور التاريخي. هذا التطور السريع يفرض منطقه بغض النظر عن أسبابه ودواعيه. علم الاجتماع السياسي العربي المعاصر يجب أن يركز على تحليل هذا التطوّر وبناه ومضامينه وآفاقه وانعكاساته الاجتماعية والثقافية..

2ــــ في مجمل هذا التطور السريع نجد أن ظاهرة معينة وهي تطور الدولة بسرعة أكبر من تطور المجتمع، مما جعل الدولة قاطرة تتقدم بغض النظر عن التفاصيل. وهذا أمر مشترك بين جميع الدول العربية من المغرب وحتى الإمارات.

3ــــ إن أية دراسة جادة للتطور العربي والقوى المؤثرة فيه يجب أن تنطلق من حقيقة التطوّر وجهته الدولة وليس الحركة الاجتماعية ذاتية المنشأ القائمة على أساس الصراع ـ

والسؤال الذي يطرح ما هي آفاق دور الدولة؟ هل الدولة مازالت ضرورية للتقدم أم أنه آن الآوان لتضييق سلطة الدولة لصالح توسيع سلطة مؤسسات المجتمع المدني؟.

إن المرحلة التي تعيشها أغلب الأقطار العربية إن لم يكن جميعها تتطلب تعزيز دور الدولة، ولكن هذه المسألة يجب أن توضّح وفق مايلي:

1ــــ إن الدولة يجب ألا تطرح كتكوين مقابل المجتمع، كما هو في بعض مراحل تطور الغرب حيث طرح المجتمع المدني بديلاً للدولة...

2ــــ إن الدولة يجب ألا تنغلق على المجتمع وتشكل كياناً ذاتياً سلطوياً متعالياً مما يعزّز الفصل بين الجانبين، وإنما لا بد من أن تكون مفتوحة، بالمعنى البنيوي اتجاه المجتمع تستمد منه مسارات التوجه والمصالح والأهداف...

3ــــ إن الدولة يجب أن تستمرّ كموجّهة للتقدم والتطوّر العام، أي أن تضع معايير التطور فوق أي اعتبارات أخرى، وأن تكون هذه المعايير قاعدة تقويم عملها وعمل موظفيها..

4ــــ أن تنسحب الدولة من الإدارة ومن النشاطات التي ليست لها أهمية عامة وأن تترك هذه المجالات للأفراد والمجموعات والمؤسسات غير الحكومية..

5ــــ أن تمتلك الدولة آليات متطورة وسريعة لحل قضايا الإساءة من فساد وهدر، وأن تضع أخلاقية ومسلكية شديدة لموظفيها، بشرط أن تتصاعد هذه المعايير كلما تصاعدت رتبة الموظف ومسؤوليته..

 

 

الهوامش:

1. د. الحبيب الجنحاني، ود. سيف الدين إسماعيل، المجتمع المدني وأبعاده الفكرية، دار الفكر/دمشق.

2. عبد الغفار شكر ومحمد مورو، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية، دار الفكر.

3. د. محمد عابد الجابري، أي هذه النخب يشكل المجتمع المدني؟ ـ جريدة الاتحاد 29/3/2005.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العــــرب و المعـــاصــــرة :الهوية ضرورة أم خيار؟


بات موضوع الهوية واحداً من الموضوعات السياسية التي تتصدر النقاشات السياسية والفكرية العربية في العقود الأخيرة. ويبدو أن إثارة هذا الموضوع تأكيداً أو نفياً آخذاً في التزايد مع تزايد التحديات التي تفرضها العولمة على الشعوب؛ ذلك أن الهويّة، في رأي بعض الباحثين والمفكرين آلية دفاعية متينة تحمي أصحابها من غزو العولمة المتوحشة، ومن هيمنة الثقافة الواحدة(1). وفي رأي بعضهم الآخر عقبة لا بدّ من إزالتها؛ لأنها تحول دون اللحاق بركب الحضارة ودخول العالمية.

والمهم في كل هذا أن سؤال الهوية هو اليوم سؤال حقيقي ومصيري، إلا أنه ليس سؤالاً جديداً كما نرى. فمنذ أن عرف العرب الغرب المستعمر الذي فرض عليهم نمطه في الحداثة، أصيبوا بصدمة عميقة زلزلت كيانهم ومزّقته، وفرضت بقوّة سؤال الهوية في مواجهة الآخر الغربي (العدو). ولم يكن السؤال في هذه الحالة يحتمل سوى إجابة واحدة هي: التأكيد على الهوية العربية الإسلامية، ولا سيما في مضامينها القومية والدينية الأكثر تعصّباً ورفضاً للغرب وحداثته جملة وتفصيلاً. ولأنها كانت خط الدفاع الأول عن الذات القومية الغزو الاستعماري، فقد كانت الهوية مقبولة من الجميع، حتى في صورتها الأكثر إمعاناً في المغالاة، والأكثر إندغاماً بالدين. بل إن شخصية سياسية مثل الرئيس الراحل بورقيبة، والمعروفة بعلمانيتها الشديدة، وعمق معرفتها وانتمائها للثقافة الغربية، وإعجابها بحداثة الغرب، لم تكن تستطيع في حقبة النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي (في تونس) إلا أن ترى وتعلن أن الحجاب هو مقوّم من مقومات الهوية والشخصية الوطنية. ولكن بعد رحيل الاستعمار المباشر وانتهاء خطره، لم يعد سؤال الهوية تأكيداً مطلقاً لها في مواجهة العدو الخارجي، بل غدا سؤالاً تشكيكياً وضع الهوية نفسها في موضع الاتهام من قبل النخب غربية التكوين والثقافة في دول الاستقلالات.

ولقد بدا في سنوات الاستقلال الأولى أن الأيديولوجيا الوطنية التحديثية قد نجحت إلى حد ما، في تهميش الهوية  العربية الإسلامية، وبناء هوية عديمة الصلة بالعمق الحضاري على أساس وطني وقطري. هي مزيج من الأحداث التاريخية والبطولات الوطنية وقيم الحداثة الغربية وشعارات التنمية والرفاهية. إلاّ أن تفجّر الأزمات السياسية والاقتصادية لم يلبث أن كشف ضعف وتهافت الهويات المصطنعة، وأعاد الهوية الأصلية المهمشة بقوة إلى الفضاءات السياسية والثقافية.

وهكذا فإن ما نشهده اليوم من عودة قوية إلى التأكيد على ثوابت الهوية يبدو رداً طبيعياً على تحديات داخلية، مصدرها الاختيارات السياسية والحداثة المشوهة، وخارجية العولمة المتوحشة والأمركة الزاحفة(2).

غالباً ما تشترك تعريفات الهوية في إبراز عنصري التميّز والاختلاف، حتى ليمكننا القول: إن هوية ظاهرة ما هي ما يجعلها مختلفة عن غيرها، أي: إنها جملة خصائصها التي تنفرد بها، وتختلف وتتميّز قياساً بغيرها. إن ما نسمّيه الهوية الفردية هي مجموعة الخصائص الجسدية والنفسية التي يتميّز بها كل إنسان بين أقرانه. فإذا ما انتقلنا من الأفراد إلى الأمم نرى أن الهوية القومية هي «مجموعة الصفات أو السمات الثقافية العامة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يُعرفون ويتميزون بصفاتهم تلك عمن سواهم من أفراد الأمم الأخرى»(3).

ويربط باحثون آخرون بين الهوية والقومية انطلاقاً من أنّ «مفهوم هوية مجتمع ما متصل إلى حد كبير بما سُمي بمصطلح شائع أكثر هو القوميات، وهو مفهوم حديث نسبياً ومرتبط أساساً بتميّز القوميات في القرن التاسع عشر»(4). ولعله متأكد أن خطاب الهوية وثيق الصلة بالخطاب القومي.

فهل يعتبر خطاب الهوية الوريث التاريخي للخطاب القومي؟

ينطوي مثل هذا السؤال على اعتراف ضمني باستنفاد مضامين الخطاب القومي، ولاسيما عند من يقولون بموت الأيديولوجيا القومية، ويرون أنه «ليس من المعقول في العالم المعاصر التحدث عن الشخصية القومية»(5). والجواب هو أن الثقافة لا ترث القومية، ولا تحل محلّها، وما يحدث في حالتنا العربية الراهنة هو أن القومية العربية تستنفر كل قواها ــــ ولا سيما الثقافية منها ــــ في مواجهة الغزو الثقافي الجديد الذي يستهدف ثقافتها مدخلاً لتذويب هويتها.

والهوية القومية تختلف عن الهوية الوطنية، فالأولى تتعلق بالأمة، والثانية بالدولة، ويمكن القول: إنّه إذا أقامت الأمة دولتها الواحدة، كانت لها هوية وطنية يمكن اعتبارها لقاءً طبيعياً بين الأمة والدولة، كما أن هويتها القومية تؤكد ــــ بما لا يدعو للشك ــــ بأنها أمّة متمـيّــزة من غيرها من الأمم. أما إذا كانت الأمة مقسّمة إلى دول متعددة، كالأمة العربية مثلاً، فإن هويتها تبقى عرضة للضعف والتآكل والانتكاس بسبب ما يخترقها يومياً من عوامل التفتت والهدم، متمثلة في الدعاوي القطرية والعشائرية والطائفية وغيرها. وإذا كان غياب الوحدة السياسية العربية لا يلغي الهوية العربية، فمن «المؤكد أن قيام الوحدة سيسبغ على الهوية عمقاً ومتانة وشرعية»(6) لا تتمتع بها الآن.

ونحن لا نرى من جانبنا ـــــ دقيقاً ولا واقعياً ــــ حصر مفهوم الهوية الوطنية بالنسبة إلى الأمة متعددة الدول في توحيد الأمة في دولة قومية واحدة. كما نعتقد أن هذا الموقف من الدولة القطرية، الذي كرسته بعض المفاهيم القومية المتطرفة، بعيد عن الموضوعية. ففي حال الأمة متعددة الدول، كالأمة العربية، تبرز أمامنا الهوية القومية، رغم ضعف التعبير عنها في أقطار، وغيابه في أخرى، تبرز كهوية عامة ومشتركة بين هذه الدول. كما تبرز الهوية الوطنية الخاصة بكل دولة؛ كالهوية المصرية والهوية السورية والهوية التونسية. لكن علاقة الهوية الوطنية بالهوية القومية الأم ليست علاقة انفصال وصراع ونفي متبادل، بل علاقة تفاعل وتكامل بين العمومية القومية والخصوصيات الوطنية.

والهوية القطرية هي الهوية الوطنية، لكن ما شاع في الخطاب القومي من استخدام مفهوم القطرية نقيضاً لمفهوم القومية، ومغالاة بعض التيارات الوطنية في إنكار الهوية القومية، حمّل الهوية القطرية معنىً مناقضاً، وحتى معادياً للهوية القومية. وربما كان من الأكثر دقة الآن أن نتحدث عن نزعات وطنية أو قطرية متطرفة، وحتى عن نزعات طائفية وإثنية. كما أن مفهوم الهوية القومية لم يخل من نزعات متطرفة أيضاً ترى في هذه الهوية جوهراً ثابتاً منغلقاً ومعطى جاهزاً لا يحتمل المناقشة، مما أدى إلى النظرة الخاطئة للعلاقة بين الهوية الوطنية والهوية القومية والقائمة على العداء والنفي المتبادلين.

صحيح أن التناقض والتنافر قائم بين الدولة القطرية والدولة القومية، أما الدولة الوطنية فيمكن اعتبارها خطوة على طريق بناء الدولة ــــ الأمة.

فكيف تتحول الدولة القطرية إلى دولة وطنية؟

إن تطوّر المجتمع المدني في الأقطار العربية، وانبثاق دولة الحق والقانون عنه، هي الخطوة الضرورية الأولى، بل هي السيرورة المفضية إلى الدولة الوطنية التي تنشأ بفعل القوى الداخلية. وهذه الدولة الوطنية هي التي ستلغي الدولة القطرية، وتفتح إمكانات التوحيد القومي، لأن نمو المجتمع المدني من شأنه إعادة إنتاج الهوية الوطنية ــــ القومية في ضوء حقائق العصر الحديث ومعطيات التقدم، حيث ينمو العنصر القومي الوحدوي طرداً بنمو العناصر الديمقرطية، وتغدو الوحدة العربية حاجة موضوعية لا تمليها التحديات الخارجية فحسب، بل تمليها أيضاً الحاجة إلى التقدم. وحينذاك تصبح العلاقة بين الوطني والقومي علاقة ضرورية وموضوعية.

بعد هذا يمكننا التساؤل عن المفهوم الخاص لهوية شعب ما من الشعوب غير المفهوم العام الذي ينطوي على فكرة التميّز من الغير، هل هوية شعب ما هو الثابت والمشترك بين أفراد ذلك الشعب؟ أم هي هويته القومية والثقافية أو الوطنية، أم أنها مجموع هذه الهويات؟ وما مكونات هذه الهوية؟

يرى بعض الباحثين أن هوية الأمة «التي هي حقيقتها المميزة لها تتشكل من عنصرين أساسيين: نمط العلاقة الرابطة بين الأفراد، والمنطلق الأيديولوجي الذي أنتج ذلك النمط. فهذان العنصران هما اللذان يعطيان لكل أمة حقيقتها التي تتميز بها من الأمم الأخرى، ويكون بها تشخصها في الواقع، وسيرورتها في التاريخ»(7). ويمكن أن نبدي ملاحظتين على هذا الرأي:

أولاهما أنه يجعل نمط العلاقات التي تنتظم أفراد الأمة ــــ بما فيها التاريخ واللغة والاقتصاد والسياسة ـــ نتاجاً للأيديولوجيا ــــ وضعية كانت أم دينية ــــ مع أن الكثير من هذه العلاقات ــــ ولا سيما اللغة ــــ سابقة على الأيديولوجيا والعقيدة. فاللغة العربية، مثلاً، سابقة على الإسلام، والعلاقة بينهما شديدة التشابك. وعليه، فلا يمكن أن يكون نمط العلاقات التي تنتظم أفراد الأمة كلها نتاجاً للمنطلق الأيديولوجي.

والملاحظة الثانية أنه يعلّق بقاء الأمة أو زوالها على ما تُبنى عليه خصائص الهوية من عناصر الحق أو عناصر الباطل(8). وهذا معيار واسع فضفاض لا يوضح ما الهوية الحقّة وما الهوية الباطلة؟ إذا جاز التعبير، وإن كنا نرجّح أن الهوية الحقّة المقصودة هي الهوية ذات المنطلق الأيديولوجي الديني، وهو هنا (الإسلام).

والهويّة ــــ عند الجابري ــــ حالة ديناميكية، ونزوع نحو الهدف «فالعربي ليس وجوداً جامداً ولا هو ماهية ثابتة جاهزة. إنه هوية تتشكل وتصير. ولذلك فأن يكون الإنسان عربياً، وليس فقط مغربياً أو مصرياً أو عراقياً.. إلخ، هو أن يكون عروبياً، أي نزوعاً نحو تعزيز الوحدة الثقافية العربية القائمة بوحدة اقتصادية، ونوع ما من الوحدة السياسية»(9) كما أن هوية العربي عنده هي : «أن يشعر بأنه عربي فعلاً عندما يتعرّض شعب أو فرد عربي لعدوان أجنبي»(10) وهذا ما نلمسه في الواقع عامة، وفي واقعنا العربي تخصيصاً، حيث يتأجج الشعور بالهوية العربية كلما نشطت آلة العدوان الصهيوني وازدادت صلافة قادته.

وهناك ممن يحمّل مفهوم الهوية حتى السمات السيكولوجية والمعطيات السياسية، بما في ذلك الدولة الواحدة التي تضم الأمة.

ولعلنا نميل إلى القول: إنه إذا كانت الدولة ضرورة لاكتمال الهوية الثقافية وبروز خصوصيتها الحضارية، فإنها ليست مكوناً ضرورياً من مكوناتها، وإلا فإننا سنضطر لإنكار الهوية الثقافية لأمم وشعوب ما زالت تناضل من أجل أن يكون لها وطن ودولة. أما بالنسبة إلى الأمة العربية التي لم تحقق دولتها القومية الواحدة بعد، فإن هويتها الثقافية القومية لا تتوقف في وجودها على قيام هذه الدولة، ولكنها، قطعاً، ستكون هوية أقوى وأقدر على الفعل عالمياً لو قامت.

إن هذه الآراء وغيرها لا تعبّر بالدقة والتحديد عن مكونات الهوية (هوية الأمة) بحكم أنه لا توجد مكونات عامة نجدها في كل هويّة من هويات الأمم. فقد يكون الدين مكوّناً من مكوّنات أمة أو شعب، وقد لا يكون كذلك بالنسبة إلى هوية أمة أخرى. ومع ذلك يبدو لنا أن الدين واللغة والثقافة هي أبرز مكونات الهوية، فالثقافة هي المعبّر عن خصوصيات الأمم وفلسفاتها وإمكانات أبنائها وأهدافهم.

ونحن نبحث في مكونات الهوية، لابد من التساؤل: هل هي مكونات ثابتة وأبدية أم إنها متغيرة؟. والجواب، كما نرى، أن الهوية عرضة للتبدل والتحول والتجدد في ملامحها. لكن بعض مكوناتها تميل إلى الثبات. وهذا ما نسمّيه بالمكونات الثابتة؛ كالدين واللغة. وحتى هذه لا تسلم من التغير البطيء (تغير فهمها وتأويلها) ولكنها أقل تأثراً بالمتغيرات؛ لكونها تدخل في صلب العقيدة وبعضها الآخر يميل إلى التغيّر؛ لأنه أكثر تأثراً بالمتغيرات؛ باعتباره يقع خارج مجال العقيدة (العادات، والتقاليد، والفن والحس الجمالي....).

ويبدو لنا أن المتغيرات المصيرية الخطيرة التي تصيب الهوية، وقد تقضي عليها، تتعلق بتغير مكوناتها الثابتة كلياً، أما المتغيرات المألوفة فهي تلك التي تتعلق بتغير مكوناتها الثابتة، منظوراً لها على أنها مرجعيات أساسية في تحديد الهوية. فقد تجد جماعة ما في إحدى المكونات الثابتة مرجعاً أساسياً في تحديد هويتها، ثم تدفعها دوافع أيديولوجيا وظروف موضوعية جديدة إلى اختيار مكون آخر، وقد تختلف الجماعة نفسها حول المرجع الذي يحدد هويتها، فيختار بعضها إحدى المكونات، أو يختار بعضها الآخر مكوناً آخر، وهنا ينشأ ما يسمى صراع الهوية.

إذا كانت مكونات الهوية معطيات موضوعية مستقلة، فإن وعيها مجال واسع للميول والرغبات الذاتية والتأويلات الخاصة، وبالتالي للاختلاف وحتى التصادم. ويبدو هنا تأثير الأيديولوجيا حاسماً في اختلاف النظرة لهذه المكونات. فالعلمانيون ـــ على اختلاف
انتماءاتهم ـــ لا يعترفون بالدين مقوماً من مقوّمات الهوية، بينما يرى فيه الإسلاميون المقوّم الأوحد.

الفريق الأول يتعامى بدافع أيديولوجي عن رؤية حقيقية موضوعية.

في حين أن الثاني يتحرك بدافع أيديولوجي أيضاً، فيضخم هذه الحقيقة حتى تغدو هي الحقيقة الوحيدة وكل ما سواها ضلال.

والقوميون العرب ـ مثلاً ـ يعتقدون أن اللغة العربية هي أقوى مكونات الهوية العربية؛ ولذلك ينظرون بعين الريبة والتوجس إلى اللهجات العامية، ويربطونها بالتجزئة والقطرية، ويذهبون إلى حد اعتبارها خطراً حقيقياً على الهوية(11).

والإسلاميون أيضاً يتعصبون للعربية ، ولكن بدافع ديني وليس قومياً ... فاللغة العربية بالنسبة إليهم، تستمد قدسيتها من الإسلام، لأنها لغة القرآن، ومن هنا تجب المحافظة عليها والوقوف في وجه اللهجات المحلية المنافسة(12).

لكن (للقطريين)، وبعضهم يرتدي لبوس اليسار، رأي آخر، فهم ينحازون إلى اللهجات العامية، ويرون فيها تجسيداً للخصوصيات الوطنية، على عكس اللغة الفصحى التي تبدو لهم أقرب إلى لغة أجنبية منها إلى لغة وطنية.

إن النظرة التقديسية للهوية كالنظرة التحقيرية لها. كلتاهما تصدران عن تأويل أيديولوجي، والخطورة هي في النتائج العملية لهذا التأويل. فتقديس الهوية يؤدي ببساطة إلى رفض الآخر، ويتحول في حدوده القصوى إلى عنصرية وعدوان. أما تحقيرها فيقود إلى الاغتراب والذوبان والتلاشي.

في توجهنا نحو المستقبل نصطدم بمعضلة اسمها الحداثة.

كيف يمكن أن نتصدى لهذه المعضلة؟ هل العلاقة بين الهوية والحداثة محكومة بالتناقض والتنافر؟ هل قرب المغرب العربي ــــ مثلاً ــــ من أوروبا جغرافياً وكونه كان مستعمراً من قبلها يشفع  له الاستراحة من عناء البحث والاستكانة إلى محاكاة ما حصل في أوروبا؟

هناك أصوات كثيرة تدعو إلى القطيعة مع الهوية ومع البُعد القومي التاريخي كشرط من شروط الإقلاع. حسبنا في الردّ على هؤلاء أن نتعجب: كيف يمكن لخصوصية شعب أن تحدد بكونه (وربما لازال) مستعمراً.

ومن جهة أخرى وهناك من لا يرى في الضفة الأخرى لبحر الروم إلا مصدراً للعداء والخطيئة ورمزاً لويلات الاستعمار، وهذه أيضاً نظرة أحادية الجانب لا تخدم عملية التحديث الفعلي.

بين هذين الرأيين المتطرفين يقبع المواطن العادي البسيط فريسة لأمواج حداثوية هدّارة غير منتظمة تعقبها أمواج سلفية مفرقة في العدمية. وهكذا أصبح المجتمع قابلاً للانفصام بين القبول التام والرفض التام. ولا غرو، والحالة هذه، أن نلاحظ في الفترة الأخير تكاثر مظاهر متناقضة، في نفس الوقت، من الانحلال الخلقي والتماهي التام بالغرب إلى الجمود والتحجّر. وهو ما يولد حالة تصادم كموني لا زالت الوسطيّة والتعقل المغربيين قادرين على امتصاصها، ولكنها قد تصبح قابلة للانفجار في حال عدم توجيه التطور بشكل منطقي ضمن مشروع نهضوي واضح المعالم.

الثابت أن الحداثة لن تجانبنا مهما غرسنا رؤوسنا في رمال الصحراء فالعالم، بفضل تطوّر وسائل الاتصال، تحوّل إلى جسم قابل للعدوى، ولكن من الواضح أننا سنكون في أفضل الحالات رصيفاً لهذه الحداثة فيما لم تفعّل أجهزة مناعتنا. رصيفاً لا يستمد قيمته إلا من الطريق الرئيسية لحضارة لا نشارك في صنعها.

بمعنى آخر ليس هناك مهرب ولا ملجأ من هذه الحداثة والتصدي لها واجب وضروري.

والثابت أيضاً أن الغرب على لسان مفـكّـريه اعترف بخيبة مسعاه الحداثوي، وليس أدل من كلمات "آلان توران" على ذلك: «إن صورة قرننا التي يقدمها الإحصاء متناقضة تناقضاً مكشوفاً مع الصورة التي أعدّها المفكرون والكتاب الكبار، من توماس مان إلى سارتر، هذا الانفصال بين الوقائع والمعنى، بين الاقتصاد والثقافة يعرّف أفضل تعريف أزمة الحداثة»(13).

يجدر بنا إذاً أن نتعظ وألا نصرّ على محاكاة الغرب حتى في خيباته.

ترى ما هو الخط الذي يجب أن يختطه المغرب العربي، مثلاً، في التصدي للحداثة؟

إذا سلمنا للواقع المغاربي بخصوصياته، فمن المنطقي إذاً أن تأخذ هذه الخصوصيات بعين الاعتبار. ولكن هل تجعل هذه الخصوصيات من المغرب واقعاً هارباً من العام العربي؟ لا نقـرّ بذلك.

ولدينا أن الحداثة العربية تتنزّل ضمن جدلية الوطني والقومي. لا ننفي الخاص ولكننا لا نسقطه من حضن العام.

كما أننا نرى أن هذه الحداثة العربية لا يمكن أن تتم وتكتمل إلا ضمن مشروع نهضوي عربي عام يؤاخي بين عمق الحضارة وانتشار عملية التحديث. بين الهوية الراسخة والتماهي المباح. بين التاريخ والمستقبل.

لماذا النهضة قبل الحداثة في سلّم المقولات؟ وهل يمكن أن نقول بتلازم ضروري بين النهضة والحداثة بحيث أنّ من لا نهضة له لا حداثة له؟

نحن بعيدون عن الجزم بهذا التلازم بشكل عام. فالواقع يوفر لنا أمثلة متعددة عن حدوث حداثة بدون حدوث نهضة شاملة إلا أننا نقرّبه في حالات خاصة تكون الأمة العربية واحدة منها. نعني تلك الحالات التي تشكل فيها القوم ووعي القوم بأنفسهم وبتميزهم الثقافي في فترات تاريخية سابقة خاصة إذا كانوا قد بلغوا ما بلغه العرب من إبداع وحضارة وقيم حضارية وأخلاقية يلعب فيها المقدّس الديني فيها دوراً جوهرياً. هذا الموروث الحضاري لا يموت ولا يندثر بل يبقى في وعي القوم وفي لا وعيهم. وهو بحكم هذا التواجد الكثيف والملح لا يسمح بتجاهله. وإذا تمّ هذا التجاهل فسيكون قسرياً ومرضياً وقصير العمر وقد يتطلب علاجه فترة تطول أكثر منه.

للتاريخ ثقله وللأصالة ضريبتها ولا بد من حمل هذا ودفع تلك لمن أراد أن يبلغ الهدف.

مفارقة عصرنا تكمن في أن القوة الحداثية الرائدة الآن متخلصة من عبء هذا الوزر التاريخي متخففة من مسؤولياته ونراها، لذلك، لا تقيم وزناً إلا للراهن، بل إننا نمضي أبعد لنقول إنها معمل حداثة لا يتوقف عن الإنتاج والاستهلاك والتصدير، وهي خير مثال للانعتاق من ثقل الموروث والماضي؛ وذلك لأكثر الأسباب بساطة: ليس لها ماض ولا موروث. إنما هي مركب كبير من أجزاء صغيرة خرجت عن أصولها، وفقدت جذورها من دون عقدة ذنب، وأصبحت تبحث لنفسها عن هوية في المصلحة والمنفعة. وهذا ربما كان سراً من أهم أسرار الطفرة الاقتصادية الأمريكية التي تمضي لا تلوي على شيء آخر سوى الربح وخدمة مصالحها ولو أدى ذلك إلى إفناء شعوب بأسرها.. وهي في كل ذلك متناسقة مع نفسها. فقد أحلّت شعور الخوف واتهام الآخر وعقدة المحافظة على النفس محلّ القيم الحضارية التي جاءت بها الرسالات والأديان.

والسؤال إلى متى سيدوم هذا التقدم الاقتصادي وكم سيكفي منه لسدّ فراغات الروح الذي لن يتصالح مع اختزال الإنسان ــــ خليفة الله على الأرض ــــ إلى مجرّد كائن اقتصادي؟

الطفرة الأمريكية صالت وجالت وحطّمت نمر الورق وحولته إلى ورق، وافتعلت حروباً وربحتها وما زالت ماضية في برنامجها الذي ينصُ على فرض مشروع الحداثة على الطريقة الأمريكية على العالم بأسره. وهو مشروع مغرٍ يعجّ بالشهوات وأسباب الرفاهية وسهولة الوصول وإباحة الوسائل. إلا أنه مشروع قاتل يحمل في ذاته جرثومة الدمار لكل ما هو حي ابتداءً بالإنسان والحيوان وانتهاءً بالطبيعة.

ولو تعقبنا هذا الوباء لوجدناه في الإرهاصات الأولى للحداثة الأوروبية عندما كانت النهضة الأوروبية لا تزال في المهد. وقتها انفلتت فلول من المغامرين من عقال القيم الإنسانية، وأبحرت بعيداً في البحث عن الذهب وأسست ما يسمى الآن بالولايات المتحدة الأمريكية على جماجم السكان الأصليين. الحداثة الأمريكية إذا هي الإبن غير الشرعي
للحداثة الأوروبية وقد انفصلت عن مشروعها النهضوي، والذي حاولت أوروبا أن تتمه فيما بعد، ولكنها لم تنجزه. وللحداثة الأوروبية نتائج أخرى وخيمة منها حركة الاستعمار وتبرير نظريات المجال الحيوي والتفوق العرقي ومنها كذلك حربان عالميتان ونذير بأخرى أخيرة.

لقد أحلّت الحداثة الأوروبية كهنوت العقل محلّ عقل الكهنوت، وأنزلته منزلة المطلق. هل كانت لها طريق أخرى غير تلك التي سلكتها بين محاكم التفتيش والمحارق والمقاصل التي طالت شكل الكواكب وحركة دورانها؟ لا نستطيع الإجابة الآن إلا بما يقدمه لنا التاريخ.

إن العلاقة بين النهضة والحداثة هي علاقة جوهرية إضافية إلى أنها هي التي تحدد مدى إنجازية هذين المشروعين بما يتناسب ومفهوميهما وإن كانت النهضة تبدو أشمل، إلا أن العلاقة بينهما ليست علاقة الكل بالجزء.

وهناك عناصر حداثوية تخص أكثر من مشروع نهضوي خاصة في عالمنا المعاصر الذي يسعى للتعميم. وإذا كان الأمـر كذلك فإنه لا بد من إطار تتـزاوج فيه الحداثة بالنهضة، وهذا الإطار إنساني بطبعه يخص بني البشر وتتطور داخله الأمم والشعوب بحرية ومسؤولية أخلاقية.

وأما إذا انفصلت الحداثة وخلقت لنفسها إحداثيات اعتباطية فإن الشياطين لا محالة خارجة من القمقم والحريق منتشر لابدّ.

تجريد الحداثة العربية من حاملها القومي سيؤدي حتماً إلى أزمة قيم «لن تحلّ إلا بمصالحة بين قيم التحرر في تراثنا العربي الإسلامي وقيم تحرر العصر.. ففي الدين الإسلامي مخزون لا ينضب من قيم التحرر والتعاضد والتكافل وهي قيم يجب أن نعتزّ بها وأن نحافظ عليها وأن نواجه بها أخلاقيات الاستبداد»(14).

إن التأكيد على الهوية بمكوناتها وأبعادها وتموضعها في الوعي الاجتماعي هو، في اعتقادنا، الطريق الأمثل إلى الفعل الواعي الذي بدونه لا يمكن أن نؤسس لمرحلة لاحقة نكون فيها أكثر إيجابية وصولاً إلى دورة حضارية ثانية. وهذا يقتضي أن نربط مفهوم الهوية بفكرة التاريخ والصيرورة والتغير والتقدم.

إن سؤال الهوية، بهذا المفهوم، ليس له من جواب منطقي وتاريخي إلا في المجتمع المدني ودولة الحق والقانون المبنيين على أسس ديمقراطية وإنسانية.

في هذه الصيغة للهوية يتجلى جدل العام والخاص والفردي، ويتجلى المضمون الواقعي لحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، والأساس المنطقي والتاريخي للديمقراطية وهي أهم الأسس في بناء الأمة الحديثة بمقوماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

لم تعد مسألة الهوية مجرد قضية وجدانية تتعلق بتعريف الذات، بمعنى تأكيد الوجود في ذاته، وإنما أضحت قضية تسهم في البحث عن طريق الخلاص، وفي محاولة إيجاد سبل تعزيز عملية النهوض المجتمعي بجميع إبعاده.

وبهذا يصبح النظر إلى الماضي وإعادة اكتشاف الجذور سبيلاً ضرورياً لتحديد الحاضر وتعزيز منطلقات التوجه نحو المستقبل.

لكن إعادة اكتشاف الجذور يجب أن تتم عبر منطق العصر، إذ لا سبيل إلى البحث عن الذات دون الارتكاز إلى أرضية فكرية ومنهجية صلبة مصنوعة من مفاهيم العصر ومستندة إلى مضامينه.

وتكتسب الحداثة أهمية إذا كان منطقها يتطابق مع منطق البحث عن الذات، أي إذا كان التوجه نحو المستقبل يتطابق مع فعالية البحث عن الجذور. وهذا هو واقع المسألة العربية والإسلامية اليوم. وهو عامل إيجابي جداً في عملية النهوض العربي الإسلامي المعاصر.

كيف يتطابق منهج الحداثة مع الأصالة فيما يخص الحضارة الإسلامية؟

سنجيب بإيجاز عارضين بعض جوانب هذا التطابق وليس جميعها:

1. إن الحداثة تتطلب التأكيد على المنهج العقلي في فهم الواقع وإدراكه، وهو ما يتطابق تماماً مع أصول الفكر الإسلامي وتأكيده على استخدام المنهج العقلي استخداماً لازماً وضرورياً.

2. إن الواقع المعاصر يقوم على منطق التكامل والثقافات الواسعة، كما يقوم على فلسفة الأحجام الكبيرة في كل شيء، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي. وبما أن الثقافة الإسلامية عميقة في مضامينها، شمولية في أطرها، فإن إعادة إحيائها يتفق مع منطق العصر اتفاقاً جوهرياً.

3. إن الواقع المعاصر يقوم على منطق التكتلات الكبيرة، وهذا المنطق يتناسب وإعادة إحياء واقعنا العربي والإسلامي، إذ أنه لا يمكن إعادة الإحياء الإسلامي دون دعوة إلى وحدة الشعوب الإسلامية ضمن مشروع إسلامي واسع، في المفهوم الجغرافي والاقتصادي والسياسي والثقافي...

4. إن منطق العصر والحداثة يقوم على التركيب وليس على التفكيك، بمعنى أنه من الضروري إيجاد العلاقة التوافقية بين الدوائر المختلفة واكتشاف خواصها الانسجامية وليس التنافرية. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد الروابط البنيوية التوافقية بين دائرة المصلحة الوطنية للقطر الواحد، وبين دائرة المصلحة القومية العربية، كما لابد من تحديد الروابط البنيوية التوافقية بين دائرة المصلحة القومية العربية والمصلحة الإسلامية الأوسع...

إن توافق الدوائر يؤكد جوهر الواقع، إذ أن هذا الجوهر شمولي وتكاملي بالضرورة. فتأكيد البعد التونسي يجب أن يكون تأكيداً للدائرة المغاربية، ومن ثم للدائرة العربية، وللدائرة الإسلامية بشكل أوسع...

إن مهمة المثقفين العرب والمثقفين المسلمين اليوم، يجب أن تتركز على البحث عن هذه الروابط التكاملية وتأكيدها. هذا هو جوهر المشروع القطري الحقيقي، والمشروع القومي العربي، والمشروع الإسلامي. وبهذا تكتسب الثقافة بعداً تقدمياً، يتجه نحو كشف الجوهر في العمق، وكشف معالم الطريق نحو المستقبل في الوقت نفسه.

إذا استطاع النشاط الثقافي التركيز على هذه المضامين فسينتهي ضياعه وارتباكه ومحاولاته لاجترار الماضي أو نفيه دونما جدوى أو معنى....

 

الهوامش:

  1. 1. أنظر بخاصة :

-         Edger Morin et Sami Nair, Une Polituque de Civilisation,Paris Ed-Arlea 1997, P.15.16.17.

-         Ignacio Ramonet, Tyrannie de la Communication, Paris, Galilee, 1999.

  1. 2. أنظر Ignacio Ramonet, Tyrannie de la Communication, Ibid
  2. 3. أحمد بن نعمان، الهوية الوطنية، دار أمية – الجزائر 1996م، ص23.
  3. 4. سعد الغراب، العامل الديني والهوية التونسية، الدار التونسية للنشر 1990م، ص12.
  4. 5. فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة، 1993م، ص200.
  5. 6. وميض نظمي، المثقف العربي بين السلطة والجماهير، المستقبل العربي، ع186/8/1994، ص65.
  6. 7. عبد المجيد النجار، صراع الهوية في تونس، ص13.
  7. 8. أنظر المرجع السابق، ص13.
  8. 9. محمد عابد الجابري، مسألة الهوية، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995م، ص15.
  9. 10. المرجع السابق، ص16.
  10. 11. عبد الكريم غلاّب، أزمة المفاهيم وانحراف التفكير، مركز دراسات الوحدة العربية 1998م، ص253/264.
  11. 12. عبد الكريم غلاّب، أزمة المفاهيم وانحراف التفكير، مركز دراسات الوحدة العربية1998م، ص253/264.
  12. 13. آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة الجهيم، وزارة الثقافة/ دمشق 1998، ص124.
  13. 14. منصف المرزوقي، الاستقلال الثاني، دار الكنوز الأدبية، بيروت1996، ص133/134.

 

 

 

 

 

القطـــري ـــــ القــــومــي : مصالحة أم فك اشتباك؟

 

 

كثيراً ما فهمت العلاقة بين "القومي" و "القطري" فهماً خاطئاً بسبب خضوعها لأحد موقفين أيديولوجيين. موقف قومي تقليدي يرى في "القطري" شراً مطلقاً لا مناص من إزالته كلياً، وموقف قطري يرى في القومية خطراً ينبغي التصدي له ومحاربته بكل الأشكال.

وإذا كانت المسألة القومية، بالنسبة لنا نحن العرب، ضرورة تاريخية لا يمكن تصور إمكانية بقائنا واستمرارنا ولا حتى مشروع نهضتنا خارجها، فإن هذا يستدعي رؤية موضوعية لهذه المسألة وقطعاً جذرياً مع مختلف النزعات الطوباوية والرومانسية والحتمية التي أفرغتها من كل مضمون.

والحقيقة أن ما يتطلبه الواقع العربي ومازال في مواجهة التحديات الآخذة بالتعاظم من ضرورة التوحيد القومي، لم يقابله على الصعيد النظري فكر يترجم هذه الضرورة انطلاقاً من هذا الواقع ودون قفز على حقائقه.

وفي غياب هذا الفكر، نتيجة اختفاء المثقفين بالتلهّي بما هو مستورد من قضايا، أو خوفاً من أدوات السلطة والرغبة في استرضائها، سادت ثقافة سياسية جديدة اعتمدت الترويج لشعارات سياسية تستجيب لرغبات الأغلبية وغرائزهم، وتخدم، في الوقت ذاته، أهداف السلطة والقبول بشرعيتها وتوجهاتها.

لقد أهمل الخطاب السياسي القومي الجوانب التي لا تروق له في الواقع العربي، وأسقطها من الحساب تماماً وفي مقدمتها المسألة القطرية.

كما يذكر في هذا المجال الأدبيات السياسية للأحزاب القومية والتي جعلت الحزب القومي يتماهى مع الأمة العربية في هوية واحدة. بحيث لا يعود للأمة من وجود خارج حدوده ورؤاه. وهكذا فقد تحكمت في الفكر القومي رؤية أيديولوجية (ذاتية خاصة) حصرية وتمامية تحجب واقع الدولة القطرية، وتحول دون معرفته كما هو، ومنطق تبريري يتمحور حول معصومية الذات (الحزب، الجماعة) وتماميتها وكمالها.

فقد تعاملت تلك الأدبيات مع الواقع العربي وكأن لا وجود فيه للدولة القطرية، معتبرة أنها محض نتاج استعماري زائل حتماً والحال أن الاستعمار لم يكن في الحقيقة سوى أحد العوامل التي ساهمت في نشوء الدولة القطرية.

والسبب هنا يبدو رئيسياً والحال ليس كذلك، إذ ان ترسخ هذا النمط من الدولة يعود إلى تطور بنى محلية أولاً، وفي بعض الحالات كانت تلك البنى تحمل مضامين قومية وتنادي بالوحدة ولكنها رسخت مفاهيم تدعم البناء القطري.

من المؤكد، اليوم، بعد ما حصد الفكر القومي خيبات ونكسات خطيرة، أنه ما لم يعترف هذا الفكر بوجود الدولة القطرية، وما لم يعدّها من حقائق الواقع العربي، فإنه يصعب عليه التوصل إلى بديل قومي ممكن التحقق.

ويطرح المحللون العرب الذين عايشوا إخفاق التجربة القومية العربية في بناء دولة قومية مركزية، مجموعة من الأسئلة حول مكونات الواقع وأهمها مسألة وجود الدولة القطرية ذاته من عدمه، بمعنى ما المقصود بالدولة القطرية من حيث الشكل؟ وهل تحمل أصلاً صفة الدولة، ذلك أن الواقع العربي يتسع حالياً ليشمل أكثر من نموذج "دولة" بمعنى آخر، هل هناك دولة بالمعنى الحقوقي والمؤسساتي أم لا؟ أم نحن أمام نماذج مختلفة؟..

إن الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس انحرافاً أو تنازلاً، كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرط لمعرفة نشأة هذه الدولة وتكوّنها معرفة موضوعية، نعتقد أن الفكر هو اليوم أحوج ما يكون إلى ذلك في مسعاه إلى صياغة البديل القومي المقنع والمقبول.

يبدو لنا بعد نصف قرن من إمكانيات أهملت وفرص لم توظف أن الحل الذي يستجيب لطموحات الجميع هو استعادة الدولة الوطنية (القطرية) والارتقاء بها إلى دولة ديمقراطية، أي إعادة إنتاج الدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون المعبّرة عن الكلية الاجتماعية والقائمة على مبدأ المواطنة كمقدمة ضرورية لمشروع ديمقراطي.

وبناء على ذلك يمكن القول إن الاعتراف بالدولة القطرية هو من هذه الزاوية شرط لتجاوزها وليس ارتداداً إلى الموقع القطري المناهض للقومية. أما إنكار الدولة القطرية أو تجاهلها لأنها مجرّد كيان مصطنع من عمل الاستعمار محكوم بالزوال..! فلن يغيّر شيئاً من وجودها العيني ولا من حقيقتها الواقعية، بل هو سيوفّر لها، على العكس من ذلك تماماً، الذريعة للعداء مع القومية وتضخيم الخصوصية القطرية.

إن من بين أشكال الوعي الاجتماعي العربي يبدو الوعي القومي أكثرها التباساً لأنه ممزّق بين تعبيرين: واقعي كما تعبّر عنه الجماهير العربية، ونظري (نخبوي) كما يتجلّى في الفكر القومي، يفتقران إلى الانسجام. وهذا ما شكل على مدى عقود، ولا يزال يشكّل، عائقاً في وجه تقدّم الوعي القومي وتأثيره المنشود في تحقيق أهداف الأمة. لذلك نرى من الضروري تسليط الضوء على أبرز الأسباب التي تباعد ما بين هذين التعبيرين وتمنع الانسجام بينهما، وفي مقدمتها المفهوم الأيديولوجي الممثل للعلاقة بين القطري والقومي.

لا بدّ في رأيي من التمييز بين القطرية كواقع موضوعي يتمثل في وجود الدولة القطرية العربية وبين الأيديولوجية القطرية المعادية للقومية العربية التي تنتجها الأنظمة الحاكمة. إذ ليس من الضروري، في رأينا، أن تنتج الدولة القطرية أيديولوجية ضدّ القومية، وليس صحيحاً أن هذه الدول، التي ارتبط قيامها باستراتيجيات تفتيت الوطن العربي ومنع وحدته، محكومة بإنتاج أيديولوجية تكرّس هذه الاستراتيجيات ولا تستطيع الاستمرار كدولة دون هذه الأيديولوجية. إن مصدر المطابقة الوهمية بين الدولة القطرية والأيديولوجية المعادية للقومية العربية يصدر عن خلط بين هذه الدولة وبين نظامها السياسي لاسيما أن النظم السياسية في معظم الدول العربية تكاد تكون نظماً مؤبدة.

والحال أن الدولة، كما هو معروف، ليست نظاماً سياسياً مهما طال عمر هذا النظام، لأنها أكبر وأبقى منه. ومصالح الدول، في ظل انعدام الديمقراطية وتفشي الاستبداد، ليست مطابقة بالضرورة لمصالح أنظمتها أيضاً. وهو ما يتجلّى بشكل مأساوي في وطننا العربي حيث التعارض جذري وحاد بين مصلحة الدولة ومصلحة النظام، ذلك أن المصلحة الوطنية لهذه الدولة تكمن موضوعياً في التكامل القومي مع غيرها من الدول العربية، بينما تقتضي المصلحة الشخصية للنظام الحاكم الحفاظ على التفتيت القطري ومعارضة التكامل القومي الذي يرى فيه تهديداً لسلطاته المطلقة ولما يعتبره ويعدّه ملكية خاصة.

ولأدلجة مصلحتها الخاصة عملت السلطات الحاكمة في الأقطار العربية على خلق وعي "قطري ــــ قومي" يجعل من كل دولة عربية أمة ويحل محل الوعي القومي العربي. وجنّدت في سبيل ذلك إمكانات مثقفيها ووسائل إعلامها. ولعلّها توهمّت أن الخصوصيات القطرية والمشاعر الوطنية، بل والدولة القطرية نفسها، يمكن أن تشكل مضمون هذا الوعي البديل.. لكنّها وأمام النتائج الراهنة التي انتهى إليها هذا المشروع لجأت إلى استثمار الوعي القومي العربي عبر محاولتها توظيف العروبة والإسلام في خدمة أهدافها ومصالحها السلطوية مفرغة إياهما من كل مضمون سياسي قومي، وهو ما لم تنجح فيه أيضاً مما دفعها إلى الاعتماد على الحلول الأمنية في مواجهة أزمتها العميقة أزمة المشروعية السياسية والأيديولوجية.

بيد أن المشكلة الرئيسة التي قفز عنها الفكر القومي لا تزال قائمة، على الصعيدين النظري والعملي، وهي عدم تطابق فكرة الأمة العربية مع وجود الدولة القطرية لذلك لا تزال مشكلة الهوية تقلق الفكر القومي، ولم يتوقف الكلام فيها بعد.

فهل يستمد العرب هويتهم من شروط وجودهم الواقعية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، أم من شيء ما غير هذه الشروط وفوق هذا الوجود؟.

ولا تزال إشكالية القطري والقومي تسبب للفكر القومي الكثير من الإرباك والحرج، وقد اجتهد فيها المجتهدون، فالقطري هو الواقع القائم غير المعترف به، والقومي هو المستقبل المنشود وغير المعروف.

إن فشل مشروع صياغة وعي قطري ــ قومي بديل هو نتيجة لعجز الدولة القطرية نفسها عن أن تكون دولة أمة، أو ضد الأمّة كما يريد حكامها. وهذا ما يضعها أمام خيارين: إمّا أن يستمرّ حكامها في إنتاج أكذوبة أنها دولة أمة، وتقوية النزعة القطرية بما يعمّق التناقض مع الأمّة العربية والمصالح القومية المشتركة، رغم ما تبديه ظاهرياً من حرص كاذب على هذه المصالح. وهو ما يبدو خياراً بلا أفق لأنه يكّرس ضعف هذه الدولة وهشاشتها، ويضخّم طبيعتها الأمنية، وإمّا أن تسلك السلطة الحاكمة طريق تغليب المصالح الوطنية للدولة ولاسيما في التكامل القومي، وإشاعة الديمقراطية وهذا هو مفهوم الدولة الوطنية الذي يفترض وجود سلطة وطنية ديمقراطية تأتي عبر النضال السياسي.

وفي الحالتين تبدو الدولة القطرية حقيقة موضوعية من الخطأ القفز عليها. لكن الفرق نوعي بين أن تكون هذه الدولة غير المكتملة مزرعة خاصة يمتلكها الحاكم ولا يتورع عن إعلاء أسوارها والتناحر مع أمثاله من حكام الدول العربية الأخرى. بل ولا يتورع عن السير في ركاب أعداء الأمّة، وبين أن تنخرط هذه الدولة في مشروع قومي متكامل لا يتناقض مع سيادتها بقدر ما يساعدها على تجاوز مواطن ضعفها وهشاشتها، وهذا هو البعد الوطني الذي يجب أن يشكل بعداً سياسياً من أبعاد القومي.

حين نتحدث عن الأمة العربية على نحو ما يتحدث القوميون بلا تبصر، تفرض علينا الصفة (العربية) أن نتجاهل واقع أن الأمة مقسمة إلى عدة دول ومجتمعات، مصرية، تونسية، سورية، عراقية، وعن شعوب مصرية ولبنانية وتونسية. ولكن الفكر القومي يرفض الحديث عن الدولة الوطنية في هذه الأقطار، لأن الدولة القطرية لا تزال هامشية تقع على محيط دائرة مركزها "الأمة العربية"، التي تحتم عليه أن يقصر مفهوم الدولة على الدولة القومية.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ينتمي العربي ثقافياً وروحياً إلى دولة قومية متخيلة لا وجود لها خارج وجدانه ولا ينتمي إلى الدولة القطرية القائمة بالفعل هنا والآن؟.

إن تجاوز التناقض بين القومي والقطري بإلغاء القطري هو تماماً كتجاوزه بإلغاء القومي لا يمكن أن يصدر في الحالتين إلا عن وعي مبتور وغير متكامل. ولهذا لابدّ من الإقرار أولاً بهذه الثنائية التعارضية التي دعت مفكّراً كهشام جعيط إلى القول بأن الأمّة العربية لا توجد حالياً وأن القوتين الواقعيتين الوحيدتين هما الشخصية العربية والإسلامية والشخصية القومية المحدودة (يقصد الوطنية)(1).

لكن جعيط يقترح على الفكر السياسي العربي حلاً لذلك مهمته إدماج الشخصيتين وتجاوزهما وتركيبهما تركيباً قائماً على نظرة شاملة للمصير ومتعلقاً بأمل التجديد، ذلك أن الشخصية العربية الإسلامية وحدها عاجزة عن إنشاء المستقبل ولكن تركيبها مع العنصر القومي (الوطني) من شأنه أن يجعلها تسهم بقوّة في بناء مصير مشترك وتعزيز الصلة العضوية بين الشعوب(2).

إن الدولة القطرية لا تمثل، في حدّ ذاتها، عائقاً في وجه الوعي القومي العربي أولاً، لأنها ليست دولة ـ أمّة مثلما يحلو لأصحابها أن يتصـوروا، ولا تمتلك مقومات مثل هذه الدولة. وثانياً لأن الانتماء الوطني لا يلغي الانتماء العربي الإسلامي بل على العكس فهو يؤكده. وبدل أن تكون الدولة القطرية، بفعل سلطتها السياسية القطرية، ضدّ الأمّة، يمكن أن تتحوّل، وبفعل سلطتها الوطنية، دولة مع وحدة الأمة. بل "إن تحويل الدولة القطرية القائمة اليوم إلى دولة وطنية، أي إلى دولة مستقلة ذات سيادة إزاء الخارج، وتعبير عن الكلية الاجتماعية في الداخل، هو الخطوة الضرورية الأولى نحو الوحدة العربية. وكلما كانت دولة عربية ذات سيادة فعلية واستقلال فعلي إزاء الخارج، وتعبيراً فعلياً عن كليّة مجتمعها تغدو أكثر قابلية للاندماج في مشروع وحدوي أو في صيغة وحدوية"(3).

وعلى هذا فإن البحث في إمكانية المصالحة بين "القومي" و"القطري" أمر واقعي وممكن، ولعلّه أكثر فائدة للقضيّة القومية من العداء القومي التقليدي للدولة القطرية العربية.

المهمة الأساسية والملحة الآن هي مثلما يلاحظ أحد الباحثين: "إخراج النظرة التناقضية الماضية والحالية للعلاقة بين القومي والقطري من حيز الواقع القائم. وهذه الحالة لها أساس في الواقع العربي. فهناك العديد من الدول العربية تعدّ نفسها جزءاً من القومي ويتجلّى ذلك في الأهداف والشعارات والسياسات وإن غابت هذه النظرة في بعض الدول العربية فنتيجة ضغط خارجي"(4). وإنّ ما يجعل هذه المهمة واقعية وممكنة هو أنه لا مخرج للقطري من أزمته المتفاقمة إلا بالقومي، كما أنّه لا إمكانية عملية في الواقع العربي الراهن لحركة "القومي" خارج "القطري".

لقد كان لنشأة الدولة القطرية العربية ولا سيما ارتباطها السياسي والاقتصادي بالاستعمار الأوروبي الأثر الكبير في إضعافها. والحقيقة أن الاستعمار لم يرحل عن الوطن العربي إلا بعد أن نجح في تفتيت بنيته الجغرافية والاقتصادية والبشرية، وإقامة الكيان الصهيوني في القلب منه ناقلاً القضية القطرية من مستوى التدخل العسكري المباشر إلى مستوى السلطة السياسية التابعة تاركاً التبعية تنتج بأشكال لا متكافئة، وفي معظم الأحيان، سلطات سياسية تتوارث التبعيّة والاستبداد(5).

المشكلة الوطنية أو القومية عند الفكر القومي تتلخص في النظر إلى الدولة القطرية القائمة بالفعل على أنها دولة مؤقتة وعابرة في انتظار قيام الدولة القومية المنشودة: دولة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، أو الدولة الإسلامية أو الدولة الاشتراكية.

لقد بات مؤكداً، بعد تجربة نصف قرن تقريباً، أن الحركة القومية العربية التي استولت على السلطة، لم تبن يوتوبيا الدولة القومية العربية، بل إن حضور السلطة الطاغي، حجب فكرة الدولة المنهجية والمعقدة والبالغة التجريد، وأنتج تطابقاً وتماهياً بين هذه السلطة والدولة والحزب القومي. لذلك كله، بات علينا أن نهتم بفكرة الدولة، قبل أي صفة أخرى من صفاتها، قطرية أو قومية.

وقد كان على الدولة القطرية في وضعية قصورها البنيوي أن تواجه تحديات وأن تخفق في مواجهتها إخفاقاً ذريعاً. أول هذه التحديات هو الشرعية فقد كانت هذه الدولة ممزقة بين وجودها القطري وبين ثقافتها العربية وهي ثقافة لا قطرية أساساً تتعارض مع القطرية ولا تعترف بها ولا تخضع لمنطقها(6). ولئن حاولت بعض السلطات العربية التغلّب على هذا التعارض بتبنّي إحدى أيديولوجيتين قومية أو دينية، حقيقة أو شكلاً، فإن بعضها الآخر حاول اختلاق أيديولوجيا قطرية ترتكز على تضخيم الخصوصيات المحليّة معمقاً بذلك الشرخ بينه وبين الشعب. وقد برهن فشل هذه المحاولات، بما فيها الدعوات المشبوهة إلى هوية جديدة للمنطقة العربية كالهوية الشرق ــــ أوسطيّة وغيرها، على أنّ الوعي القومي العربي الثقافي والسياسي عصيّ على الاختراق، وأنّه ما من سبيل أمام السلطات القطرية غير تغيير وعيها القطري.

ثاني هذه التحديات هو التنمية التي أثبتت حصيلتها في الدولة القطرية العربية استحالة نجاح مشاريعها في الإطار القطري الضيق. وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالأقطار العربية وانحدار بعضها إلى مصاف الدول الأكثر فقراً في العام. "ولقد أصبح من البديهي اليوم أنه ليس هناك من مخرج من هذه الوضعية المتفاقمة غير قيام نوع من الاتحاد بين البلدان العربية يجعل التكامل والتعاون والتضامن بينها حقيقة واقعية نامية ومتجذرة"(7).

ثالث هذه التحديات هو الخطر الصهيوني الذي فشل العرب متفرقين حتى الآن في التغلب عليه. ولعلّ ما آل إليه ميزان الصراع العربي الصهيوني من اختلال شديد لصالح كفة العدو يعود إلى فقدان الموقف العربي الموحّد في ظل عجز الدولة العربية القطرية الفادح عن التصدّي منفردة للعدوان الصهيوني.

وإذا كان هذا هو شأن الدولة القطرية في مواجهة الخطر الصهيوني، فماذا عساها تفعل اليوم وهي تواجه سياسة الإذلال الأمريكية؟

يبدو، إذاً أن لا أمل للدولة القطرية العربية في التغلّب على هذه التحديات والخروج بالتالي من مأزقها إلا بتجاوز قطريتها وعياً وممارسة والانخراط في العمل القومي والسير بخطى حثيثة نحو التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي العربي.

من جهته لا يستطيع "القومي"، في هذه المرحلة، أن يتطلع إلى تخطّي "القطري" إلا من خلال هذا الأخير. ولا يملك الفكر القومي بالتالي إلا تغيير موقفه من "القطري" وتصحيح فهمه لموضوع الأمّة والدولة. وهو الموضوع السياسي الشائك الذي لحقه خلال النصف الثاني من القرن العشرين تشويشاً وضبابية لم تكن الاتجاهات الانعزالية وحدها مسؤولة عنهما فقط بل يتحمّل الاتجاه القومي النصيب الأكبر من تلك المسؤولية. ولعلّ هذا ما يجب أن يدفع القوميين إلى مراجعة علاقتهم بالدولة مراجعة نقدية عقلانية من شأنها أن تساهم في صياغة موضوعية لبرنامج عمل عربي واقعي قابل للتحقيق ضمن الظروف الراهنة. "وبما أن الظواهر تخضع إلى التاريخ قبل أن تركن للمماحكة المنطقية فإنّه يتعين على الوعي القومي أن يتعامل مع الوضع العربي الراهن وفقاً لإمكانيات هذا الوضع القائم والمسلّم مؤقتاً بالأوضاع السياسية العربية"(8).

إن مسألة الدولة ليست حديثة في التاريخ العربي. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنها أصبحت رئيسية منذ وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم). فقد اضطرّ الخليفة الأول إلى الإقدام على خوض حروب الردّة، على ما يذهب بعض الباحثين، من أجل مسألة تخصّ الدولة أكثر ممّا تخصّ الأمور الإيمانية حيث إنّ المرتدين التزموا بالصلاة ورفضوا دفع الزكاة. فيما ذهب الخليفة الثاني إلى الاجتهاد في أمور تخصّ الدولة أو تخصّ الأمة من وجهة نظر الدولة. ويجب أن لا "ننسى أنّ الوحدة السياسية لم تعرف في التاريخ العربي إلا في صدر الإسلام، في إطار مفهوم الأمّة الإسلامية، وأنّ التجزئة تلت تلك الفترة"(9). ولن نطيل في تناول موضوع الدولة عند الأمويين الذين فضّلوا الانطلاق من الدولة في تسيير الأمّة وليس العكس كما يقضي الشرع. فأسقطوا مبدأ الشورى المنصوص عليه في القرآن والسنّة، وكذلك عند العباسيين الذي شهدت خلافتهم اضطراباً في العلاقة بين الأمّة والدولة، وظهور الدول والدويلات المتعددة في ديار الإسلام.

هذا يعني أننا نرفض الرأي التبسيطي القائل بأن الاستعمار الأوروبي هو الذي جاء بالدول داخل الدولة الواحدة على حين غفلة من الرجل المريض، أو بعد وفاته. وكما هو معروف فإنّ الدولة العثمانية كانت هي الأخرى متعارضة مع مفهوم الدولة العربية (المنشودة) شكلاً ومضموناً وحجماً (سياسة التتريك.. عدم ضمّها المغرب الأقصى). إن الاستعمار الأوروبي مدان قبل كل شيء باستعماريته وأشكاله المتعددة التي من بينها تثبيت بعض الحدود وتغيير أخرى، بما يضمن إطالة عمره بما في ذلك دعم وترسيخ أنظمة قطرية انعزالية في وجه النهضة العربية التي بدأت بخوض معركة الاستقلال ولم تتمكن من إنهاء مهمّتها.

مرض الدولة إذن قديم ولعلّه قد استفحل أثناء الاستعمار، وخاصة بعد خروجه العسكري وتأسيس الدولة القطرية التي أريد بها، قبل كل شيء، إيقاف الزخم القومي الذي أعقب تخلّص العرب من الأتراك، لأنّ الدول الاستعمارية التي أصبحت في غنى عن لواحق المتروبول كأسواق وكمصادر للخامات طوّرت أشكال استعمارها ودعمت من يسهر على مصالحها أحسن منها، وسنّت القوانين والمعاهدات والوعود (سايكس ــــ بيكو.. بلفور..وغيرها) ولا يجب أن نهمل من الحسبان ما أدخله الاستعمار من تعديلات وتحويرات في بعض البنى القطرية أثناء استعماره لها. فقد تعامل في هذا المضمار بدراسة ميدانية عميقة وتخطيط بعيد المدى والنظر بحيث "أنتجت السياسات الاستعمارية بتعبيراته الفكرية والسياسية والاقتصادية، أوضاعاً داخل كلّ منطقة وداخل كل دولة ممّا وفر أسساً واقعية لقيام سلطات تحكمها قوى سياسية قادرة على النهوض بالدور الموكل إليها في تثبيت نظام السيطرة والتجزئة"(10).

إزاء هذه الحركية والليونة الاستعمارية، لم يشهد القرن الماضي إلا تشدداً وجموداً لدى القوى السياسية القومية التي لم تنضج على الرغم من صدق النيّة وظلّت سجينة طوباوية لازمتها حتى في أنضج محاولاتها (الجمهورية العربية المتحدة). لقد رفض المدخل القطري، وظلّت الأفواه تغنّي بما لا تستطيعه الأيدي في حين أن الجميع يدرك أن الأهداف السياسية لا تتحقق بغير الوسائل السياسية، وأنّ القلاع لا تؤخذ إلا من الداخل. كان لا بد من فهم العلاقة الجدلية بين القطري والقومي، ولكن ذلك لم يحصل على مستوى العمل السياسي الفعلي. ونحن لا نستطيع الجزم بأنّ ذلك كان ممكناً منذ البداية.

لا يزال الفكر السياسي العربي بكل تلاوينه لا يميز بين الفكر القومي، والأيديولوجية القومية، والأحزاب والحركات القومية التي تتبنى أيديولوجيا قومية، والتي وصلت إلى السلطة. ويحمل مسؤولية وأزمة الأوضاع الراهنة المزرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية في الوطن العربي إلى الفكر القومي العروبي الوحدوي، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن الهزيمة التي منيت بها الأمة العربية هي هزيمة الفكر القومي. يقيناً أن هزيمة الأمة العربية اليوم هي هزيمة تشمل الأفراد والجماعات، والطبقات، والأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الأيديولوجية، والحركة القومية العربية ويمثل إخفاق الأخيرة وعجزها عن تحقيق أطروحاتها في الوحدة والنهضة العربية ــــ على رغم التأييد الأدبي والسياسي للجماهير الشعبية العربية لها ـ إخفاقاً تاريخياً عادلاً.

لكن الذي يتحمل وزر هذا الإخفاق التاريخي والهزيمة السياسية للأمة ليس الفكر القومي العروبي ولا المشروع القومي، وإنما الحركة القومية، التي يعتبر انهيارها وهزيمتها هي ذاتها هزيمة المجتمع المدني وضموره، وتهميش الشعب، وإخراجه من السياسة، وتسيد الدولة القطرية التسلطية، التي حطمت كل المبادئ والنماذج الثابتة في الوجدان الاجتماعي (الديمقراطية، الرابطة القومية، التنمية بشروطها الوطنية والقومية) إشباعاً لنزواتها وخدمة لذاتها.. فالدولة القطرية إذن هي التي تتحمل وزر هذه الأوضاع لأنها أدارت ظهرها للأيديولوجية القومية ولأيديولوجية الإسلام فصنعت لنفسها أيديولوجية منغلقة.

الدولة القطرية العربية التي تروج لها بعض التوصيفات أنها "الدولة القومية" أو "الدولة الوطنية الحديثة" هي حالة تعبر في الصورة العامة عن رهانات ورغبات أيديولوجية، أكثر مما تعبر عن حقائق واقع هذه الدولة القطرية ذاتها، التي تبقى نشأتها التاريخية مختلفة جذرياً عن السياق التاريخي ـ السياسي الذي نشأت فيه الدولة القومية الغربية، ولأنها أيضاً ظلت بعيدة كل البعد عن الفتح البورجوازي الحديث. بل لأنها تجهل كلياً هذا الفتح البورجوازي المسمى بالحداثة السياسية والثقافية، التي تقوم على ركيزتين أساسيتين هما: الديمقراطية السياسية الحديثة، والعلمانية والعقلانية.

فالمظهر الخارجي الحديث للدولة القطرية العربية يخفي واقعاً داخلياً ذا بنية تقليدية ومتخلفة من حيث الجوهر، تهيمن فيها أيديولوجية تقليدية، لا تزال ترى السياسة شأناً من شؤون شخص الحاكم أو الزعيم أو القائد الملهم، الذي يستمد مبدأه وفعاليته من الواجهة المؤسسية لسلطة بيروقراطية الدولة، ونظام الحزب الواحد، وأيديولوجية بيروقراطية الدولة، التي تفهم وتمارس السياسة في بعدها التقني البراغماتي وترفض منطق الحوار الفكري، والجدل الثقافي والمعرفي، وتعمل على إخضاع تنظيمات المجتمع المدني لمنطق هيمنة أجهزة الدولة.

إن سيرورة تشكل الدولة القطرية العربية الحديثة في علاقتها بالمجتمع المدني من جهة، وبالقوى الاجتماعية من جهة أخرى، لم تتم في نطاق القطيعة مع ميراث الدولة الكولونيالية التي تمثل الاستمرار التاريخي للدولة البيروقراطية الحديثة، التي ولدت في أعقاب الثورة الديمقراطية البورجوازية في الغرب من ناحية، مثلما لم تتم القطيعة مع الدولة السلطانية التي سادت العالم الإسلامي من ناحية أخرى.

وهذه الدولة القطرية العربية التي اضطلعت بتطبيق مشروعها التحديثي في نطاق علاقته بالمجتمع التقليدي الذي دمرت الرأسمالية الكولونيالية توازنه العرضي الذي كان سائداً، والذي وسم المجتمع العربي الكولونيالي بالتجزؤ والتذرر والتباعد والتنافر بين مختلف أطرافه، قد خلقت بيروقراطيتها الحديثة، ذات الطابع المركزي، المهيمنة على هياكل ومؤسسات السياسة والاقتصاد والمتغلغلة في بنى ومؤسسات المجتمع المدني الوليد، حيث أصبحت هذه الدولة القطرية التي توحدت مع جهازها وبيروقراطيتها الحديثة خارجة عن المجتمع المدني، ومنفصلة عنه.

وكانت هذه الدولة القطرية تمثل في الوقت ذاته العنصر التكويني الرئيس للعلاقات الرأسمالية باعتبارها دولة تبحث دائماً عن ممارسة سياسة وسطية بين النموذج الليبرالي ونموذج رأسمالية الدولة، وكانت تجسد رأسمالية الدولة التابعة للمراكز الرأسمالية الغربية بامتياز. لكن بعد تضخم هيمنة الدولة على المجتمع المدني وصولاً إلى تدويله، وإلغاء دور القوى الاجتماعية والشعب على صعيد إنتاج السياسة في المجتمع، انبثقت الدولة البيروقراطية التسلطية الحديثة، وامتلكت ناصية الاستبداد المحدث، من "مصادر الاستبداد التقليدي باحتكار الحكم مركز السلطة" من ناحية، ومن خلال "احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع" عبر اختراق المجتمع المدني على مختلف مستوياته ومؤسساته.

و"قد تغلب فهم السلطة لدى بعضهم على الهم القومي، وربما لو نجحت الدولة الوطنية في أن تكون دولة قطرية بالمفهوم العام للدولة لشكلت ضماناً منيعاً للانتقال من الحالة القطرية إلى الحالة القومية. ولكن الذي حصل هو العكس تماماً بحيث باتت العشيرة والطائفة هي الضامن للسلطات في أغلب الأقطار العربية"(11).

تكمن خصوصية التحديث في الدولة القطرية العربية في انفصاله الكلي عن المسألة الديمقراطية، والحداثة السياسية، سواء في مفهومها الليبرالي الغربي المتعلق بإحلال مفهوم المواطنة، والاعتراف بسلطة الفرد الحر المسؤول، وبناء المؤسسات السياسية والدستورية التمثيلية، وما تقتضيه من إحلال قيم المشاركة السياسية من جانب الشعب في الشأن العام، بما في ذلك حق الانتخاب وحق الرقابة على مؤسسات الدولة وعلى رجال الدولة باعتبارهم وكلاء المصلحة العامة، أم ببعدها المتعلق بالتوزيع العادل للثروة الوطنية وتوحيد التنمية وفق اختيارات اقتصادية اجتماعية تخدم مصالح الطبقات والفئات الشعبية.

إن الفشل التاريخي للدولة القطرية نموذج الدولة والأيديولوجية القومية، وانتشار ظاهرة الشعبوية وانعدام تقاليد الحوار الديمقراطي في ظل تغييب كامل للديمقراطية، والهزائم المتلاحقة التي منيت بها الأمة العربية، وإخفاق المشروع النهضوي العربي، شكلت جميعها الأرضية الخصبة، والأسباب الرئيسية للعودة الضخمة والصارخة للعامل الديني، والاستخدام غير الرشيد للإسلام من جانب الحركات الإسلامية.

الثابت أن السلطات القطرية (ومن بينها من يبطن التشرذم وينادي بالوحدة العربية) قد أتّمت المهمّة المنوطة بها من قبل حليف اليوم (مستعمر الأمس)، ولكنّها اليوم وصلت ـ كما وضحنا سابقاً ـ إلى منعطف جديد يطرح عليها مسائل لا عهد لها بها، ولا يمكن حلّها في حدود القطر الواحد في زمن التكتلات الذي نعيشه ولذلك فقد بدأ البحث مرّة أخرى عن وسائل غير قومية:

هذه المرة أورومتوسطية، أوروأطلسية، إفريقية.. وقد لا يكون من حقنا أن نطالب حكومات لا تضع ضمن إستراتيجيتها مشروعاً قومياً، بأن تتصرف وفق المنطق القومي، ولكن من حقنا أن نطالب القوميين بعدم التفريط في الفرصة المتاحة مرة أخرى، أي أن يكفوا في مستهل هذه الألفية عن الجمود والتحجّر، وأن يتعاملوا مع الواقع بواقعية في المنهج وفي الأساليب، ويصحّحوا فكرهم السياسي القومي. والمقصود هنا هو خطأ تعامل هذا الفكر مع الدولة بإنكاره لها واقعاً قائماً واعترافه بها حلماً فقط. والحلم لا ينافي العمل السياسي بل لعلنا لا نستطيع تغيير شيء دون أن نحلم بما هو أحسن منه، ولكن تحقيق الحلم يتطلب، قبل كل شيء، الانطلاق من الواقع المراد تغييره.

لا بد لنا من الاعتراف إذن أننا عملنا ضد الدولة الواحدة لأننا لم نسع إليها سعي المؤمن بل نظرنا إليها من علٍ حتى قيل: "أنتج القوميون العرب نظرية الأمة، لكنهم لم ينتجوا نظرية في الدولة القومية"(12).

في الحقيقة كانت هناك بوادر لن نتوانى عن وصفها بالعبقرية لدى روّاد الفكر القومي، ولكنّها لم تمض في طريق تطوّرها المنطقي. فكرة فصل الأمة عن الدولة، على سبيل المثال، فكرة صائبة من حيث المبدأ، لكن الخطأ طالها عند ما تحوّلت إلى فكرة مطلقة. فساطع الحصري عندما نادى بالفصل بين مفهوم الأمّة ومفهوم الدولة كان يريد أن يدافع عن فكرة وجود الأمة نفسها ضد من قد يستنتج أنّ الأمة لم تعد موجودة، لأن دولة الأمّة أصبحت دويلات، وأراد في الوقت نفسه ألاّ يمنح فرصة للتنظير لإمكانية استنساخ أمّة خاصة بكل دويلة بحيث تصبح الأمّة أمماً. إلا أن هذا الفصل بين المفهومين لم يترافق بوصل بينهما يتمثل في إرادة السعي (على مستوى المفهوم) لتوحيد أجزاء الأمة ــــ الدولة. نحن نرى في جدل الفصل والوصل هذا منطلقاً لما ندعو إليه من واقعيّة في تناول الموضوع القومي، من حيث الارتقاء من القطري إلى القومي عبر الدولة القطرية الوطنية التي تعي منذ البداية انتماءها لأمتها، وتعي في الوقت نفسه أن منطق الدولة ومنطق الأمّة لا يتطابقان دائماً ولكنهما لا يتقاطعان بالضرورة في سعي واع إلى التطابق. ويذهب البعض إلى أنّ الحصري لم يستطع "أن يفهم أنّ منطق الدولة ــــ أي دولة ــــ هو منطق قومي بالضرورة.. ويضطلع إلى حد بعيد بوظيفة تحقيق الإنتاج والتكامل الاجتماعي أي ما يسمى بـ "بناء الأمة". بل يمكن للدولة أن تنشئ قوميتها"(13).

الدولة في موضوعنا هي الأصل وجميع صفاتها الأخرى تابعة، والأمة، بمعناها الحديث، هي الأمل وجميع صفاتها تابعة.

التلازم بين الأمة والدولة تلازم ضروري في سبيل إقامة دولة قومية بمعزل عن الشروط الموضوعية. بل يمكننا الحديث عن عملية/عمليات تشكل الأمة والدولة الأمة في الوقت ذاته ولا فصل بين هذا وذاك.

لم يكن هناك في التاريخ أمم أنشأت دولاً قومية بل كان هناك دوماً جماعات مختلفة شكلت أمماً حديثة ودولاً قومية حديثة بالتلازم الضروري بفعل عوامل مختلفة وعلى درب آلام طويلة، ومراحل اختلفت سياسات وتضحيات.

نحن نرى أن الدولة ــــ بحكم فصلها كمفهوم عن مفهوم الأمّة ــــ لا تنشئ قوميتها ولا "تقوْمن" وأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو خلق مواطنة قد تستطيع ــــ بحكم الوصل بين المفهومين ــــ أن تشارك في بناء دولة الأمة، والأمثلة كثيرة. فأين هي الأمة السوفيتية مثلاً أو الأمّة الجنوب إفريقية البيضاء أو حتى الأمّة الكندية ناهيك عن الأمّة "الإسرائيلية".

يذهب الباحث هشام جعيط إلى أن أخطاء الفكر القومي العربي المعاصر يتمثل في "أنّ الأمة العربية تقدّم كمعطى ينبغي التعجيل بتجسيمها في التاريخ، والتعبير عنها في المستوى السياسي، في حين أنّ الأمة العربية ليست أمراً واقعاً تماماً، كما أنّها لم توجد في الماضي وجوداً متكاملاً. فلا مجال لطرحها كواقع لا يقبل النقاش. ولا مجال لإعادة بنائها.. بل الذي يجب إذا أمكن ذلك هو بناؤها بالعرق والجهد"(14).

ويصعب ألا نتفق مع ما يطرحه المفكّر هشام جعيط من ضرورة البناء بالعرق والجهد، وعدم جدوى إعادة البناء على الأقل . ولكننا نتساءل كيف أن الأمة العربية ليست أمراً واقعياً تماماً، وكيف أنّها لم توجد في الماضي وجوداً مكتملاً وإلى أي درجة هي واقع وإلى أي درجة اكتمل أو لم يكتمل وجودها في الماضي؟. ألا تكون الأمة العربية معطى جاهزاً شيء وألا تكون واقعاً شيء آخر. هذا إذا لم نفقر مفهوم الواقع ونرجعه فقط إلى العياني السياسي أو الاقتصادي.

ليس هناك تناقض داخلي في كلام جعيط فقد فضّل في طرحه التحرّك بحرية تامة انطلاقاً من القطر دون شرط من "القومية المحدودة"، أي الانتماء القطري عبر التغيير دونما أفق مرسوم فيما يؤدي إلى الوحدة أو إلى إمكانات أخرى . ومن المنطقي أن تُعطى "الأولوية للتغيير على التوحيد"(15)، وليس في هذا الكلام ما قد يثير تحفظنا إلا بقدر ما نتكلم عن بعث الأمّة في حين يتكلّم جعيط عن التغيير. نحن نقرّ بضرورة العمل المُبدع الحر، ونحن أيضاً، في الظرف الراهن، نعطي الأولوية للتغيير على التوحيد، إلا أن الأولوية الكبرى هي للتغيير من أجل التوحيد وليس للتغيير، وذلك إيماناً منّا بضرورة التغيير والتوحيد معاً. ومن هُنا فإننا نذهب مع جعيط على طريق التغيير والبناء بالعرق والجهد، ولكننا لا نشك في وجود الأمة، لأن فكرة بعث الأمة لا تستوي دون وجودها وهذا لا يصحّ على أمتنا العربية وحدها وإنما على كل الأمم التي انبعثت والتي ستبعث.

صائب تحذير جعيط من مقارنة الوضع العربي الحالي بالمثال الألماني في القرن التاسع عشر، فالاختلاف بيّن لكننا في هذا المضمار نوّد أن نسوق مثالاً ألمانياً آخر هو وضع الألمانيتين بعد الحرب العالمية الثانية. فقد قسّمت الأمّة الألمانية آنذاك إلى دولتين عدوّتين تنتسبان إلى معسكرين عدويّن، وحدث التغيير في كل شطر وفقاً لحلفه ودام هذا الوضع قرابة نصف قرن كما نعلم. الواقع الاقتصادي والسياسي في كلا البلدين كان محدّداً باتجاهين مختلفين إن لم نقل متناقضين ولو فرضنا أنّ الألمان أعطوا الأولوية للتغيير على التوحيد، لربما كان من الأيسر لألمانيا الشرقية أن تغرق في سياسة الإصلاحات والتحويل الاقتصادي على النمط ما بعد السوفيتي، ولربّما كان العبء أخفّ على اقتصاد ألمانيا الغربية ولما كان لسور برلين أن يذهب شظايا، ولكن الذي حصل هو أن فكرة الأمّة الألمانية هدمت السور ووحّدت الدولة بقطع النظر عن التكاليف التي تكبدّها الاقتصاد الألماني الغربي، ولم يبق من واقع الانشطار في غضون عقد واحد إلا بقدر ما بقي من أطلال السور.

أمتنا العربية إذن موجودة ومن حقها أن يكون لها دولتها الواحدة على غرار الأمم التي أنجزت وحدتها القومية، وليس في ذلك مشكلة، فيما أرى، إلا عند من ينكر على أمتنا وجودها أصلاً.

المشكلة الحقيقية تكمن في الوصول إلى هدف الوحدة، وقد ثبت بعد مختلف التجارب الوحدوية التي قامت في الوطن العربي أنّ العاطفة والأيديولوجيا على أهميتها ولزومهما، لا يكفيان لحل هذه المشكلة.

ونحن نشارك أحد الباحثين اقتراحه ضرورة الإجابة علمياً وليس وجدانياً وسوسيولوجياً، وليس أيديولوجياً على سؤال: كيف الطريق إلى الوحدة العربية(16) دون استغناء عن العوامل الأيديولوجية طبعاً، وعدم تجاهل الواقع المعاش في الخطط والأساليب الرامية إلى تغييره، أي "محاولة تحقيق ما يجب أن يكون مع مراعاة ما هو كائن، لا بتجاوزه تجريدياً والقفز فوقه بلا مبالاة"(17)، والحال أنّ الواقع العربي المعاش شديد الوضوح في التعبير عن العلاقة بين القطري والقومي "وسواء تمّ توصيف الواقع القومي بأنّه نظام قومي تمت إعادة صياغته قطرياً من خلال التجزئة، أو بنظام قطري تجري إعادة صياغته قومياً. فهناك مظاهر من الترابط بين الاثنين. فالقطري جاء على قاعدة القومي بالرغم من أن جميع المحاولات التي تبرزه كنقيض للقومي فإنّه يحتوي القومي، والقومي الآن مجزوء وموزّع في القطري لكنه أيضاً يحمل النزوع المستمر اللحظي مما هو قائم والعودة إلى الوضع الطبيعي، أي إلى الوحدة العربية"(18) .

إن هذه الوضعية تجعل من المستحيل على الفكر القومي أن يتجاهل الوعاء القطري إلا عن طريق التجريد الفكري ونفي الواقع الملموس كما فعل طوال عقود من الزمن.

هل للوحدة العربية مصداقيتها العلمية والمعرفية لأنّنا نريدها، أم لأنّها تستجيب لضرورة تاريخية وتمثل الردّ الأمثل على التحديات والأخطار التي تهدد الدول العربيّة دون استثناء؟.

وهل فكرة الوحدة العربية تتضمن تحقيقها أم أن تحقيقها مسألة مشروطة بجملة من العوامل الذاتية والموضوعية المعقدة التي تحكم الواقع العربي الراهن؟.. وهل فكرة الوحدة العربية تتضمن أيضاً صيغة تحققها العملية أم أن تفاعلها مع الواقع هو الذي ينتج هذه الصيغة؟.

لنسأل أيضاً: هل يستطيع الفكر القومي أن يتبّنى العلمانية مثلاً وأن يرى فيها شرطاً للحداثة والتقدّم في الأقطار العربية التي لا ترى شعوبها ذلك؟.. وهل يجوز له القفز على اتجاه الشعوب ومعتقدها معبّراً بذلك عن نزعة نخبوية نشطة؟... وهل يستطيع الفكر القومي ألا يكون معنياً بالنضالات الاجتماعية والديمقراطية التي تخوضها الجماهير العربية في أقطارها بحجّة أنها نضالات قطرية لا تلتقي مع أهدافه وغاياته؟

أسئلة طرحناها على سبيل الأمثلة لا الحصر لنؤكد ما أشرنا إليه سابقاً من عقم محاولة القفز على القطري، ونخلص إلى أن جدل القومي ــــ القطري في هذه المرحلة تجد تركيبه في الوعي القومي داخل كل قطر ومن حيث هو وعي عملي يرى في نهوض القومية العربية حركة اجتماعية داخلية ومعركة قومية خارجية(19).

لقد حملت النخبة القومية العربية "الدولة القطرية"، من المساوئ والعيوب والآثام ما يكفي للحيلولة دون انعقاد أي اجتماع وطني حولها، وما يكفي من سوء لعدم تبنيها أو توظيفها في مجتمعات لم تعش تجربة الدولة من قبل، فبدت الدولة القطرية كأنها جسم غريب مزروع في بيئة ترفضه، فلا تمده بمقومات الحياة والنمو.

الدولة القطرية هي الأسوأ المرادف للتجزئة الكولونيالية، ومن ثم فإن نفي التجزئة الكولونيالية هو نفي الدولة القطرية.

إن مواجهة الطابع غير الديمقراطي للدولة القطرية العربية مواجهة صريحة (تشكل) بداية البداية التي على الفكر القومي العربي أن ينطلق منها لتثبيت نظريته في الوحدة العربية.

الأمة ــــ الدولة ليست معجزة تحصل دون خضوع للقوانين، وليست هبة يهبها آباء الأمة لأبنائها، بل هي صيرورة يشارك فيها كل من له مصلحة وقدرة. فلا بدّ إذن من توافق بين المصلحة القطرية والقومية ولا بدّ من وعي هذه المصلحة. وهذا التوافق قائم في العمل الواعي على تحويل الدولة القطرية إلى دولة وطنية بكل معاني هذه الكلمة. فهذه الدول هي وحدها القادرة على بناء دولة الأمّة.

 

الهوامش:

1. هشام جعيط. الشخصية العربية الإسلامية. ترجمة المنجي الصيادي.دار الطليعة ط2/1991ص 51.

2. المرجع السابق. ص51.

3. جاد الكريم الجباعي. قضايا النهضة. دار علاء الدين 2003. ص188.

4. ماجد شدود وآخرون. القومي والقطري. المركز العربي للدراسات الاستراتيجية 1999.

5. المرجع السابق.ص36.

6. انظر محمد عابد الجابري. إشكاليات الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربي 1989/ص81.

7. المرجع السابق. ص8.

8. ماجد شدود وآخرون. القومي والقطري. ص37.

9. عبد العزيز الدوري. تعريف المشروع الحضاري. مجلّة المستقبل العربي س24.ع269/2001. ص42.

10. حسن الضيقة. في الاجتماع الإسلامي المعاصر. دار الإيمان 1993. ص55.

11. غياث كنعو. الأمّة العربية. دورية المناضل. ع370/ديسمبر2008.

12. عبد العزيز الدوري. تعريف المشروع الحضاري. مرجع سابق. ص54.

13. محمد جمال باروت. الدولة والنهضة والحداثة. دار الحوار/سورية (د.ت) ص22/23.

14. هشام جعيط. الشخصية العربية الإسلامية. مرجع سابق. ص64.

15. هشام جعيط. مرجع سابق. ص64.

16. انظر تركي الحمد. دراسات أيديولوجية في الحالة العربية. دار الطليعة 1992ص150.

17. المرجع السابق.

18. ماجد شدود وآخرون. القومي والقطري. مرجع سابق. ص91.

19. المرجع السابق. ص39.

 

 

 

 

 

 

 

 

العــــروبـــة و الإســـلام:   ثنائية الجوهر الواحد

 

 

لم تكن العلاقة بين العروبة والإسلام مجال جدل أو بحاجة إلى التأكيد من وجهة نظرنا. فهما متصلان ومتكاملان في التاريخ والواقع على أرض العرب. و"حينما نقول (العروبة وعاء الإسلام) فقد أضفنا شرفاً عظيماً لهذه العروبة حيث جعلناها ظرفاً لشيء ثمين وغال ألا وهو الإسلام، ورفعنا من قدرها حيث جعلناها وعاء يحوي ثميناً وسياجاً يحافظ على المقدس. وقولنا (الإسلام روح العروبة) يعني جعلنا العروبة جسداً يتحرك بتحرك الإسلام، ولا حركة لجسد دون روح"(1).

لقد وجد الافتراق بين الاثنين في الوعي السياسي العربي الحديث، على أن فكرة الافتراق أو الانفصال بين العروبة والإسلام لم توجد فقط في الفكر القومي العربي، بل وجدت أيضاً في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فإذا كان القوميون قد أسقطوا عامل الدين (الإسلام) من تكوين الأمة وشخصيتها القومية، فإن الإسلاميين وَعَوْا الإسلامَ بمعزِلٍ عن العروبة، وعَدّوها في جملة "العصبيّة الجاهلية" التي حاربها الإسلامُ في ما زعموا. وبذلك يكون الفريقان معاً قد خاضا مضاربة أيديولوجية في الهويّة غيرَ ذاتِ علاقة بالموضوعية العلمية أو بالواقع التاريخي(2).

وإذا كان أمر العلاقة بين المفهومين بهذا الشكل من التداخل والتكامل فما السبب الذي جعل بعض الدارسين ينكرون ذلك بل ويذهبون إلى حد القول بالتمايز والاختلاف بين المفهومين. ربما يكون مرجع ذلك أمرين: "الأول هو ذلك التردّي والقصور المعرفي لعدم قراءتنا للتاريخ بشكل جيّد وللنتاج الفكري للأسلاف بشكل كامل... أما الثاني فقد أصبحنا نستمدّ المعرفة وفق مصطلحات ومعايير ومبادئ ارتضاها لنا الآخرون، فهي غريبة على مبادئنا وتراثنا. وقد غرّبتنا عن ماضينا الذي يجب أن نستمدّ منه المعرفة"(3). وبالفعل فإن النظرية القومية تأسست وفق مقاربات الواقع الأوروبي حيث كان التخلّص من اللاهوت ضرورة أوروبية كما يقولون. كما يذكر أن القراءات التي عبّرت عنها حركات الإسلام السياسي المعاصر لمسألة الأمّة لم تكن إلاّ ردّة فعل ملتبسة ومتشنجة تجاه مقولات الحداثة الغربية.

إن محورَ الإسلام والعروبة هو المفصَلُ الرئيسي في قضية الأمة، لأنه يلامس فعلاً أهمَّ نقطتين محدّدتين في هذا المفهوم. وهو إلى ذلك يثيرُ أصعبَ الأسئلةِ التي تقود بيُسرٍ إلى التناقض الشكلي، إذ يبدو كما لو أنَّ إدخالَ أحَدِهِما في صُلبِ الموضوعِ ينبُذُ وجودَ الآخر. فإذا قلنا: إنَّ الإسلامَ يدخل في تعريفِ الأمّةِ وجدْنا عرباً غير مسلمين واحترْنا في تصنيفهم، وإذا أصْررنا على العروبة فقط، وجَدْنا مسلمين من غير العَرب ولكن من ذوي الثقافة العربية، واحترنا في تصنيفهم كذلك. هل هذه الحيْرَةُ في مَحَلِّها؟ نحن لا نُخفي شكَّنا في مثل هذه المقاربات الشكلية ويقيننا أنَّ هذا التناقضَ شكليٌ هو الآخر ولا علاقةَ له بجوهر الموضوع.

المقاربة الكمية، من حيث الزمن أو العدد، لا تقيم وزناً كبيراً لروح الموضوع. فماذا يعني أن تكون اللغة العربية سابقةً نزول الوحي على الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟ وفيم يتناقض ذلك مع وجوب وحدانية الإسلام لمن اعتنقه؟ ولماذا يَتمُّ تغييبُ الروابطِ بين العروبة والإسلام؟ وما هي الثقافة العربية إن لم يكن الإسلامُ جوهرها لدى جميع العرب وضمنهم النصارى والصابئة؟ وما هو المحيط الثقافي للمسلمين غير العرب في المنطقة العربية إن لم يكن عربياً؟(4).

في البداية لم تكن ثنائيةُ عرب ـ إسلام قائمة كتناقض جوهري أو حتى شكلي، ولكن ما حدث خلال المدّة الممتدة للدولة العباسية وغزوِ المغول، وبخاصة خلال الحكم العثماني من نِزاعات شُعُوبيةٍ وسياسة تتريك قائمة على كُره العرب، دفع الناسَ إلى التفكير في الشخصية العربية بمعزل عن باقي الشعوب الإسلامية. وإذا أضفنا إلى ذلك قدومَ المستعمِر الأجنبي منذ حملة نابليون وحركة الاحتلال الأوروبي للدول العربية، فَسَنَفْهم مدى تأجّج الشعورِ القومي العربي، كتعبير عن وضع العرب الواقعين بين سِندان التخلّفِ العثماني ومطرقةِ التهديدات الأجنبية.

إجمالُ القولِ: إن العرب قد وجدوا قبل الإسلام وانتشروا جماعاتٍ وقبائلَ وعصبيات متفرقةً في منطقة جغرافية واسعة من اليمن إلى بلاد الشام مروراً بالجزيرة العربية. وكانوا يرتبطون برابطة الدمِ والنسب ورابطةِ اللسان، كما كانت لهم هُويّة ثقافية وحضاريّة. إلا أنه يصعب الحديث عن أمة عربية قبل الإسلام. "لقد كوّن الإسلامُ الأمّةَ، بُنيةً من التضامن السياسي ـ الديني التي امتصَّتْ شيئاً فشيئاً كلَّ الحقيقةِ العربيةِ"(5).

قبل الإسلام لم يكن من مبدأ أو فكرة أو هدف يوحد العرب ويدفعهم إلى القيام بدور تاريخي وإنساني، وبه أصبحوا أمة ذات رسالة روحية وثقافية إلى العالم. وهذا الدافع الجديد هو الذي أتاح لهم فتح مناطق واسعة من العالم نشروا فيها الدين الجديد ومنحوها حضارة جديدة عبر عمليتي الأسلمة والتعريب.

ومع أن هاتين العمليتين كانتا متلازمتين فإن نشر الإسلام امتد ليشمل أماكن أوسع من المنطقة الجغرافية التي شملها التعريب. "وبوجه عام فإن كل قطر رسخت فيه العروبة وثبتت، رسخ فيه الإسلام وثبت، ولكن العكس غير صحيح، فثمة أقطار مثل: فارس وبلاد الأفغان أسلم أهلها جميعاً وثبت فيها الإسلام، ومع ذلك فإن تعريبها لم يتم إلا في نطاق ضيق"(6).

صحيح أننا نعثر في مؤلفات بعض المفكرين والكتاب القوميين على اعتراف بأهمية الإسلام في التاريخ العربي إلا أن هذا الاعتراف لم يجد أبداً معادله الفكري والسياسي في النظرية القومية. ربما كان الدكتور عبد العزيز الدوري واحداً من القلائل الذين حاولوا وضع الإسلام في قلب القومية العربية ليمحو بذلك أي شك يحيط الطبيعة التكافلية لترابطهما(7). ويرى باحث أخر أن الإسلام وحده هو الذي حول العرب "من جماعة عرقية إلى أمّة تستند إلى الانتماء الثقافي. وعالج الإسلام الناشئ في بيئة حضارية البداوة بوصفها شذوذاً. وفي القرون اللاحقة أصبح الإسلام واللغة العربية القاعدتين الأساسيتين للأمة العربية بوصفها كياناً ثقافياً"(8) ولم يُخفِ بعض المفكرين العرب المسيحيين كقسطنطين زريق إعجابهم بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والدور المركزي للإسلام في تاريخ العرب، وتأكيدهم على أهمية الإسلام الثقافية كمجموعة قيم ورموز(9).

لكن يبقى ميشيل عفلق أكثر المفكرين المسيحيين العرب إيماناً بارتباط الإسلام بالقومية العربية حتى إنه حث العرب المسيحيين على حب الإسلام والحرص عليه حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم، ذلك أن "الإسلام هو تاريخنا وهو بطولتنا وهو لغتنا وفلسفتنا ونظرتنا إلى الكون وأشياء كثيرة يصعب حصرها وتعدادها.... لا يوجد عربي غير مسلم، هذا إذا كان العربي صادق العروبة وإذا كان متجرداً من الأهواء ومتجرداً من المصالح الذاتية(10).

إلا أن الفكر القومي العربي في توجهه العام لم يعترف للإسلام بأي دور فاعل في تكوين الأمة العربية واضطر إلى سد هذه الثغرة الكبيرة باختلاق مزاعم وتصورات هي نتاج الأيديولوجيا أكثر منها نتاج الحقيقة والتاريخ. ومن ذلك القول بأن الأمة العربية وجدت قبل الإسلام. ويقول هشام جعيط رداً على هذا الزعم: "سبق الحدث العربي الإسلام، وهذا من المعطيات التي لا نزاع فيها. لكن الماضي العربي الجاهلي واقع دون تاريخ في جملته. وقد ألقى الإسلام والفتح العربي (بالشعب) العربي في المجتمع التاريخي، فحطما عزلته التي جعلت منه شعباً برابرياً أقصي عن المغامرة البشرية" بل إن الأمر يتجاوز هذه الحدود والفضاءات، ذلك أن الإسلام لم يقتصر على أن يقوم بدور رئيس كرائد للعربي يرشده للتمدن، مؤكداً مبدأ الدولة وباعثاً على ثورة ذهنية بل عمل على إبراز (أمة عربية)، فقنن لغتها وثبتها، ومنح في الجملة هيكله إلى الانتماء العربي"(11).

أما الفصل بين العروبة والإسلام، الذي جاء أصلاً نتيجة إنكار دور الإسلام الجوهري في تكوين الأمة العربية، فقد اقترح لحل مشكلة مفتعلة تتعلق باعتراض مزعوم من قبل العرب غير المسلمين، أي المسيحيين، على ارتباط العروبة بالإسلام وخوفهم من هذا الارتباط الذي يمكن أن يهدد وجودهم وانتماءهم إلى الأمة العربية!. نقول مشكلة مفتعلة لأن المسيحيين أنفسهم يقرون بانتمائهم إلى الفضاء الإسلامي تاريخاً وحضارة.

وهذا أحد كبار المفكرين العرب المسيحيين، اليوم، يرى في الإسلام ثقافة قومية بالنسبة إلى المسيحيين وتعبيراً عن تراثهم الحي"(12). بينما يقول باحث عربي فاضحاً زيف هذه المشكلة "إن التذرع بوجود جماعات عربية غير مسلمة في صفوف الأمة للقول إن بناء التلازم بين العروبة والإسلام يضعف من نسيج التكوين القومي، أو يقيمه على مقتضى استبعاد جماعات عنه هو أمر عارٍ عن الشرعية، ويقايض التاريخ والحقيقة التاريخية بأفكار أيديولوجية لا وظيفة لها سوى الإيقاع بين رابطتي العروبة والإسلام للإجهاز على طاقات الأمة الكامنة فيها"(13).

وهذا شاهد آخر على تهافت تلك المزاعم وتُعدّ شهادته أرفع من أن ينالها التشكيك أو القدح أو التجريح: يقول نقولا زيادة "أنا وطنوس وشنودة ورثة حضارة واحدة عربية إسلامية. عملنا في وقت من الأوقات على بناء صرحها. ونحن أبناء أرض نمت هذه الحضارة فيها"(14).

كما نذكر في هذا المجال أن العروبة قد عاشت وتعايشت مع "جماعات" ثقافية أخرى غير عربية في مشرق الوطن ومغربه مثل الكرد والأمازيغ وقبائل أفريقيا.

على أن التأكيد على جوهرية العامل الإسلامي في تكوين الأمة لا يعني أنه العامل الوحيد كما تذهب إلى ذلك بعض التيارات الإسلامية. وإذا كان القرآن الكريم قد أكد على أولوية رابطة العقيدة في تكوين الأمة حتى تماهت هذه الأخيرة بالإسلام والمسلمين، فإن ضرورة اعتبار جوانب أخرى غير الدين أو المذهب في تكوين الجماعات البشرية وفي تمييزها بعضها من بعض، وعدم تغلب الدعوة القرآنية على الفوارق الفاصلة بين الشعوب التي دخلت في الإسلام، ذلك كله حمل بعض كبار المؤرخين والفلاسفة، في المائة الثانية من تاريخ الخلافة العباسية، كالمسعودي والفارابي، على فك الازدواجية، أي على استعمال لفظة الأمة بالمعنى الاجتماعي التاريخي واستعمال لفظة الملة أو لفظة الشريعة للدلالة على المعنى الديني الذي تنطوي عليه لفظة الأمة في النص القرآني(15). ومع ذلك فإن الأمم التي حافظت على بناها الثقافية واللغوية ما قبل إسلامية ترى، اليوم، أن الإسلام من حيث هو منظومة روحية ثقافية هو جزء لا يتجزأ من روحيتها القومية، فالأتراك يعتبرون الإسلام حالة قومية تركية، والملاويون (ماليزيا) يعتبرون أنّ الخروج من الإسلام يعني قطعاً الخروج عن القوم ثقافياً.

إن التأكيد على الإسلام الثقافي الحضاري كمكون جوهري من مكونات الأمة العربية لا ينفي إطلاقاً ما يتمتع به كلاهما من استقلالية "لأن القومي صعيد مستقل في التكوين التاريخي والحضاري حتى وإن كان العامل الديني من محدداته، ثم لأن جغرافية الديني أوسع مجالاً من جغرافية القومي وهي تستوعب تعبيرات عدة ومختلفة عن هذا الأخير"(16).

انطلاقاً من كل هذا يمكننا القول إن صورة العلاقة بين العروبة والإسلام كما تحققت تحققاً تاريخياً موضوعياً تقدم ما يأتي:

1. إن العرب تحولوا إلى أمة بالرسالة المحمدية. وهذا لا ينفي أنهم وجدوا قبل الإسلام كجماعات اجتماعية متفرقة في مجال فسيح، وجمعت بينها قرابة الدم وعصبية النسب، كما لا ينفي مساهمتهم الثقافية وأهليتهم الحضارية، إلا أن العرب لم تكن قبل الإسلام أمة بالمعنى الصحيح للعبارة. كانت بالأحرى جماعات وعصبيات وقبائل تقيم الصلة بينها رابطةُ الدم والنسب في مقام أول ورابطة اللسان الذي لم يكن موحداً تماماً في مقام ثان. ثم إنها كانت فوق كل ذلك جماعات متعادية متناحرة على شروط البقاء. ومع الإسلام صارت كياناً جديداً وجماعة توحدها فكرة كبرى وتصنع لها الشوكة كما الحافز إلى صناعة التاريخ والنهوض به و(نشر الإسلام). والرسالة بقدر ما كانت دعوة للتوحيد كانت أيضاً صناعة كاملة لأمة جديدة على مسرح التاريخ.

وهكذا أتى توحيد الله تعالى يمثل في نتائجه الاجتماعية توحيداً للجماعات العربية في أمة. وهكذا أيضاً تداخلت في التكوين الشخصية الاجتماعية للأمة مع شخصيتها الروحية بل قلْ كانت الأولى في صلب هذه.

ولعل ذلك أيضاً كان من بين أكثر الأسباب وجاهة في إحداث ذلك النوع النادر من التلازم بين الدين والدنيا في التجربة الإسلامية. وعلى ذلك فإن الإسلام منح العرب الشعور بهويتهم كجماعة متميزة ومكنهم من بناء وعي منظومي بالعالم والطبيعة والتاريخ وبالتالي صنع منهم أمة.

2. إن كون العرب ولدوا ولادة جديدة مع الإسلام وكون الإسلام بات جوهر الكينونة العربية حقيقة أدركها العرب مع الزمن حيث تكرس ولاؤهم لدينهم أكثر من ولائهم لجنسهم وباتت عروبتهم مطابقة لإسلامهم ملازمة له.

ويؤكد التاريخ العربي أن العرب نظروا إلى أنفسهم من خلال رابطتهم الدينية لا من خلال رابطة الجنس والنسب يصح هذا على حالة الشرق ويصح أكثر في حالة المغرب.

3. إن علاقة العروبة بالإسلام تعززت أكثر بلغة الوحي العربية وظلت عروبة القرآن هي الأساس في كل تلك العلاقة. ولقد زادها رسوخاً أن الرسول عربي النسب.

وليس تفصيلاً في تاريخ العرب إذاً أن يكون الوحي بلسان العرب وأن يكون الحديث النبوي بلسان العرب وأن تكون كل المدوّنة الفقهية الإسلامية باللغة العربية. إنه يعني أن كل تراث الإسلام الديني كان عربياً وحتى "الأعاجم" أنتجوا معارفهم تاريخياً داخل الإسلام باللغة العربية.

وإذا كانت الأديان كمجموعة من القواعد الضابطة لسلوك المرء مع نفسه ومع الأمة التي ينتمي إليها، تحتاج إلى لغة هي وسيلتها في الدعوة والانتشار، وممارسة الطقوس والشعائر، فإن اللغة العربية، هي بالإضافة إلى ما ذكرنا، تنفرد عن سائر اللغات في علاقتها بالإسلام. فنزول القرآن الكريم بها جعلها في موقع التقديس كالقرآن ذاته، إذ هي مفتاح فهم العقيدة ووسيلة المحافظة عليها(17).

كثيرة هي الطروحات التي تناولت العلاقة بين العروبة والإسلام، وقد اختلفت مضامينها إلى حد التناقض والرفض، ذلك لأنها لم تؤسس على العلم والتاريخ والموضوعية بقدر ما كانت نتاجاً أيديولوجياً وسياسياً واضحاً. و"الحقيقة أن العروبة والإسلام ليس لهما إلا حالتين. إمّا حالة الواحد، أي التفاعل الكيميائي الكامل الذي يخلق العنصر الذي بتفككه تنتهي مواصفات هذا العنصر ومميزاته، وتعيد العنصرين إلى حالة ما قبل التفاعل. أو حالة اللاتفاعل وكل منهما يسير في اتجاه وبذلك يكون كل منهما مضاداً للآخر وينهيه عملاً بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إذا عزت العرب عز الإسلام)"(18).

في ضوء هذه الحقائق كيف ننظر إلى علاقة العروبة والإسلام في الحاضر؟

أولاً ـــ لا يعني بناؤنا التلازم بين العروبةِ والإسلامِ اندفاعاً إلى إقامة مطابقة بين الأمة العربية والأمة الإسلامية ذلك لأن القوميَ صعيدٌ مستقل التكوين التاريخي والحضاري كما ذكرنا. العروبةُ انتماءٌ قوميٌ والإسلام انتماء ديني. الأمة المادية كحقيقة سوسيولوجية وثقافية ولسانية هي إطار الأول فيما الأمة الروحية كانتساب إلى عقيدة جامعة عبر ــــ قومية هي إطار الثاني. يوحد بين العرب جامعُ اللسان وجملةُ التراث الثقافي المعبر عنه بذلك اللسان، والذي يمثل شخصيةَ جماعات اجتماعية تدين أكثريتُها بالإسلام غير أنها تتميز عن سائر الجماعات الأخرى التي اعتنقت الإسلام. ليس من شك إن الإسلامَ هو من حوّل العربَ إلى أمّةٍ غير أن رسالةَ الإسلامِ لم تنجز هذا التحويل إلا لأن هناك جاهزية ثقافية بالمعنى الانتروبولوجي تسمح بصيرورة تلك الجماعات العربية إلى أمة، وإلا لماذا لم تتحول القبائل الإفريقية التي أسلمت إلى أمة. نعم ليست العروبة انتماء إلى عرق بدليل أن جماعات كثيرة غير عربية تعرّبت وصارت جزءاً من الأمة العربية بل وقدمت مساهمتها الخلاقة في إثراء الثقافة والحضارة العربية. غير أن رابطة اللسان التي كَرَّست شخصيةَ الأمّة هي مما لا يقبل التجاهل في مضمار الفهم الحديث لتكوين الأمم والقوميات.

وفي كلّ حال ثمّة حاجة إلى تفادي السقوط في نظرتين حديتين للعلاقة بين العروبة والإسلام، نظرة الفصلِ الكلّي التي تُسقط وتُعدم الدور المركزي والأساسي للإسلام في تكوين الأمة العربية، ونظرة الوصْل الكلي التي تُسقط خصوصية القومي في علاقته بالديني.

إن علاقة التلازم الجوهري بين العروبة والإسلام تجعل من العبث محاولة المفاضلة بينهما لأن كليهما قد أعطى الآخر ما يدخل في صُلب وجودِه واستمرارِه. ولعّل الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) هو التجسيدُ الحيُّ لهذا التلازم كونه النبي العربي الذي اختاره الله ليبلّغَ دينَه القويم مشرِّفاً العروبة بهذا الاختيار. وغنـيّ عن البيان أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قد جمع في شخصيته الفذّة كل المزايا والفضائل العربية. وجسّد كل معاني الشهامة والشجاعة والكرم. وكان باختصار تجلياً راقياً للروح والثقافة والأخلاق والقيم العربية في أبعادها الأكثر سُمواً وارتفاعاً. هذا إضافةً إلى فضائله الذاتية التي كان يشار بها إليه قبل الإسلام .

وقبل تكليفه بالرسالة "لم يكن ــــ النبي محمد (ص) ــــ يعلم أنـّه سيبعث نبيـّاً، وما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكنه كان يدرك تماماً مشروعه الوطني في بناء الأرض وإنقاذ أهله، وبعث إرادة التحرر والنهضة في شعب غارق في أوهام الجاهلية.

مذ كان طفلاً غدا مع عمـّه أبي طالب إلى الشام... كان يدهش ويتأمل: الكلام عربي والعادات عربية والأنساب عربية، والوجوه عربية والطعام عربي والأسماء عربيـّة، كل شيء هنا بين الحجاز وبصرى عربي حتى الصميم إلاّ الحاكم فإنّه مستورد من بيزنطة!! كيف يمكن لأمــّة أن تحقق نهضتها وهي أسيرة إرادة الغرباء؟"(19).

وقد أعطت العروبةُ للإسلام رجالاً من طينة خارقة حملوا رسالتَه ونشروها في جهات الأرض الأربعة. وقد حقق العربُ في مضمارِ الفتح الإسلامي تلك الإنجازات العسكرية والسياسية والثقافية الباهرة التي صنعت للإسلام انتشاره وشوكته. ولم تكن العبقرية العسكرية والاستراتيجيةُ والروحُ الجهادية العالية هي فقط ما أنجح عملية نشر الإسلام، فقد كان على العرب، بعد فتح البلدان ودخولها، أن يعلموا اللغة العربية والفقه الإسلامي وقد برعوا في ذلك أيما براعة، وظهرت في هذا المجال أسماء كبيرة لا تقـلّ أهمية في التاريخ الإسلامي عن كبار القادة العسكريين والاستراتيجيين.

كما أن العرب الفاتحين كسبوا قلوبَ أقوامٍ كثيرةٍ إلى الإسلام بفضل ما أبدوه من حسن الأخلاق والسلوك والتعامل وقد حقّق هذا العامل المعنوي في كثير من الأحيان ما عجز السيف عن تحقيقه وأكمل في أحيان أخرى مهـمـّة السيف. وفي كل هذه المجالات وجَد الإسلام في العرب خير من حمل رسالته ونشرها.

على أن انتصار الإسلام وانتشاره على النحو الكبير الذي تمّ وقيام الدولة الإسلامية مترامية الأطراف ما كان ليتمَّ لَوْلاَ نجاح العرب المسلمين بقيادة الرسول الكريم ثم بقيادة خلفائه الراشدين في إقامة الدولة العربية النواة التي تَوَحَّدَ فيها العرب فكانت وحدتُهم منطلقَ النهوض بالرسالة المحمدية وحملها إلى الأمم والشعوب الأخرى.

يتبادر إلى الذهن السؤال: من رسم حدود الدولة العربية الوليدة؟

يجيب الدكتور محمد حبش: "لقد بدأ، النّبي، أولاً بتوحيد جزيرة العرب، ثم أطلق رجاله إلى بلاد العرب التاريخية التي تمتد تقليديا من الكويت إلى موريتانيا. هي أراض لم يحصل أن زارها النبي الكريم من قبل، ولم تكن لديه بالطبع خرائط لجغرافيا أرض العرب ولكنـّه كان يدرك تماماً أنّ هناك كفاحاً قــدّمه الآباء السوريون من فينيقيين وكلدان وبابليين على شواطئ المتوسط من أنطاكية إلى غزّة إلى الإسكندرية إلى قرطاج..

وفي تحديد البوابة الشرقية قال عمر: وددت لو أنّ بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا يصلون إلينا ولا نصل. إليهم!!.. ولم يكن ليقبل الجنوب إلاّ من باب المندب إلى بحر العرب، وفي الجانب الأعلى من وطنه العربي كان يقول اتركوا الترك ما تركوكم.. أما حدوده الشرقية فتشتمل، كما وردت في رسالته إلى واليه المنذر بن ساوى، على ما بين عمان والكويت . أما حدوده الغربية فقد أعلنها يوم قال سنفتح لكم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا . وهو نضال تحرري هائل اتصل بكل عاصمة بناها الفينيق العربي حتى شواطئ عقبة بن نافع، وهي الشواطئ التي انزرع فيها الآباء الفينيق العرب منذ فجر التاريخ"(20).

أيضاً أعطت العروبة للإسلام لغتها الفريدة. ويدلّ الاختيار الرباني للغة العربية لتكون لغة القرآن الكريم على ما تمتاز به هذه اللغة من خصائص تجعل منها لغة استثنائية بل اللغة الوحيدة القادرة على استيعاب الخطاب الرباني والمعاني الإلهية والأحكام الشرعية. وكانت مزايا اللغة العربية ولاسيما قدرتها التعبيرية العالية وإمكانياتها الواسعة وجزالتها وجمالها قد تجلّت بوضوح في المنجز الشعري الجاهلي إلا أنها وصلت مع القرآن إلى ذروة الإعجاز. الأمر الذي "دفع بشيخ الإسلام بن تيمية إلى الافتاء بوجوب تعلّم اللغة العربية على كل مسلم ومسلمة اعتماداً على قاعدة أصولية مفادها أنّ معرفة الإسلام مرتبطة بمعرفة اللغة العربية، وعلى ذلك فمعرفتها واجبة على كل مسلم ومسلمة بحجة أن (مالا يتم الواجب إلاّ به يعتبر واجبا).."(21).

أما ما أعطاه الإسلام للعروبة فيصعب إحصاؤه أيضاً. فهو الذي وحّد العربَ كما أوضحنا في غير موضع ونقلهم من طور القبيلة إلى طور الدولة وهو الذي طبع لغتهم بطابع القدسية من خلال القرآن الكريم وهو الذي "ضرب نطاقاً حول العرب فمنع تسرب الديانات الغربية إلى بلادهم وبذلك صان ذواتهم من التجزئة ووحّد ولاءهم"(22).

ويبقى القرآن الكريم هو السّر الأعظم الذي حافظ على الكيان العربي بحفظه اللغة العربية في وجه كل الأمواج التي اجتاحت العرب وقبل ذلك وحّد القرآن اللهجات العربية الكثيرة ومنع تفرقها. وجعل من اللغة العربية قطباً ينجذب إليه المسلمون وذلك من خلال منع تأدية الفروض الدينية إلاّ بالعربية. وبكلمة واحدة فإن الإسلام ممثلاً بالقرآن الكريم قد صان العربية من التداخلات والآفات المعادية وبالتبعية فإنه صان الأمة العربية من التحطم والميوعة والانحلال(23).

ثانياً ـــ من الأسئلة التي تثيرها أطروحة التلازم السؤال عن موقع العرب غير المسلمين في كيانية قومية (عربية) يمثل عامل الدين (الإسلام) واحداً من أساساتها.

لا يجد المسيحيون العرب أنفسهم في مواجهة مع مفهوم للأمة العربية تحتل فيه رابطة الإسلام موقعاً مركزياً لسبب يعترفون به قبل غيرهم: هو أنهم ينتمون إلى الإسلام ثقافياً وحضارياً فهم (قاوموا الغزوة الصليبية لفلسطين واختاروا الولاء لحضارتهم والإسلام مركز فيه على الولاء لنصرانيتهم التي يقاسمهم العدو إياها، وفعلوا الشيء نفسه في العصر الحديث حيث تصدوا لمقاومة الاحتلال الأجنبي الأوروبي لديارهم مع إخوانهم المسلمين، وعلى ذلك فوجود جماعات عربية غير مسلمة في صفوف الأمة لا يضعف من نسيج التكوين القومي أو يُقيمه على مقتضى استبعاد جماعات منه)(24).

ونخلص من كل ذلك إلى النتيجتين التاليتين:

1. إن السعي إلى إعادة التلازم بين العروبة والإسلام ليس فعلاً أيديولوجياً قيصرياً يُجافي منطق التاريخ والواقع بل إليهما ينتمي وعليهما يٌبنى.

2. إن هذا التعريف إذ يحتفظ للعروبة داخل الإسلام بشخصيتها الثقافية واللسانية والحضارية المميزة والمستقلة فهو يحتفظ للإسلام بحسبانه ثقافة وحضارة، بمركزيته في بناء الاجتماع العربي على ما في جوفه من عناصر تكوين دينية مختلفة.

 

الهوامش:

(1) أحمد حمزة عبد الباقي. الإسلام روح العروبة. المعارج س19.ع 110/2009.

(2) انظر عبد الإله بلقزيز. العروبة والإسلام. المستقبل العربي.ع 254/ 2000.

(3) عيد الدرويش. العروبة والإسلام. المعارج س19. ع 110/2009.

(4) انظر محمد صالح الهرماسي. العبور إلى المستقبل. دمشق 2006.

(5) هشام جعيط. أوروبا والإسلام. ترجمة عتريسي. دار الحقيقة 1980. ص152.

(6) جورج انطونيوس. يقظة العرب. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. دار العلم
للملايين ط7/1983.ص75.

(7) انظر يوسف الشويري. القومية العربية.مركز دراسات الوحدة العربية 2000 .ص73.

(8) المرجع السابق. ص69.

(9) انظر المرجع السابق ص100.

(10) ميشيل عفلق. البعث والتراث. بغداد 1976. ص28.

(11) هشام جعيط. الشخصية العربية الإسلامية. ترجمة الصيادي. دار الطليعة. ط2/1990.ص26.

(12) يوسف الشويري. مرجع سابق.

(13) عبد الإله بلقزيز. العروبة والإسلام. مرجع سابق.

(14) نقولا زيادة. المسيحية والعرب. قدس للنشر والتوزيع. ط2/2000.ص56/57.

(15) ناصيف نصار. مفهوم الأمّة بين الدين والتاريخ. دار الطليعة. ط2/2003. ص29.

(16) عبد الإله بلقزيز. من العروبة إلى العروبة. الشركة العالمية للكتاب. 2003. ص156.

(17) انظر د. أحمد بن نعمان . مستقبل اللغة العربية. دار الأمّة 2008.ص179/185.

(18) محمد خالد عمر. عروبة الإسلام وإسلام العروبة. (د.ن) 1998. ص138.

(19) د.محمد حبش.المشروع السياسي لرسول الله. موقع ثوابت عربيةWWW.thawabitarabiya.com

(20) د. محمد حبش . المرجع السابق.

(21) د. أحمد بن نعمان. مستقبل اللغة العربية. مرجع سابق.ص191.

(22) جلال السيد. حقيقة الأمة العربية. دار الطليعة 1960. ص68.

(23) المرجع السابق ص73.

(24) انظر عبد الإله بلقزيز. العروبة والإسلام. مرجع السابق.

آخر تحديث: الثلاثاء, 24 أبريل 2012 17:10
 
العبور الى المستقبل في إعادة بناء الفكر القومي طباعة إرسال إلى صديق
كُتب للقراءة
الكاتب د. محمد صالح الهرماسي   
الأربعاء, 01 فبراير 2012 15:18

كتاب العبور الى المستقبل .. للدكتور محمد صالح الهرماسي

 

لتحميل الكتاب pdf :

العبور الى المستقبل

آخر تحديث: الأربعاء, 01 فبراير 2012 15:32
 
رســالــة مفتـوحــة إلى مثقفـي أوروبـا طباعة إرسال إلى صديق
كُتب للقراءة
الكاتب د. محمد صالح الهرماسي   
الأحد, 11 ديسمبر 2011 14:29

 

 

 

مـقــدمــة

 

الحوار سبيل التعايش

 

عندما ينظر المرء إلى الحجم الضخم من الظلم الأوروبي ـ الأمريكي الواقع على العرب والمسلمين منذ قرون، لا يستطيع في مطلق الأحوال ألاّ ينظر بعين السخط إلى موقف الغرب من جملة القضايا العربية والإسلامية. والمسألة الأساسية تبدو في أن العدوان الاستعماري الغربي لا يرتبط فقط بحقب زمنية أصبحت في ذمّة التاريخ، وإن كانت آثارها السلبية الخطيرة مازالت حاضرة وفاعلة حتى اليوم، ولكنّه مستمرّ في فلسطين والعراق كما في أفغانستان، كما أن دائرة العدوانية الغربية هذه هي أوسع بكثير من الاحتلال والغزو العسكري؛ لأنها تشمل أيضاً إثارة الفتن المذهبية والطائفية في الدول العربية والإسلامية، ومحاولة تفتيت وحداتها الوطنية وتقسيمها، كما يشمل الاستمرار في محاولة الهيمنة عليها ونهب خيراتها ومنعها من تحقيق التنمية المستقلّة والتقدّم بمختلف جوانبه الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وشن حملة تشويهية على دينها (الإسلام) وثقافتها عموماً.

عندما يكون التعامل الغربي الصهيوـ أمريكي والأوروبي الدائر في فلكه على هذا القدر من العدوانية والعنصرية، فإنّه يصعب حقاً على العربي والمسلم العادي ألاّ يكون مشحوناً ضدّ الغرب، وألاّ يصبح تربة صالحة لزراعة الأفكار المتطرفة ومن ثَمّ فريسة سهلة للتنظيمات الإرهابية الجاهزة لتجنيده في عمليات ضدّ الدول الغربية. بل ان ما يحدث للمواطن العادي يمكن أن يحدث لكثير من المتعلمين وحتى المثقفين الذين تحجب بشاعة الظلم الغربي، الذي تحوّل إلى ممارسات عنصرية وإرهابية يومية في أكثر من بلد عربي وإسلامي، تحجب عنهم رؤية حقيقة الغرب الموضوعية القائمة على التنّوع و تعدّد المستويات والتي تتناقض كلياً مع النظرة الدوغمائية الأحادية التي تعتبر الغرب كلّه شراً وبلاءً.

ونحن إذ نؤكد على هذه الحقيقة، ونزعم أن هذه النظرة تنطوي على خطأ معرفي فادح فضلاً عن كونها غير واقعية ولا تفيد إطلاقاً، بل تسهم بقوّة في عرقلة وإفشال يهدّد تصحيح العلاقة بين العرب والمسلمين وبين الغرب. فإننا نؤكد، بالمقابل، على أنّ الأصولية الغربية بمختلف تجلياتها السياسية والثقافية والدينية المعادية للعالمين العربي والإسلامي، والتي اتسعت حواملها بشكل لافت في العقد الأخير ولاسيما بعد أحداث11 سبتمبر، هي السبب الرئيس وراء ردود الفعل العربية والإسلامية المتطرّفة التي تجرّم الغرب وتستهدفه.

وعليه فإننا لا نتوانى عن تحميل مسؤولية التدهور الخطير الذي أصاب العلاقات مع الغرب للغرب نفسه ممثلاً، بالدرجة الأولى، بحكوماته المعادية وفي مقدمتها الحكومة الأمريكية، والتي تشن حرباً إمبريالية صهيونية شرسة عسكرية واقتصادية وثقافية لا لبس فيها على العرب والمسلمين.

وفي اعتقادي أن هذه الحكومات نجحت، للأسف، في تجنيد الإعلام والفكر إلى حدّ بعيد في خدمة أهدافها العدوانية ووظفته في تقديم المسوغات الإيديولوجية لسياساتها العنصرية. ومع علمنا المؤكد أن المجتمعات الغربية لا تخلو من مفكرين ومثقفين وإعلاميين أحرار رفضوا ويرفضون ممارسات حكوماتهم ويخالفونها الرأي جذرياً، إلاّ أنّ ّقلّة هؤلاء وتعرّضهم إلى الحصار والقمع والنبذ قياساً لتزايد عدد الفاعلين في جوقة المؤلبين على العرب والمسلمين وقوّة سلطتهم، يثير أسئلة خطيرة مشروعة حول مصداقية شعارات الحرية والعدالة والديمقراطية. فضلاً عن الإنسانية التي ينسبها الغرب إلى نفسه ويفتخر بها، ويزعم أنّه يضعها فوق كل اعتبار، ويسوّغ إلى حد كبير الفكرة القائلة بأن المضامين الإنسانية والعقلانية والديمقراطية في الحداثة الغربية هي، في الحقيقة، للتطبيق الداخلي فقط (حتى في الداخل هناك تراجع عن القيم النيرّة)، وليس للتعامل مع الآخر العربي والمسلم الذي يتمّ النظر له نظرة استعلائية عنصرية تبرّر معاملته معاملة المتوحشين والبرابرة! وهكذا فإن الحداثة الغربية المطبّقة عليهم هي الحداثة الاستعمارية في أكثر وجوهها عنصرية وإرهابية، وفي أكثر ممارساتها استغلالاً واستبعاداً، وحتى إبادة للآخر.

وعندما أقول أن الغرب ممثلاً بحكوماته، وعلى رأسها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، يتحمل المسؤولية الأساسية عما أصاب ويصيب العلاقة مع العرب والمسلمين من خلل عميق، فإنّ ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال تبرئة جانب بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة وإعفائها من مسؤولية ما حدث ويحدث. لكني أتحدث هنا عن جذور المشكلة وليس عن نتائجها التي أدت وتؤدي إلى تفاقمها واستفحالها.

جذور المشكلة يلخصها بشكل معبّر مقال لرئيس الوزراء الإسباني السابق أزنار نشره مؤخراً تحت عنوان: "ادعموا إسرائيل لأنها إذا انهارت انهار الغرب"، واعتبر فيه أنّ إسرائيل هي خط الدفاع الأول عن الغرب في منطقة مضطربة وحيوية لأمن الطاقة... كما رأى فيه أن إسرائيل محقّة فيما ارتكبته ضدّ أسطول الحريّة المتضامن مع غزّة، وأنها كانت في حالة دفاع عن النفس.

والحقيقة أن هذا النمط من التفكير العدواني والعنصري هو الذي يوجّه السياسة الغربية في التعامل مع قضايا المنطقة ولاسيما قضيّة الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وعلى هذا فإن الموقف من إسرائيل يشكّل إلى حد بعيد جوهر الخلاف بين العرب والمسلمين وبين الغرب. فالغرب يرى في العرب عدوّاً يهدّد مصالحه، ويعتبر إسرائيل حصنه المتقدم للدفاع عن هذه المصالح. بينما يرى العرب أن إسرائيل عدو قومي أوجده الغرب، ومازال يدعمه ويمدّه بأسباب البقاء والقوّة.

لكن الفرق الواضح والكبير بين الرؤيتين هو في الحقيقة الفرق بين ما ينتمي إلى الواقع الفعلي وبين ما ينتمي إلى حقل الإيديولوجيا والدعاية.

ما يؤكده الواقع بما لا يقبل الشك هو أن العالم العربي والإسلامي، ممثلاً بحكوماته الرسمية وبجزء غير قليل من نخبه الفكرية، يرتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب وينظر له نظرة تقدير واحترام بل ويسعى لاتخاذه مثلاً وقدوة. أكثر من ذلك نجد أن معظم الحكومات العربية والإسلامية تعيش وضعاً راسخاً من الخضوع والتبعية للغرب. ولم يحدث، على حد علمنا، في التاريخ الحديث أن تعرّض الغرب لأي اعتداء من قبل العرب والمسلمين بل نجد على العكس أنّ بلاد العرب والمسلمين هي التي تعرضت وتتعرض للعدوان والغزو الاستعماري، وخضعت وتخضع للتدمير. وأما العمليات الإرهابية التي تعرضت لها بعض الدول الغربية من قبل بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة. فمن المعروف أنها قد أدينت رسمياً وعربياً وإسلامياً، وأن عدداً غير قليل من الدول العربية والإسلامية تخوض صراعات عنيفة ضدّ هذه الجماعات. وهذا على الرغم من أن تلك العمليات هي، في التحليل الموضوعي، إحدى نتائج الإرهاب الصهيوني الأمريكي الذي يمارس بطرق منهجية ضدّ العرب والمسلمين.

ليس صحيحاً إذاً أنّ العرب والمسلمين يشكلون خطراً على الغرب، بل الصحيح هو أن هذه الأطروحة المتهافتة هي إحدى المبررات الإيديولوجية الأساسية لاستمرار الغرب في سياساته العدوانية ضد العالمين العربي والإسلامي. بالمقابل تحتل إسرائيل، صنيعة الغرب الاستعماري وقاعدة الإمبريالية الأمريكية الأساسية في المنطقة، أرضاً عربية، وترفض كل القرارات الدولية التي يفترض أنها تلزمها بإعادتها إلى أصحابها، وتستمر في ارتكاب جرائم الحرب والإبادة بحق الفلسطينيين، بل تصل إلى حد الإقدام، وبكل برودة أعصاب، على ارتكاب جريمة إرهابية ضدّ متضامنين مع غزّة، دون أن تكلفها تلك الجريمة النكراء التي ذهب ضحيتها شهداء أتراك أكثر من تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية يكون فيها الكيان الصهيوني الفاشي الخصم والحكم معاً! وهي في كل ذلك تستند إلى دعم الغرب اللامحدود الذي يريدنا حكامه أن نصدّق أنها وجدت للدفاع عنه ضدّ الخطر العربي والإسلامي!...

أين مصدر الخطر الحقيقي؟ ومن يُهدّد من؟

هذا هو نوع الأسئلة التي يتقصّد الغرب الإجابة عليها إجابة خاطئة في أكبر عملية تزوير للحقيقة توظف في سبيل إنجاحها ترسانة إعلامية ودعائية هائلة، ولكنها مع ذلك تبقى عملية محكومة بالفشل؛ لأن الحقيقة الساطعة سطوع الشمس هي أنّ إسرائيل وأمريكا هما اللتان تحتلان بلداناً عربية وإسلامية، وتشكلان بممارساتهما الاحتلالية خطراً مستمراً على المنطقة والعالم.

وإذا كان من النافل القول أن الغرب يتحمّل وزر ما حّل باليهود على أيدي النازيين، يتحمل بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، ما يحدث اليوم للفلسطينيين على أيدي الصهاينة، فإن هذا هو للأسف ما ترفض العين الغربية أن تراه...

لقد ظن الغرب أنه قد كفّر عن ذنوبه بحلّ المشكلة اليهودية على طريقته الاستعمارية اللاإنسانية واللاأخلاقية فمنحهم أرضاً ليست لهم وألحق ظلماً فادحاً بسكانها الأصليين الذين مازالوا يعيشون منذ أكثر من ستة عقود تحت أسوأ الاحتلالات عنصرية وفاشية في التاريخ.

فما هذه الأخلاق التي تبيح التكفير عن ذنب بذنب أكبر منه إلاّ إذا كانت أخلاق العنصرية والتمييز، مما يحيلنا بالضرورة إلى المشكلة الأصلية الأكبر التي ليست مشكلة مسؤولية الغرب عن خلق القضيّة الفلسطينية سوى تطبيقها العملي. أقصد الروح العنصرية للحداثة الغربية والتي تتمثل أبرز مفاهيمها في:

• الحضارة صناعة غربية بحتة لم تساهم الشعوب الأخرى ولاسيما العرب والمسلمون فيها.

• تحضير الشعوب "البربرية" و "المتخلفة" مهمّة رسولية تحمّل الغرب عبء القيام بها.

• فرض النموذج الحداثي الغربي (حالياً في طبعته العولمية المأمركة)، ومصادرة حق الشعوب في الاختلاف والتمايز الثقافي كما في التطوّر العلمي والمعرفي.

وهي المفاهيم التي جسّدها الاستعمار، بشكليه القديم والحديث، وما زالت حتى اليوم مجسّدة في الاحتلال الصهيوني المدعوم من الغرب، وفي الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، وفي الحملة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام، في تناقض صارخ مع كل القوانين والشرائع والمواثيق التي سنّها الغرب نفسه لكنه لا يجد أدنى حرج في انتهاكها إذا كان فيها ما يكفل حقوق العرب والمسلمين ويحميها. مما يؤكد ما ذهبنا له من عدوانية الحداثة الغربية في تعاملها مع الآخر ولاسيما إذا كان عربياً ومسلماً.

واللافت في هذه الحداثة هو أنها متهمة ليس فقط لهذا السبب الوجيه، بل لأنها مأزومة وعرضة للمساءلة والاتهام حتى في عقر دارها ولأسباب بنيوية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتزايد نقد تأثيرات عصر الأنوار الأوروبي أخذ مفهوم الحداثة يعيش أزمة خاصة في ضوء ابتكار مصطلح "ما بعد الحداثة". ومع ذلك، وبالرغم من أزمة النموذج الحداثي الغربي، فإننا نرى السلطات الغربية ومثقفيها يطلبون بقوّة من مستعمراتهم القديمة، وبصورة خاصة العالم العربي والإسلامي، أن تتبنّى "حداثة" هي بالأصل تعيش حالة أزمة في بلدانهم.

وقد لا يبدو هذا التناقض واضحاً لمثقفي الغرب، لكنّه شديد الوضوح في الذهن الثقافي العربي والإسلامي الذي تتعرض بلدانه للعدوان الغربي بمختلف صوره العسكرية والاقتصادية والثقافية.

إنّ الحداثة ليست جوهراً مفارقاً يعلو على المساءلة والنقد، فكيف إذا كانت كالحداثة الغربية ذات جانب عدواني لا لبس فيه!... ومن هنا أهمية طرح الأسئلة من مثل:

أي قيم حديثة تشكل تقدّماً للحضارة الإنسانية؟ وأي قيم أخفقت أو تبدو بحاجة إلى تحليل نقدي، أو إعادة بناء وتشكيل.

أليس من حق مفكري البلدان التي تعاني، إلى جانب الاحتلال وهيمنة حضارة المال، الآلام الناتجة عن تناقضات الفكر الغربي الحديث، أليس من حقهم المساهمة في هذا النقاش والإدلاء بآرائهم الخاصة؟

إن الحوار الثقافي العميق والمسؤول كفيل، في رأينا، إذا توافرت له النيات الصادقة ولاسيما من الجانب الغربي، بتذليل العقبات التي تحول دون تصويب العلاقة ومعالجة أمراضها المستعصية. ذلك أن العقل الثقافي هو الأقدر والأجرأ على طرح الأسئلة العميقة والمحرجة التي تثير حفيظة العقل السياسي وتفضح أخطاءه وانحرافاته.

إن مسألة معاداة السامية في أوربا (مثلاً) والتي نتج عنها اضطهاد وإبادة اليهود، ثم زرعهم في فلسطين كياناً إرهابياً في خدمة المصالح الإمبريالية ولاسيما الأمريكية، وارتكاب أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني (جرائم في تزايد واستمرار تحت سمع وبصر العالم كله). إن هذه المسألة بحاجة إلى حالة أخلاقية عالية. مثل تلك التي امتلكها الروائي الفرنسي إميل زولا ( Emile Zola) في أواخر القرن التاسع عشر عندما تصدّى للدفاع عن الضابط يهودي الأصل "دريفوس" وذلك قبل وقت طويل من تعرّض اليهود للإبادة النازية.. فكيف لا يرتفع صوت المثقف الغربي ضدّ إبادة العرب على يد الصهيونية في عالم اليوم؟.

رغم وضوح مسؤولية الغرب عن تأزيم العلاقات مع العرب والمسلمين، واستمراره في التنكّر لحقوقهم، وجرّهم إلى صراع حضاري عنيف، فإن من الصعب المراهنة على النخب السياسية الغربية الحاكمة في تصحيح هذا التوجّه الخطير. إلاّ أن الرهان في هذا المجال يمكن أن يكون على النخب الفكرية والثقافية التي يقع على عاتقها تصويب هذا الخلل الفادح أو المساهمة في تصويبه على الأقل.

ومع أن واقع الحال يشير إلى أن العدد الكبير من هذه النخب يحذو حذو الساسة في تكريس النظرة العنصرية للعرب والمسلمين، فإن الموضوعية تقتضي القول أن معظم هؤلاء هم من الذين نبتوا كالفطر بعد أحداث 11 سبتمبر لا يعبّرون عن ضمير الثقافة الغربية ذلك الضمير الحي الذي عرفه العالم ممثلاً بأصوات كبار الأدباء والمفكرين والمثقفين الذين ارتفعت أصواتهم ضد الاستعمار والعنصرية من أمثال: ميشال كولون، دافيد إيفرينخ، جوليوس مادير* بقدر ما هم نتاج ما يفرّخه مصنع الكراهية الصهيوأمريكي ـ أوروبي من كتبة أشباه مرتزقة مبرمجين ومحشوّة أدمغتهم بالأفكار النمطية المعادية المعروفة.

ولأنّ الثقافة الغربية، ككل ثقافة حقيقية، أكثر أصالة من أن تتنكّر لذاتها، وأعظم من أن تحوّلها السياسة إلى بوق للدعاية الرخيصة، فإنّ ما يطغى عليها الآن من انحراف المتطفلين والأدعياء والمرتزقة لا يستطيع محو صورتها الأخرى المضيئة ممثلة بذلك الاتجاه الأصيل الذي يسعى من موقع الوفاء للثقافة الغربية نفسها ولقيمها الإنسانية النبيلة لكسر تقاليد الخضوع لسطوة المحرمات الصهيونية، وقول الحقيقة بصوت عالٍ.

ولا بدّ هنا من استذكار روجيه غارودي (Roger Garaudy) وغيره من المفكرين الأحرار الذين نبذوا وعانوا ما عانوا بسبب قول الحقيقة المخالفة للمعتقد الرسمي الصهيو ـ أوروبي فيما يتعلق بإسرائيل، لأن ما يحدث اليوم هو بداية تحوّل حقيقي في الموقف الثقافي الغربي من إسرائيل.

اليوم يحذو الكثيرون حذو غارودي دون خوف. يفعلون ذلك بحرية أكبر، ما يؤكد أن إسرائيل العنصرية قد بدأت تفقد قداستها الثقافية القائمة على حادثة المحرقة النازية التي استغلتها في التخويف والابتزاز حتى صارت، وياللمفارقة، المحرّم الوحيد (في مجتمعات أزالت المحرمات منذ زمن بعيد) الذي يمنع على المفكر والمثقف الاقتراب منه تحت طائلة المساءلة القانونية!.

وفي هذا الإطار تبرز الأهميّة الكبيرة لكتاب الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه (Regis Debray) "إلى صديق إسرائيلي" الذي ظهر في شهر ماي 2010، وآثار سخط ونقمة الحرس الثقافي الصهيوني في فرنسا. وقبل ظهور هذا الكتاب كانت ملامح التحول في هذه المسألة قد أخذت بالبروز ولاسيما من خلال رسالة المؤرخ اليهودي الأصل اندريه نوشي (Andre Nouschi) إلى السفير الإسرائيلي في فرنسا، والتي قال فيها: "أنّه لم يعد من الممكن الصمت على سياسة الاغتيالات والتوسع الإمبريالي لإسرائيل"، وكذلك من خلال عريضة المثقفين التي تبعتها ووصفت الاستيطان الإسرائيلي بالخطأ الأخلاقي والسياسي، وهي الوثيقة التي وقعها ثلاثة آلاف من اليهود البارزين بينهم أساتذة جامعيون من أمثال برنارد هنري ليفي وألين فيكيلكروان اللذين يعتبران من بين أشد المدافعين عن إسرائيل بين المثقفين الفرنسيين.

وهذه كلها مؤشرات إيجابية تبعث على الأمل في يقظة الثقافة الغربية من سباتها الإمبريالي الصهيوني الطويل، وتحررها من عقدة الهولوكست المقدّس الوحيد في الغرب الذي بات يمنع الاقتراب منه!. والقيام بمراجعة جذرية لمواقفها العدائية من العرب والمسلمين وقضاياهم، والانتصار للحق والعدالة بدل الانحياز الأعمى لكيان العنصرية والإرهاب (إسرائيل).

أتحدث عن أمل، ولا أجزم أن تحققه مؤكد، لأن حدوث مثل هذا التغيير النوعي والكبير في الثقافة الغربية يحتاج إلى وقت طويل كما إلى جهد تراكمي من مثقفي الغرب الأحرار وإلى جهد مماثل من المثقفين العرب والمسلمين أيضاً؛ ذلك أن دور المثقف العربي والإسلامي في توعية نظيره الغربي بحقيقة ما يجري في المنطقة، وبخطأ المسلمات التي رسختها الدعاية الإمبريالية الصهيونية في العقل الغربي ما زال محدوداً وقليل الفاعلية. ثم إن هذا المثقف لم ينجح بعد في مخاطبة الغرب بلغته وبخطاب عقلاني وموضوعي بعيد عن التعصّب وردّ الفعل. ومن هُنا ضرورة التأكيد على أن يتحمل المثقفون العرب مسؤوليتهم كاملة في هذا المجال، قبل مطالبة ثقافة الآخر بذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Michel Colon.Jolios Madir. David Evringh. *

 

 

 

أوروبا ومأساة فلسطين

 

 

اليهود في المجتمع العربي الإسلامي

عند ظهور الإسلام في الجزيرة العربية كان اليهود يشكلون تجمعات بشرية تعيش في بعض المدن والقرى أهمها يثرب وخيبر وتيماء ووادي القرى. وكانت يثرب أكبر تلك التجمعات وفيها من قبائل اليهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة.

وقد سماهم الإسلام، الذي جاء مؤيداً للكتب السماوية الأخرى ومنها كتاب التوراة ومعترفاً بنبوّة الأنبياء السابقين، (أهل الكتاب) و (أهل الذمّة) وعاملهم بالحسنى. والذمّي هو من يضعه الرسول والمسلمون في ذمّتهم ليحموه من كل عدوان، وهو مواطن في الدولة له كامل حقوق المواطنة، بما في ذلك حق العودة إلى رؤسائه الروحيين فيما يتعلق بالأحوال الشخصية والميراث. بل إن تركته تعود إلى طائفته دون أن تأخذ منها الدولة شيئاً، وبالمقابل فإنّ على الذمّي واجب المواطنة نفسها باستثناء أنه معفى من الجهاد. ويؤدي الجزية لبيت مال المسلمين مقابل توفير الحماية له، فإذا عجزت الدولة عن ذلك ردّت الجزية إلى دافعيها(1). ويرى أحمد أمين أن «الجزية إنّما شرعت بدل تجنيد أهل الكتاب لأنّهم لا يأمنون جانبهم إذا جنّدوا ولا يتقون بغيرتهم الحربية فَليدفعوا بدل القتال شيئا من المال لحمايتهم»(2). إلاّ أنني لا أميل إلى هذا الرأي خاصّة وأن أحمد أمين قد ذكر أن الإمام الشافعي يرى أنه يصح أن يشترك أهل الذمّة من يهود ونصارى في الحروب مع المسلمين، أيّ أن يجنّدوا في الجيش الإسلامي إذا رأى الإمام ذلك. واستدلّ بأن رسول الله استعان في غزوة خَيبَر بعدد من يهود قينقاع وكانوا أشدّاء(3). والرأي عندي أن إعفاء أهل الذمّة من الجهاد يدخل في حريّة العقيدة التي كفلها الإسلام لهم؛ لأنّ اليهودي أو النصراني غير ملزم من الناحية الشرعية بالقتال إلى جانب المسلم(4).

وحتى عندما ناصب اليهودُ المسلمين العداء في العهد المدني، وهبّوا لإفشال الدعوة الإسلامية فإن موقف المسلمين لم يتعدّ الدفاع عن النفس وحماية الدعوة من خطرهم. فلم يمنع اليهود من تأدية شعائرهم في المدينة ونصح الرسول عليه السلام معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن بألاّ يكره يهوديّاً على الإسلام(5).

ولو أنّ اليهود لم يخالفوا وينقضوا كتاب الرسول بين المهاجرين والأنصار واليهود بعد أن عاهدوه عليه، وهو الكتاب الذي حدّد بالتفصيل ما لهم على المسلمين من الحقوق وما عليهم من الواجبات، لما اضطر المسلمون إلى قتالهم. وينطوي هذا الكتاب، الذي يطلق عليه اسم الصحيفة والمعاهدة أيضاً، على قيمة كبرى كونه يجسّد أسبقية الإسلام وريادته في احترام حقوق الإنسان ولاسيما حقوق الأقليات الدينية قبل ظهورها في الغرب بكثير.

ويعدّ هذا الكتاب بحق دستور المدينة الذي أكدّ على وحدة المواطنة بين كافة السكان فيها، ووصف العلاقة بين المسلمين واليهود بأنّها علاقة ولاء وتحالف، وأعطى اليهود حق الاستثمار كما أعطاهم أيضا حق عقد سلام منفرد مع أي جهة مادام ذلك لا يتعارض مع دستور الدولة(6).

لكن اليهود جعلوا يسعون إلى النقض التدريجي لما عاهدوا الرسول عليه بعد أن أقلقهم انتصار المسلمين في معركة بدر. «وكانت أخطر محاولاتهم لضرب الدعوة وصاحبها نجاحهم في خلق التحالف بين قريش وغيرها من قبائل العرب الذي بلغ خطورته في غزوة الأحزاب وحصار المدينة المشهور في التاريخ الإسلامي»(7). فكان على المسلمين أن يحاربوهم حماية للدعوة الإسلامية من تآمرهم وليس رغبة في التخلص منهم أو القضاء عليهم والدليل على ذلك أن الرسول الكريم عندما انتصر على يهود خيبر، وكانوا القوّة اليهودية الضاربة وقتها، طلبوا منه أن يجليهم عن المنطقة وأن يحقن دماءهم فأجابهم إلى طلبهم. فلما نزلوا إليه عرضوا عليه أن يبقيهم في أرضهم فقبل ذلك منهم(8).

عاش اليهود بعد ذلك في ظلّ الدولة الإسلامية وما تميّزت به من تسامح مع أتباع الديانات الأخرى ولاسيما أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وتجمع الدراسات المعنية على أنّ يهود المشرق الإسلامي عاشوا على مدى ما يقرب من ألف ومئتي عام تحت حكم الإسلام، واتسمت علاقتهم بالمجتمع المحيط بهم بقدر كبير من الاستقرار. وكان «وضع يهود الشرق أفضل بكثير من وضع يهود أوروبا الذين اضطهدوا لأسباب سياسية واقتصادية ودينية، فكثيراً ما كانوا يطردون من البلدان التي أقاموا فيها في حين لم يتعرض يهود بلدان المشرق لنفس المصير»(9). بل يمكن القول أن امتزاج اليهود بغيرهم من مواطني الدول الإسلامية كان امتزاجاً واسعاً شمل الكثير من مجالات العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وحتى العلاقات الأسرية بما فيها الأسرة الواحدة بما أباح الله للمسلمين أن يتزوجوا الكتابية، يهودية كانت أو نصرانية، وإن بقيت على دينها. وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب شمل مفهوم المواطنة للدولة الجديدة جميع المواطنين الذين يقيمون على الأرض أيّا يكن دينهم أو انتماؤهم العرقي، فللجميع حقوق يتمتعون بها وعلى الجميع التزامات يجب أن يؤدوها. «وقد مرّ عمر بن الخطاب بباب قوم، وإذا بشيخ كبير ضرير البصر يستجدي العطاء، فسأله عمر من أيّ أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي. قال: فما ألجأك إلى ما رأى؟. قال: اسأل الجزية والحاجة والسن؟. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ (أعطى) له بشيء من المال، ثم أرسل إلى خازن بيت المال طالباً أن ينظر في حالة الرجل وضربائه. قائلاً: والله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم. إنما الصدقات للفقراء والمساكين، والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه وعن أمثاله الجزية، وأمر بتسجيلهم من العجزة الذمّيين كي يكون لهم رواتب دائمة من بيت المال تسدّ حاجتهم»(10).

ولا يترك هذا الموقف العمري، الذي لا يفرّق بين مسلم ويهودي، أي مجال للشك في ما تمتع به اليهود من حريّة دينية ورعاية اجتماعية في الدولة الإسلامية الناشئة. وهو موقف لا يتناقض مع ما نصّت عليه العهدة العمرية. وهي الوثيقة التي وقعها الخليفة عمر مع البطرك أثناء صلح بيت المقدس من أن لا يسكن بإيلياء (القدس) معهم (أي مع النصارى) أحد من اليهود. لأنّ هذا الشرط الأخير هو ما كان قد اشترطه بطريرك القدس على الخليفة عمر(11) الذي وافق عليه من شدّة حرصه على حق النصارى في ممارسة عباداتهم وطقوسهم وليس كرهاً باليهود أو تمييزاً.

ومنذ بداية عهد معاوية بن أبي سفيان استخدم اليهود في الأعمال وبلغوا في بعض العهود الإسلامية أعلى المراتب. وكل هذا يؤكد أنّهم لم ينبذوا أبداً من المجتمع الإسلامي بل كانوا جزءاً من نسيجه. وقد خالطهم المسلمون واتخذوا منهم أصدقاء.

«قال الجاحظ: أنشدنا أبو صالح مسعود بن قِندِيل الغَزَاري في ناس خالطهم من اليهود:

وَجَدْنا في اليهود رجالَ صِدْقٍ على مَا كانَ من دِينٍ مُرِيبِ

لَعَمْـرُك أنني وابْنَيْ غريض لِمثلُ الماءِ خالطه الحليـبُ

خَلِيـلانِ اكتسـَبْتُهُما، وإنّي لِخَلّة ماجدٍ أبداً كسُـوبُ»(12)

وكان الفتح الإسلامي قد وضع حدّاً لمعاناة اليهود في بعض البلاد الإسلامية «كيهود العراق الذين رحبوا بقدوم المسلمين عام 655 م لتخلصهم من معاناتهم تحت الحكم الزرادشتي التي وصلت إلى حدّ إعدام رأس الجالوت وكبار رجالات الطائفة ومحو الحي اليهودي في مدينة اصفهان»(13)، وعلى ما لحق بأهل العراق مسلمين ونصارى ويهوداً من مجازر على يد تيمورلنك الذي احتل عاصمتهم بغداد ودمرّها، فإن السلطان العثماني سليمان القانوني الذي سيطر على بغداد سنة 1534 لم يلحق الأذى باليهود لما عرف عنه من الحكمة والتساهل. وفي هذا يقول لانجريك Longrigg : «أن النصارى واليهود عاشوا في ظل نظام كان التساهل فيه يزيد على ما كان في الولايات الأخرى فإنّ بغداد كانت عالمية إلى حدّ أنّها لا تشجع شيوع التعصّب، وعلى ذلك فإنّ هذه الطوائف ذوات أقليات من السكان كانت تسلك سلوكاً حسناً، كما كان الناس قد ألفوهم نظراً لطول إقامتهم ولعدم وجود ما يمنع اختلاطهم بباقي السكان»(14).

وطوال أغلب فترات العهد العثماني في سورية «نعم يهود سورية ولبنان بعيش رغيد وآمن، واستفادوا كثيرا من انفتاح المنطقة على التجارة بين الشرق والغرب.

وكان دستور عام 1930 قد أعطى ضمانات لحسن معاملة الأقليات. ففي مادته رقم 15 ضمن حرية العقيدة والعبادة والاحترام للمصالح الدينية والوضع الشخصي لكل الطوائف وحقوقهم التعليمية وغيرها. وضمت جميع الدساتير السورية بعد الاستقلال حقوقاً مشابهة لجميع المواطنين، ومن بينهم اليهود، وهذا ما أوضحه النائب اليهودي وحيد مزراحي في جلسة المجلس النيابي السوري 1/12/1947، بتأكيده على أن اليهود يتمتعون بحقوق متساوية مع سائر المواطنين السوريين»(15).

وتوضح وولفسون في ردّها على الادعاءات المغرضة التي تقول أنّ اليهود كانوا يتعرضون للتعديات لدى تنقلهم خارج المدن، «إنّ هذا الكلام مغلوط، وإن التعديات من هذا النوع كان يتعرّض لها معظم سكان المدن، من قطاع الطرق وعشائر البدو. سواء كانوا من اليهود أو المسلمين أو النصارى»(16).

وعندما سقطت الأندلس التي كان فيها مركز اليهود مرموقاً وبرز فيها أشهر فلاسفة اليهود (بن ميمون)، كانت ديار الإسلام، في المشرق والمغرب، هي التي استقبلت اليهود الهاربين من المذابح الإسبانية التي لحقت الأندلسيين. فقد تعاطف العثمانيون مع اليهود الناجين من هذه المذابح وفتحوا البلاد. وبالفعل وصلت أفواج من اليهود المهاجرين وأقاموا بين المسلمين وتمتعوا بالمواطنة العثمانية شأنهم شأن أي عثماني في البلاد(17).

إن أجواء التسامح والأمن والاستقرار التي عاش فيها اليهود، كما بيّنا لا تتناقض وحقيقة أنّ أوضاعهم كانت تسوء في بعض الفترات، وأنهم كانوا يتعرّضون للاضطهاد أحياناً. لكن هذه الحقيقة تبقى أقرب إلى الاستثناء كونها تفتقر إلى الديمومة من جهة، ولا أي خطّة منهجية معادية لليهود من جهة أخرى.

لقد كان اليهود جزءاً من المجتمع العربي الذي عاشوا فيه ولذلك فقد كان من الطبيعي أن يصيبهم ما يصيب هذا المجتمع من خير ومن شر. فكانوا يستفيدون من عهود الانفتاح السياسي والازدهار الاقتصادي. كما كانوا يتضررون من الأزمات السياسية والاقتصادية. وكانت معاناتهم متعددة الأسباب منها ما يتصل بعلاقتهم بالمسلمين. ومنها ما يتصل بغيرهم من الأقليات والطوائف، ولاسيما الطائفة المسيحية. ومنها ما يتصل بالعوامل الخارجية ولاسيما الاستعمار. ومنها ما يتصل بعلاقتهم بين بعضهم البعض. كما كان «استقرار اليهود في تلك المجتمعات يرتبط إلى حدّ كبير بمدى استقرار السلطة وبمدى تأثير رجال الدين وبمدى قرب اليهود من السلطة»(18).

وإذا كان للمسلمين يد في اضطهاد اليهود أحيانا فإنّ ذلك ناشئ عن غيرة إسلامية عمياء من بعض من أصيبوا بضيق النظر وفهم الدين فهماً خاطئاً، ولكن من الظلم أن نحمّل الدين الإسلامي هذه الأخطاء.

وربمّا لعبت شخصية الحاكم وميوله الفكرية دوراً في موقفه من اليهود. فقد عرف عن الخليفة العباسي المأمون، ذي الاهتمامات الفكرية والعلمية، أنّه قرب منه علماء اليهود ومفكريهم، واستفاد اليهود من جوّ التسامح والرعاية في عهده. فلمع منهم العديد من الشخصيات الفكرية والعلمية والمهنية، لكن خليفته المتوكل لم ينهج سياسة سلفه المنفتحة على اليهود، وعرف عهده بعض التضييق عليهم. ثم عادت أوضاعهم في أيام الخليفة المعتضد إلى "التحسّن" وازدهرت معاهدهم من جديد خصوصاً أكاديمية سورا التلمودية، ولمع الأحبار والعلماء اليهود في عهده أيضاً(19).

ما يمكن التأكيد عليه في هذا المجال هو أن أجواء التسامح التي كرّسها الإسلام لليهود قد طبعت معظم عهوده. وإذا كان من أحداث شذت عن هذه القاعدة فإنّ أسبابها لم تكن دينيّة إلاّ في القليل النادر. فالدولة العثمانية، على سبيل المثال، كانت في أول أمرها من أكثر الدول تسامحاً مع رعاياها من اليهود والنصارى ومنحتهم من الامتيازات ما لم يُعهد له نظير في الدول الأخرى. ولكن انقلبت هذه الامتيازات معاول لهدم الدولة العثمانية، واتخذت الدول الأجنبية هذه الامتيازات لرعاياها وسيلة لنشر الدسائس وتدبير المؤامرات، وخلق الفتن. فاضطرت الدولة إلى الدفاع عن كيانها، ومواجهة المتعاملين مع أعداء الخارج، وكل هذه سياسة لا دين(20).

وقد انعكس تعامل اليهود مع المحتلّين والغزاة أحياناً وبالاً على المسلمين مما دفعهم إلى ردّ الفعل العنيف ضدّ اليهود. كما حدث عندما نال الطبيب اليهودي "سعد الدولة"، الملقب بابن كمونة، مكانة طيّبة لدى المحتلين المغول، وأصبح مستشارا للسلطان آرغون (1284-1291)، «فأساء إلى المسلمين وأضر بنفقات مساجدهم وأوقافهم فتألموا منه وثاروا عليه. فانتقم منهم بقسوة زادت من كراهية الناس لليهود.

وكانت عاقبة سعد الدولة القتل وثارت العامة على اليهود ونهبوا أحياءهم وقتلوا عدداً منهم»(21).

وفي الجزائر أثار اليهود سخط الشعب بتأييدهم القوي للاحتلال الفرنسي، واضطربت البلاد عندما حصلوا عام 1870، وكان عددهم 40 ألف يهودي على الجنسية الفرنسية(22). كما تبنّى يهود الجزائر موقفاً سلبياً من الثورة الجزائرية، وكانوا من أكثر الجهات التي طالبت بإبقاء الجزائر تحت السيطرة الفرنسية بل تبنّوا، بعد هجرتهم إلى فرنسا، موقفاً معارضاً للنظام الفرنسي الذي منح الاستقلال للجزائر.

إلاّ أن أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية بعد الثورة كانت شبيهة لأوضاعهم في سائر البلاد العربيّة من حيث ممارسة طقوسهم الدينية والإشراف على شؤونهم الخاصة، وامتلاك نفوذ اقتصادي هام في مختلف أوجه النشاط الاقتصادي في الجزائر لاسيما في التجارة.

وبدورهم أثار يهود تونس السخط الشعبي على تجاوبهم مع السلطة الاستعمارية، وقبول الأخيرة طلب اليهود المتعلق بإلحاقهم بالمحاكم الفرنسية، وتأييد مشروع "دي كرنيار" القاضي بإلغاء المحاكم العدلية التونسية(23).

على الرغم من أنّهم كانوا قد تمتعوا تاريخياً بحريتهم وعاشوا في جو من التسامح دلّت عليه قوانين عديدة منها قانون "عهد الأمان" الصادر عام 1857، ودستور 1861 اللذين رفعا عن اليهود مجمل المحظورات العنصرية التي كانت مضروبة عليهم من قبل(24).

وقد منح القانون التونسي اليهود التونسيين كغيرهم من بقيّة المواطنين حق المشاركة في الانتخابات التشريعية والبلدية. وتولى عدد كبير منهم المناصب الإدارية العليا، لاسيما في المجالات الصناعية والتجارية والأعمال الحرّة.

ولعلّ العوامل الاقتصادية كانت من أهم العوامل التي أثرت على علاقة اليهود بغيرهم من العرب. فقد عرف اليهود بأهمية الدور الاقتصادي والمالي الذي لعبوه في المجتمع العربي، إلاّ أن هذا الدور ألّب ضدّهم في أحيان كثيرة الشعب والفئات الفقيرة منه بشكل خاص ـ ففي المغرب، على سبيل المثال، تدهورت علاقات المسلمين باليهود خلال القرنين التاسع عشر والعشرين لأنّ الفقراء اضطرّوا لأخذ القروض من اليهود... وكانوا يشعرون بأن اليهود، بالاشتراك مع الحاكم والسلطان، يتحملون مسؤولية تدهور أوضاعهم الاقتصادية(25)، حيث كان اليهود المغاربة أكثر مشاركة في الحياة الاقتصادية وفي العمل من سائر إخوانهم في أقطار المغرب العربي، إذ كانت نسبة مشاركتهم تبلغ 30%، بينما كانت نسبة مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والعمل في الجزائر 27% وفي تونس 28.5%.

أمّا على صعيد مشاركتهم السياسية ودرجة استقرارهم فإن يهود المغرب يعتبرون في نظر الدولة مغاربة، إذ قام الملك محمد الخامس بحمايتهم من الاضطهاد النازي، وقد توجه إلى شعبه في 23/5/1948 بنداء إلى اليهود والعرب جميعاً في مملكته، حذر فيه الأولين من القيام بأي عمل صهيوني ودعا الآخرين إلى احترام الأمن العام ورعاية النظام(26).

وقد بلغ من خطورة الدور الاقتصادي لليهود أنه كان من بين الأسباب الممهدّة لاستعمار الجزائر، حيث قام اليهود، بعد أن نالوا في عهد مصطفى باشا مركزاً تجارياً غربياً، بالتضييق على البلاد، وقامت ضدّهم الفتنة الشهيرة فخففوا قليلاً من وطأة احتكارهم، «ثم ما لبثوا أن استعادوا نفوذهم المالي، وعاد بكري وبوشناق اليهوديان إلى احتكار كامل قمح البلاد وإرساله إلى فرنسا حتى ضجّ الناس ونشأت أزمة القمح وقتل أحد الجنود بوشناق..»(27).

ولم يكن الدور الاقتصادي القوي الذي لعبه اليهود يحدّد موقف المجتمع منهم فقط، بل كان يؤثر أيضاً في أوضاعهم تأثيراً كبيراً وخاصة عندما يتراجع هذا الدور ويضعف لأسباب مختلفة. كما حدث ليهود سورية الذين كانوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في مركز اقتصادي مرموق جعلهم يسيطرون على معظم التجارة السورية الخارجية. لكن وبعد عقود من الزمن تراجع نفوذهم الاقتصادي بسبب زوال أهمية تجارة القوافل، ومنافسة أهل البلاد للاحتكارات اليهودية في بعض المجالات الاقتصادية؛ ممّا دفع بعض اليهود، بعد أن سادت البلاد حالة من عدم الاستقرار، نحو الهجرة إلى مصر والأمريكيتين(28).

وقد تضرر اليهود من بعض الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومات بعض الدول العربية كما حدث ليهود مصر بعد صدور قانون الشركات رقم /139/ عام 1947، والذي كان موجهاً ضدّ الأجانب إجمالاً، كما تضرروا في أعقاب ثورة 23 جويلية 1952 من خطوات التأميم والإجراءات الاشتراكية. إلاّ أن هذه الإجراءات لم تكن تستهدفهم كيهود بل كانت إجراءات عامة(29).

ورغم العلاقات الجيدة التي ربطت اليهود بسلطات الاحتلال في الأقطار العربية، ورغم ما توفر لهم في ظلّ هذه السلطات من امتيازات ومراكز اقتصادية مرموقة، إلاّ أن التغيرّات التي ألحقها الاستعمار باقتصاد بعض من هذه الأقطار قد أثرت عليهم تأثيراً سلبياً. ولعل الجزائر هي المثال الأبرز على ذلك. فقد الحق الاحتلال الفرنسي بها أضراراً بالغة، وعجزت البورجوازية اليهودية في منافسة أصحاب المتاجر الفرنسيين والمستوطنين الفرنسيين مما أدّى إلى إفلاس البورجوازية اليهودية مع نهايات القرن التاسع عشر، ولم يعد بالجزائر أي وجود للعائلات اليهودية التي سيطرت في الماضي على الحياة الاقتصادية(30).

ومع كل ذلك فقد شكلت الحقبة الاستعمارية في الغالب بيئة سياسية واقتصادية وحتى ثقافية جاذبة لليهود حيث خصّتهم سلطات الاستعمار الفرنسي بتمييز واضح حين اعتبرتهم عناصر من الشعب اليهودي تخضع للاحتلال الفرنسي، ومنحتهم دون المسلمين الذين أُخضعوا للحكم المباشر حق التصرّف الحر في إدارة شؤونهم بأنفسهم، لذلك استفاد اليهود من فترة الاستعمار كثيراً ما أدى إلى تعميق الفوارق بينهم وبين المسلمين من جهة، وتعميق الفوارق داخل الطائفة اليهودية نفسها أيضاً من جهة أخرى. وفي مقابل من وصلوا إلى سدّة الثراء من اليهود عرف الكثيرون منهم الفقر والحاجة. ويعتقد البعض أن نحو ربع الطائفة اليهودية في الدار البيضاء، التي ازداد تعدادها عشرة أضعاف خلال أربعين عاماً، كانوا عاطلين عن العمل، وعاشوا على تبرعات أثرياء الطائفة. ويمكننا على هذا النحو ملاحظة أن ظهور طبقة البروليتاريا اليهودية كان من السمات المميّزة لتاريخ المجتمع اليهودي بالمغرب إبان الفترة الاستعمارية(31).

من الأسباب الأخرى التي كانت وراء اضطراب أوضاع اليهود في الأقطار العربية أحياناً علاقتهم بالطائفة المسيحية. ففي بعض المراحل اتسمت هذه العلاقة بطابع الصراع الذي تجاوز التنافس الاقتصادي والتجاري والحرفي إلى العداء الديني. ومن الأمثلة على ذلك أن المسيحيين السوريين الذين قدموا إلى مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قد نجحوا في تقويض أسس المكانة الاقتصادية البارزة لليهود في مصر. تلك المكانة التي كانوا يتمتعون بها منذ القرن السادس عشر وحتى النصف الأول من القرن الثامن عشر؛ مما أدّى إلى تزايد حدّة التوتر بين الطائفتين ولاسيما في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكان من بين مظاهر تزايد حدّة التوتر ترويج المسيحيين للافتراءات ضد اليهود. وكان معظم مروّجي هذه الافتراءات المعادية لليهود من اليونانيين الأرثوذوكسيين(32).

وفي ليبيا «روّج المسيحيون عام 1862 الافتراءات المعادية لليهود، وانضمَ بعض المسحيين الأوروبيين في مرحلة لاحقة إلى هذه الحملة. كما روّج المسيحيون في مدينة آسفي في المغرب عام 1863 افتراءات معادية لليهود شارك في نشرها بعض الإسبان الذين كان من بينهم السفير الإسباني في المغرب»(33).

ولعلّ أشهر حدث في مجال الصراع بين الطائفتين هو ما حدث في سورية مع توطين مزيد من المسيحيين اليونان والأوربيين الآخرين في سورية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فقد عانى اليهود من هؤلاء ليس فقط في مجال المنافسة التجارية والحرفية بل من عدائهم الديني لهم. وعلى أثر اختفاء الأب توماس توما في دمشق عام 1840 اتهم اليهود باختطافه من خادمه يوم "فصح اليهود" بهدف سحب دمه واستخدامه في تحضير فطيرة الفصح. وقد أثارت هذه القضية اضطرابات دامية واعتقالات ضدّ اليهود وأجواء محمومة، وهزّت الاضطرابات عموم مدن المنطقة. وقد صدر بعدها من اسطنبول الأمر السلطاني الذي يحرّم توجيه تهمة سحب الدم الموجهة ضدّ اليهود(34).

لعلّ أبرز الدلائل على ما لقيه اليهود من تسامح في الأقطار العربية التي عاشوا فيها هو ما توفر لهم من حماية شعبية ورسمية من التهديد النازي الذي لاحقهم في البلدان التي دخلها النازيون. فعندما دخلت القوات النازية إلى تونس في الحرب العالمية الثانية أظهر التونسيون تعاطفاً كبيراً مع اليهود، وقاموا بإخفائهم في بيوتهم حتى لا يقعوا في قبضة الألمان. وفي المغرب عرف عن الملك المغربي الراحل محمد الخامس حمايته يهود بلاده من الاضطهاد النازي. وهذا ما يؤكد أنّ اليهود كانوا يرتبطون في البلاد العربية بعلاقة جوار وصداقة وثيقة مع المسلمين، وأنهم كانوا مندمجين في المجتمع رغم عيشهم في أحيائهم الخاصّة بهم. وإذا كان من تغيير أصاب هذه العلاقة فقد حدث بعد ظهور النشاط الصهيوني واغتصاب فلسطين، وميل يهود الدول العربية عموماً إلى تأييد الصهيونية و"إسرائيل" بل والمشاركة في النشاط الصهيوني ودعم الكيان الصهيوني.

ومع أن بعض يهود الأقطار العربية قد اتخذوا موقفاً مناهضاً للصهيونية في البداية، فإنهم كانوا يشكلون استثناءً لم يلبث أن اختفى. ومن هؤلاء يمكن ذكر النائب اليهودي في البرلمان المصري يوسف باشا الذي مثل أول جماعة يهودية معادية للصهيونية في مصر، والحاخام ناحوم الذي أعلن أن على يهود مصر أن يدافعوا عن بلدهم ضدّ الصهيونيين(35).

وبعد قرار تقسيم فلسطين قال النائب اليهودي وحيد مزراحي في 1/12/1947 في مجلس النواب السوري: «إن اليهود يستنكرون هذا القرار الجائر، ويستنكرون أعمال الصهيونية، ويعتبرون الصهيونية عقيدة سياسية غربية منفصلة عن الدين لا تتفق مع عادات ولغة وأخلاق يهود البلاد العربية، فإذا كانت الصهيونية التي تأتينا من الغرب تريد أن تجعلنا ضمن حظيرتها، فأنا أعلن من هنا أننا بريئون منها ومن أعمالها، وأرجو أن يعلم الجميع أننا لا نشاطر الصهيونية عملها، وأننا لا نتفق وإياها بغاياتها وأساليبها وسنكون في مقدمة المجاهدين العاملين لدفع أذى الصهيونية عن هذه البلاد»(36).

وليس خافياً أن الأصوات اليهودية المعارضة للصهيونية كانت أصواتاً استثنائية. وربمّا برزَت قبل نجاح الدعاية الصهيونية في اكتساب تأييد اليهود وغسل أدمغتهم. وربمّا كانت تلك الأصوات تريد مجارة الرأي العام الرسمي والشعبي، فتصرح بما يرضي هذا الرأي خوفاً من ردود الأفعال المحتملة وحفاظاً على مصالحها.

وعلى كل حال يمكن القول، وسواء وُجد من اليهود من كانوا على قلّتهم معارضين حقا للصهيونية أم لم يوجدوا، أنّ الصهيونية قد قوبلت بالترحاب في الأوساط اليهودية العربية عموماً. ومنذ البداية أثار تصريح بلفور وقرارات مؤتمر "سان ريمو" موجة ضخمة من الحماس في أوساط يهود شمال إفريقيا كان من بين مظاهرها تنظيم يهود هذه البلدان لصلوات جماعية، وعقدهم لمؤتمرات ضخمة أعربوا خلالها عن تأييدهم للفكرة الصهيونية. كما كان من بين مظاهر تأييدهم للصهيونية إقامتهم العديد من التنظيمات بغرض الهجرة إلى "إسرائيل"(37).

وقد استمرت الأنشطة الصهيونية وتأسست الروابط الصهيونية وأصدرت الصحف والمجلات الصهيونية لكن وتائرها تسارعت بشكل لافت بعد الحرب العالمية الثانية، وساهم في إذكاء المشاعر الصهيونية ما تعرّض له اليهود على أيدي النازية وإقامة "إسرائيل" عام 1948.

ولأن الدول العربية، ولاسيما في المغرب العربي كانت في تلك الفترة ترزح تحت نير الاستعمار الأوروبي، فقد استغلّ اليهود هذا الوضع، وكانت علاقتهم بحركات التحرر الوطني في تلك الدول ضعيفة، للتعبير عن أهوائهم الصهيونية.

وحتى الذين انضموا لصفوف الحركات الوطنية العربية المناضلة ضدّ الاستعمار من اليهود سرعان ما قلبوا لها ظهر المجن والتفتوا إلى خدمة الأهداف الصهيونية. وهذا ما حصل في تونس على سبيل المثال. حيث قام اليهود، على ما يذكر المناضل محي الدين القليبي في محاضرة نادرة له، بمحاولة استقدام الصهيوني جابو تنسكي لتنشيط الفكرة الصهيونية في تونس. ويشير القليبي إلى أنّ "مواطنينا" ويقصد بهم اليهود أصبحوا يدينون بالولاء لوطن آخر وراء البحار. ويقول بالحرف الواحد: «فأنتم تعلمون أننا عندما أسسنا الحركة الوطنية، كما في جميع أطوارها نعتبر الإسرائيليين منّا معاشر التونسيين، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، بحكم ذمّة الإسلام والرابطة الوطنية. فلم نضع في وقت من الأوقات نصّا في مطالبنا السياسية، وبرامجنا التي نعمل لتنفيذها ما يقتضي أنّها خاصة بنا معاشر المسلمين. بل تعطي كلها حقاً لكل تونسي بقطع النظر عن عقيدته. ولكن الطبقة المستنيرة من "الإسرائيليين"، أو قسم كبير منها على أصّح تعبير، كانت مواقفه في الحركة الوطنية التونسية، مما يدعو إلى الشكوك والريب. ولعلكم تذكرون محاولة هذا القسم تجنيس اليهود بالجنسية الفرنساوية تجنيساً عاماً. ولعلكم تذكرون أيضاً موقف هذا القسم في مسألة قانون التجنيس، الذي كان بمثابة حكم بالاضمحلال على الذاتية التونسية»(38).

ويبين القليبي كيف أن اليهود خانوا العهد: «عندما أعلنا عن الحزب الحر الدستوري التونسي، تفاهمنا مع عقلاء الإسرائيليين وعن وجوب التضامن والإتحاد لنيل حقوق البلاد. فوعدونا خيراً وانخرطوا معنا في سلك الحزب، حتى أننا خصصنا آنذاك بعض الربيين منهم لقبول اليمين عن أبناء ملّته. ولا زلت محتفظاً بنسخة التوارة التي كانوا يقسمون عليها يمين الإخلاص للحزب»(39).

وإذا كان اليهود لم يتورعوا عن التنكّر ليمينهم وعهدهم على هذا النحو، فإنّ تأييدهم للصهيونية قد وصل إلى حدّ الانخراط العملي في دعم "إسرائيل" ومدّها بالعون الاقتصادي كما حدث في العراق عندما قام اليهود بمساندة الصهاينة، إبان اندلاع حرب فلسطين عام 1948، متحدين القانون الذي جعل الصهيونية جريمة عقوبتها الموت. وحدثت في البصرة محاكمة علنية لأحدهم وأعدم بتهمة الخيانة العظمى لتهريب بضائع إلى "إسرائيل" خلال الحرب. كما عمل بعض اليهود عيوناً لـ "إسرائيل" في الدول العربية وكان أشهرهم الجاسوس كوهين الذي ألقي القبض عليه في سورية وأعدم.

ورغم أنهم ناصروا الاحتلال الأوروبي للأقطار العربية، وكانوا يفضلّون الانضمام بشكل عام للأحزاب المؤيدة للوجود الاستعماري على الأحزاب المعادية للاستعمار مثل الحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي(40) فإن اليهود لم يتعرضوا لضغوطات ذات شكل قمعي مباشر أو غير مباشر في كل الأقطار العربية بما فيها دول المواجهة مع إسرائيل مثل سورية التي لم يتعرّض فيها اليهود لأيّة أعمال انتقامية رغم دخولها في الصراع العسكري ضدّ الكيان الصهيوني واحتلال "إسرائيل" الجولان السوري في عدوان 1967. وقد ثبت في تسعينات القرن الماضي أن منظمتي مجلس إنقاذ يهود سورية ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية اللتين تتخذان من واشنطن مقراً لهما، كانا وراء محاولات تخويف اليهود من عمل انتقامي بعد حدوث مجزرة الحي الإبراهيمي الشريف في الخليل سنة 1994، وحثهم على الهجرة. وعلى غرار سورية لم يحدث في العراق أي عمل انتقامي ضدّ اليهود بسبب عدوان 1967 وهذا ما أكدّه مراسل ألماني غربي بقوله إن أوضاع اليهود عام 1967 لم تتأثر سلباً بل كانت المعابد اليهودية في بغداد لا تزال مفتوحة(41). وقس على ذلك في بقية الدول العربية التي حتى وإن شهدت بعض التحركات والمظاهرات الشعبية المعادية لـ "إسرائيل" على جرائمها بحق الفلسطينيين خصوصاً والعرب عموماً، فإن ذلك لم يمس بحياة آلاف اليهود المحليين الذين كانوا يُعتبرون مواطنين قبل كل شيء. لكن ولاء اليهود لم يكن أبداً للدول التي عاشوا فيها. ولذلك لم تنفع حمايتهم، وعدم حدوث أعمال انتقامية ضدّهم. مثلما لم تنفع قبل ذلك المواقف الطيّبة التي تبنّاها كل من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة والملك المغربي المرحوم محمد الخامس إزاء يهود بلديهما بل وقيامهما، في بعض الأحيان، بتعيين بعضهم في المناصب الوزارية في وقف تيار هجرتهم إلى "إسرائيل"(42).

 

الهوامش:

(1) انظر د. أمين أسبر، الحوار والحضارة العربية الإسلامية، دار الأهالي، دمشق 2003، ص173.

(2) أحمد أمين، موسوعة الحضارة الإسلامية. دار نوبليس، بيروت 2006، مجلد22، ص71.

(3) أحمد أمين، المرجع السابق، مجلد2، ص269.

(4) انظر أمين أسبر، الحوار والحضارة العربية الإسلامية، ص173.

(5) انظر أحمد أمين، موسوعة الحضارة الإسلامية، مجلد22، ص70.

(6) انظر أمين أسبر، المرجع السابق، ص173.

(7) عبد الكريم العيسى، العلاقات العربية ـ اليهودية، [د.ن]، دمشق 2003، ص110.

(8) انظر عبد الكريم العيسى، المرجع السابق، ص118.

(9) صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ترجمة جمال أحمد الرفاعي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، رقم 197، ص47.

(10) أمين أسبر، الحوار والحضارة العربية الإسلامية، ص111.

(11) المرجع السابق، ص111.

(12) أحمد أمين، موسوعة الحضارة الإسلامية، مجلد2، ص271.

(13) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، الأهلية للنشر والتوزيع، 1996، ص20.

(14) مأمون كيوان، المرجع السابق، ص22.

(15) د. علي إبراهيم عبده، ود. خيرية قاسمية، يهود البلاد العربية، مركز الأبحاث الفلسطينية، بيروت 1971، ص47.

(16) مأمون كيوان، المرجع السابق، ص39.

(17) خليل محمود الصمادي، القدس في العهد العثماني:WWW. gernc. com يوم 2007.5.11

(18) صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، مرجع سابق، ص47.

(19) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص20.

(20) انظر أحمد أمين، موسوعة الحضارة الإسلامية، مجلد22، ص72.

(21) مأمون كيوان، مرجع سابق، ص21.

(22) صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، مرجع سابق، ص356.

(23) انظر مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، ص90.

(24) الهادي التمومي، النشاط الصهيوني بتونس 1897/1948، دار الثقافة العمالية1982، ص27.

(25) انظر صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ص328.

(26) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، الخروج الأخير من الجيتو الجديد، الأهلية للنشر والتوزيع، ط1/1996، ص99.

(27) مأمون كيوان، مرجع سابق، ص92.

(28) انظر المرجع السابق، ص49.

(29) انظر المرجع السابق، ص80/82.

(30) انظر صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ص372.

(31) المرجع السابق، ص384/385.

(32) انظر المرجع السابق، ص324.

(33) المرجع السابق، ص324.

(34) انظر مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، مرجع سابق، ص39/40.

(35) انظر مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، ص83.

(36) د. علي إبراهيم عبده، ود. خيرية قاسمية، يهود البلاد العربية، مرجع سابق، ص100/101.

(37) صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ص418.

(38) محي الدين القليبي، مجموعة وثائق نشرها عبد القادر القليبي، سراس للنشر 2004، ص129.

(39) المرجع السابق، ص29.

(40) صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ص400.

(41) مأمون كيوان، اليهود في الشرق الأوسط، ص35.

(42) صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ص442.

 

 

 

مسؤولية أوروبا في إنتاج المسألة اليهودية

 

 

إنتاج المسألة اليهودية

يقول د. صالح الشقباوي(1) إن مصطلح "المسألة اليهودية" حديث النشأة، وجد في أوروبا في مرحلة تاريخية معينة تتمثل في انتقال أوروبا من عهد الإقطاع «Feodalism» إلى عهد الرأسمالية «capitalism»، مما يعني أن تحول وجود اليهود إلى "مسألة" متميزة نوعياً عن السابق يتطلب معالجة خاصة، وبناء على حصر هذه المسألة في مرحلة تاريخية معينة ذات أبعاد زمانية ومكانية واضحة، لا يجوز بأي حال من الأحوال إسقاطها تعسفاً على كل العصور التاريخية، كما فعل الباحث "أديب ديميتري" في كتابه "الماركسية والدولة الصهيونية" والذي أسقط فيه المسألة اليهودية على مجرى التاريخ منذ البداية حتى اليوم بعد أن حاول البرهنة على وجود جوهر ثابت "للمسألة اليهودية" يبقى هو هو عبر كامل التحولات التاريخية التي تؤثر على الظواهر والأعراض فقط وليس على الجوهر الدائم نفسه، وهذا الموقف مرفوض لطالما أن الأساس المادي لوجود أمة يهودية عبر التاريخ منطق غير واقعي، ولا يلامس الحقيقة، لأن اليهود ليسوا أكثر من مواطنين في مختلف دول العالم.

فالمسألة اليهودية تعريفاً: هي ظاهرة ـ اقتصادية اجتماعية، حديثة في الأساس أولدها بطء تطور النظام الرأسمالي في أوروبا الحديثة، وفق د. إبراهيم أبو لغد، فهي موضوع نشأ في فترة تاريخية معينة في أوروبا في مجتمع متغير مجتمع قومي، وفي ذلك يقول هرتزل: "ليست المسألة اليهودية بالنسبة لي مسألة اجتماعية أو دينية إنها قضية وطنية".

فطبيعة الصراع المرير والشرس بين القوى الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية النامية وبين "الرأسمال اليهودي الربوي" أدى إلى بروز المسألة اليهودية، بعد انتصار الرأسمالية التجارية الأوروبية النامية على الرأسمالية اليهودية الربوية.

وهناك عامل هام ومؤثر ساهم في إيجاد المسألة اليهودية، وهو الصراع الحاد بين المسيحية، المتمثلة في البابوية وبين اليهود، فقد تزعمت الكنيسة ممثلة بشخص "البابا"، في القرون الوسطى "الثاني عشر ـ الرابع عشر" الصراع المعادي لليهود ومنعتهم من امتلاك الأراضي، والسماح لهم فقط في المتاجرة بالمال، ولهذا لم يندمج اليهود في أوروبا، وتطورت الرأسمالية اليهودية، لدرجة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مجموع حركة الرأسمال(2).

في أوروبا، وطوال قرون عديدة، ظلت كلمة تاجر تعني يهودياً وكلمة يهودي تعني تاجراً، إلا أنه في فترات تاريخية لاحقة أصبحت كلمة يهودي مرادفاً لكلمة مرابي، وارتسمت صورة سيئة للغاية لهذا المرابي في أذهان الأوروبيين. فهو شخص معدوم الضمير لا رحمة في قلبه، الشيء الوحيد الذي يملأ قلبه ويشغل عقله هو المال، وخير تجسيد لهذه الصورة شخصية شايلوك في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير.

فلماذا احتكر بعض اليهود التجارة لفترات تاريخية طويلة؟ وكيف تحولوا إلى مرابين؟ وما هي الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي خلقت كراهية اليهود في نفوس الأوروبيين؟ وكيف أفرزت تلك الكراهية الصهيونية؟

تلك الأسئلة كانت محور كتاب "المسألة اليهودية: تفسير ماركسي"(3) الذي كتبه الاشتراكي اليهودي الثوري أبراهام ليون Abraham lion عام 1942.

عرض "ليون" رؤية متكاملة وعلمية لتاريخ الجماعات اليهودية منذ بداية ظهورها على مسرح التاريخ وحتى بداية القرن العشرين، وقدم تفسيراً لنشأة "المسألة اليهودية" في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، كما انتقد بعنف الأساطير المؤسسة للصهيونية.

ولا شك أن فهم المسألة اليهودية هو المدخل لفهم الصهيونية التي تدعي أنها حل لتلك المسألة، ومصطلح "المسألة اليهودية" الذي ظهر في القرن التاسع عشر كان يقصد منه توصيف حالة العداء والكراهية ضد اليهود في أوروبا في تلك الفترة التاريخية، الأمر الذي وصل إلى تنظيم مذابح ضخمة ضد اليهود في روسيا القيصرية وغيرها.

معاداة اليهود في أوروبا

لم تبدأ كراهية اليهود مع المسيحية، حيث كانت موجودة قبل ذلك، فالكراهية ترجع في الأساس لمعارضة مجتمع الاقتصاد الطبيعي للتجارة، بمعنى أن منبع الكراهية طبقي وليس ديني، لم تكن كراهية اليهود في أوروبا في القرون العشرة الأولى من عمر المسيحية تهدف إلى القضاء عليهم، فبينما كانت المسيحية الرسمية تضطهد عبدة الأصنام دون رحمة، كان وضع اليهود يتحسن باستمرار حتى القرن الثاني عشر.

استمر النظام الإقطاعي في أوروبا الغربية حتى القرن الحادي عشر، بينما استمر في أوروبا الشرقية حتى أواخر القرن الثامن عشر، خلال تلك الفترة تمتع اليهود بحماية الملوك والنبلاء، وكانت فترة رخاء اقتصادي للتجار اليهود الذين شكلوا طبقة اجتماعية منفصلة ومختلفة عن طبقة الإقطاعيين والفلاحين الأقنان. وحرصت تلك الطبقة على الحفاظ على المكانة الاقتصادية المتميزة، عن طريق رفض الاندماج، وعن طريق المحافظة على دينهم وعلى بعض خصائصهم الثقافية المختلفة، ذلك أن الاندماج في المجتمع المحيط كان يعني التحول إلى المسيحية، التي غلِفت بأيديولوجية تحرم التجارة وتنظر لها بازدراء، مما يعني نزول التاجر اليهودي إلى مرتبة قن الأرض.

عهد المرابي اليهودي

يتحدث كتاب ليون عن الفترة الممتدة من القرن الحادي عشر وحتى القرن التاسع عشر، حيث دخلت أوروبا الغربية منذ بداية القرن الحادي عشر طوراً جديداً من التطور الاقتصادي السريع والمكثف بظهور برجوازية محلية تجارية وصناعية، حيث أدى تراكم الثروات السريع إلى نمو مطرد لطبقة تجارية محلية بدأت تنافس التجار اليهود، الذي ظلت التجارة طوال القرون العشر الماضية في أيديهم، في الأغلب. هذا التنافس سحق مركز اليهود التجاري، حيث حل تجار مسيحيون محل التجار اليهود. ورافق هذا اضطهاد دموي ضد اليهود.

فإذا كانت كلمة "يهودي" مرادفة لكلمة "تاجر" طوال القرون العشر الأولى للميلاد، ففي أوروبا الغربية، وبشكل تدريجي منذ القرن الحادي عشر، بدأت كلمة "يهودي" تقترن بكلمة "مرابي". هكذا اختفى اليهود من المجال التجاري وتحولوا إلى مرابيين زبائنهم، في الأغلب، هم الملوك والنبلاء. ولكن دخول الاقتصاد التبادلي إلى الزراعة وفر الكثير من الأموال في يد النبلاء مما مكنهم من التخلص من سيطرة المرابيين اليهود. هكذا ضاقت سبل العيش بكثير من أعضاء الجماعات اليهودية، وأخذت تنتقل من بلد إلى بلد، واندمج عدد آخر منها في البرجوازية المحلية، وفي بعض المدن الإيطالية والألمانية تحول بعض اليهود إلى مرابين صغار للطبقات الشعبية يستغلون الناس مما جعلهم في كثير من الأحيان عرضة للانتفاضات الشعبية.

طرد اليهود على مر العصور

يرى العميد المتقاعد كامل الشرقاوي في كتابه "الحقيقة المرة: كيف قامت دولة إسرائيل؟" أن سقوط الإمبراطورية الرومانية هو أول نجاح سياسي هام لخطة اليهود في أوروبا، حيث يذكر أن سقوط الرومان كان له أثر طيب في نفوس اليهود في كل أرجاء أوروبا وساروا بنجاح في تحقيق مخططاتهم ووصلوا لأعلى المراكز ولمعت أسماء يهودية من كبار التجار في أوروبا كاحتكاريين لتجارة الرقيق وبدأت صورة اليهودي الجشع في أذهان الأوروبيين مما أغضب رجال الكنيسة الكاثوليكية في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي، ويشير إلى أن الكنيسة أخذت حذرها لانتشار الفوضى والانحلال في ربوع البلاد وفي عام 1210م عقد اجتماع كنائسي لإنقاذ الموقف عرف باسم "اجتماع لاترين الرابع"، واتخذ رجال الكنيسة الكاثوليكية قرارات هامة لوقف النشاط اليهودي المريب والحد من نشاطهم الخطير في مجالات التجارة والصناعة وخاصة في فرنسا وانجلترا وأسبانيا وإيطاليا ويوغسلافيا وغيرها.

وفي عام 1215م أصدر البابا أنوسنت الثالث بابا روما أمراً يحتم على اليهود أن يضعوا شارات تميزهم عن بقية المواطنين وبذلك يمكن الحذر واتخاذ الحيطة منهم وتشكلت لجنة بابوية للتحقيق في أسباب الحروب الكثيرة بين دول أوروبا المسيحية بعدما تبين أن لليهود ضلعاً كبيراً في إشعالها.

ثم ظهرت الحروب الصليبية وكانت جميعها بسبب دسائس اليهود ويذكر المؤلف على لسان أحد أحبار اليهود قوله "لقد كانت الحروب الصليبية قمة نجاحنا فقد استمرت متقطعة أكثر من أربعمائة عام ثم أشعلنا الحروب الدينية بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية وينبغي أن يستمر لهيب الحروب المقدسة مشتعلاً هنا وهناك في أي مكان وبين الشعوب حتى نحقق رسالة الله فينا".

أوروبا واليهود (بريطانيا أول دولة تطرد اليهود من أراضيها)

وفي رصده لحياة اليهود في أوروبا في أحياء وحارات وأزقة يهودية، يتحدث الشرقاوي كيف ركزوا أهدافهم في الحصول على المال والذهب بكل الطرق الشريفة أو غير الشريفة فبالمال والذهب يمكن تسخير كل الشعوب وإخضاعها لإرادة اليهود، وبدأت عمليات السيطرة على مصادر المال كاحتكار التجارة والصناعة والمراقص وبيوت الدعارة والسيطرة على وسائل الإعلام لنشر الأفكار المسمومة.

لم تكن لقرارات الكنيسة المسيحية أي أثر ملموس في تغيير سياسة اليهود، وفي إنجلترا اكتشفت محاكم التفتيش أن المرابين اليهود يقرضون طلبة جامعة أكسفورد بالربا الفاحش.

ومن الغريب أن اليهود لجأوا إلى برادة أطراف العملات الذهبية للحصول على كميات كبيرة من تراب الذهب تمكنهم من إعادة سبكها مرة أخرى، كما شوهوا الجنيه الإنجليزي الذهب، وساد ارتباك في الاقتصاد الإنجليزي وكادت الأحوال المالية أن تنهار أمام مؤامرات اليهود.

وانتشر الفساد في البلاد وظهرت لأول مرة بيوت الدعارة والملاهي والخمارات وهو ما يتنافى مع أخلاق الشعب الإنجليزي في ذلك الوقت مما اضطر الملك إدوارد الأول الذي ضاق بوجود اليهود في مملكته لأن يصدر قراراً في عام 1290م يقضي بطرد اليهود من إنجلترا وأعطى لهم مهلة ثلاثة شهور لمغادرة البلاد. وهكذا كانت بريطانيا أول دولة أوروبية تطرد اليهود من أراضيها(4).

عمليات الطرد (في عام 1394 فرنسا خالية من اليهود)

ويشير الشرقاوي إلى أن ما حدث في إنجلترا قد تكرر في فرنسا وكادت تنهار فرنسا كما انهارت الدولة الرومانية من قبل وكثرت حوادث المصادمات بين أفراد الشعب الفرنسي واليهود، وهاجم الفرنسيون الأحياء اليهودية وهدموا المعابد والمدارس اليهودية لولا تدخل الحكومة الفرنسية.

وفي عام 1306م أصدر ملك فرنسا فيليب الأول I Philip أمراً ملكياً بطرد اليهود من جميع الأراضي الفرنسية، وبعد فترة من الطرد تمكن بعض اليهود من الهروب إلى داخل فرنسا وحدثت مرة أخرى مصادمات عديدة وخاصة بعد أن اكتشفت بعض جرائم اليهود من ذبح الأطفال الفرنسيين فعادت الحكومة الفرنسية إلى طرد اليهود.

وفي عام 1394م كانت فرنسا خالية تماماً من اليهود وبذلك أصبحت فرنسا ثاني دولة أوروبية تتخلص من اليهود.

وعن تواصل مشكلات اليهود في أوروبا يشير الشرقاوي إلى إلقاء اليهود ميكروبات في آبار المياه ومصادرها في ألمانيا مما أدى لانتشار وباء الطاعون عام 1350م فقام الألمان بعمليات انتقامية ضدهم وفتكوا بمجموعات من الرجال والنساء والأطفال وفر الباقون منهم إلى خارج ألمانيا تاركين البلاد غارقة في مشكلات اقتصادية ومالية واجتماعية.

وفي تشيكوسلوفاكيا أصدرت الحكومة التشيكية أمراً بطرد اليهود عام 1380م ثم حاول بعضهم العودة سراً عام 1562م مما شجع الملكة ماري تيريزاMary Teresa إلى إصدار أمر بطردهم من البلاد عام 1744م.

وانهارت الشؤون المالية والتجارية والاقتصادية والاجتماعية بأوروبا وأحست الشعوب الأوروبية بأنها نكبت بإيواء اليهود، وفي عام 1420م صدّق الملك البرخت الخامس AL Brecht -V- ملك النمسا على أمر بطرد اليهود من البلاد، وفي عام 1424م قام ملك هولندا بطرد اليهود، وفي أسبانيا أصدر فرناندو Fernando أمراً بطرد اليهود عام 1492م، ونتيجة ذلك هاجرت 70 ألف أسرة يهودية إلى البرتغال والمغرب، واستشرت الفوضى والفساد والانحلال في البرتغال فتم طردهم منها عام 1498م.

كما طرد اليهود من إيطاليا عام 1540م، وفتحت بولندا أبوابها لاستقبال اليهود المطرودين من دول أوروبا، كما استقبلتهم أيضاً دول الإمبراطورية العثمانية ودول شمال أفريقيا وخاصة المغرب، ولكنهم توغلوا في بولندا، وبلغت درجة تحكم اليهود في الحكومة البولندية أنهم فكروا في إنشاء "إسرائيل" على أرض بولندا، ورغم طردهم فقد عادوا لأوروبا مرة أخرى على فترات مختلفة ليستكملوا مخططاتهم الاستعمارية في السعي لقيام "إسرائيل" باحتلال أي دولة في العالم وإضفاء شرعية دينية لاغتصاب أرضها مع استمرار سلوكهم السابق مع الشعوب الأوروبية(5).

اليهود والرأسمالية

وحول "اليهود في أوروبا بعد عصر النهضة"، ينقد ليون في كتابه المذكور نظرية "سومبارت" عن "اليهود والحياة الاقتصادية"، تلك النظرية التي تمجد الدور الاقتصادي لليهود بشكل مبالغ فيه، حيث تدعي أن "اليهود دفعوا النهضة الاقتصادية في البلدان والمدن التي استقروا فيها إلى الأمام، وأدوا إلى الانهيار الاقتصادي في البلدان والمدن التي هجروها"، ويدعي "أنهم مؤسسو الرأسمالية الحديثة"، برهن ليون على عدم صحة نظرية "سومبارت" من خلال قراءة متأنية لتاريخ الجماعات اليهودية في أوروبا الغربية.

فيتحدث عن أوضاع الجماعات اليهودية في أوروبا الشرقية، التي لجأ إليها الكثير من أبناء الجماعات اليهودية، حيث لم تصل إليها الرأسمالية بعد، حتى يتمكن هؤلاء من ممارسة مهنهم التقليدية (التجارة والربا). وتدريجياً أصبح أغلبية اليهود في العالم تعيش في أوروبا الشرقية، وخاصة بولونيا التي تمتعت فيها الجماعات اليهودية بحماية الملوك، لأنهم كانوا مصدراً هاماً للخزانة الملكية.

اشتغل اليهود في التجارة، والمصارف، والجمارك، وكان النبلاء هم زبائن المرابين اليهود، لذلك كان النبلاء في حالة صدام دائم مع اليهود، وظل وضع الجماعات اليهودية في بولونيا جيداً حتى القرن السابع عشر، حيث بدأ المجتمع الإقطاعي يعاني من مشاكل ضخمة، عندها تدهور الوضع الاجتماعي لليهود، وأصبح اليهودي مجرد وكيل أعمال للسيد النبيل، أو جابي ضرائب، أو خمار، بالتالي أصبح مكروهاً من الفلاحين، لأنه تحول إلى أداة رئيسية لاستغلالهم في يد النبلاء.

وتناول ليون "اضمحلال الرأسمالية والمأساة اليهودية في القرن العشرين"، وكيف أنتجت الرأسمالية المسألة اليهودية، ذلك أن الرأسمالية ـ التي دخلت مرحلة الأزمة ـ فشلت في دمج اليهود في المجتمع الرأسمالي. فقد اختفى التاجر اليهودي لعصر "ما قبل الرأسمالية"، بدون أن يتمكن ابنه من إيجاد مكان في الإنتاج الحديث، وتحول ذلك اليهودي إلى عنصر فائض لا فائدة منه ويجب التخلص منه.

يتحدث ليون عن ظهور الصهيونية التي برزت كردة فعل من البرجوازية اليهودية الصغيرة، التي شكلت أغلبية اليهود في أوروبا، على الاضطهاد التي عانت منه وجعلها تجبر على الانتقال من بلد إلى بلد. حيث أن إعادة هيكلة الاقتصاد الروسي عام 1863 جعل وضع الجماهير اليهودية في المدن الصغرى لا يحتمل اقتصادياً، مما دفعها للهجرة إلى أوروبا الغربية.

وفي الغرب أخذت الفئات الوسطى الأوروبية المسحوقة توجه غضبها ضد اليهود، مما دفع بالأفكار الصهيونية للانتشار بين أوساط اليهود. فبعد مذابح 1882 في روسيا، ظهر كتاب ليو بنسكر Leo Pinsker "التحرر الذاتي"، وبعد قضية دريفوس Dreyfus (6) ظهر كتاب "الدولة اليهودية" لتيودور هرتزل Theodor Herzl 1896، وفي عام 1897 عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل.

الاستعمار الغربي وتصدير مشكلات أوروبا إلى الشرق

يقول المفكر د. عبد الوهاب المسيري(7): "يتمثل أحد العناصر الجوهرية لظاهرة الاستعمار الغربي في تصدير مشكلات أوروبا الاقتصادية والاجتماعية إلى الشرق، وفي هذا الإطار كانت الصهيونية هي الحل الاستعماري للمسألة اليهودية، أي تصديرها إلى الشرق مع ما صدر من مشكلات وسلع بائرة إلى آسيا وإفريقيا وغيرهما من المناطق خارج أوروبا".

وقد لاحظ جمال حمدان في كتابه (استراتيجية الاستعمار والتحرير، القاهرة، ص150-151) الحقيقة المهمة التالية: "الاستعمار كله ما تم إلا على يد أوروبا وما تم إلا خارجها، ولم يحدث في التاريخ الحديث أن استُعمر جزء من أوروبا باستثناء نقاط من الاستعمار الاستراتيجي في جبل طارق ومالطة وقبرص... لقد كان الاستعمار ـ بوضوح ـ صناعة أوروبية مسجلة ولكنها للتصدير إلى خارج أوروبا فقط وغير قابلة للاستهلاك المحلي بحال".

ولذلك، لم يفكر أحد قط في تصدير المسألة اليهودية إلى لندن أو باريس، ولم يفكر أحد قط في أن تستقطع منطقة من ألمانيا، حتى بعد مذبحة الإبادة النازية، لإقامة الوطن القومي اليهودي فيها، وإنما كان التفكير في مصر وكينيا وقبرص والكونغو وموزمبيق والأرجنتين والعراق وليبيا. وفي نهاية المطاف، كانت فلسطين هي الضحية الفعلية نظراً لبعض العوامل الخاصة بالاستعمار الصهيوني.

وقد تحدث المفكر الصهيوني الروسي ليو بنسكر Leo Pinsker عن حله للمسألة اليهودية بالمصطلح الاستعماري نفسه إذ يقول: "يتوجب علينا أن نرسل اليهود غير المندمجين والفائضين (غير المنتجين في المصطلح الصهيوني) إلى مكان آخر، فهدف الحركة الصهيونية هو إيجاد وطن آمن يعيش فيه بأمان هؤلاء اليهود الفائضون الذين يعيشون الآن كطبقة بروليتارية عالة على المواطنين الأصليين، ثم يضيف: "لو تمكنا مثلاً من توزيع اليهود على كل أنحاء العالم لأمكن، ربما بهذا التوزيع، حل المشكلة اليهودية، ولكنه كان يعرف جيداً أن معظم البلاد المتحضرة (أي الأوروبية) سوف لا تقبل بهجرة اليهود الجماعية إليها، ولذا يجب الحصول على بلد خاص لنا في الولايات المتحدة أو أي ولاية تركية"(8).

يقول هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية: "الدولة الصهيونية، حسب التصور الصهيوني، هي تعبير عن جوهرها الاستعماري المتأصل، فقد تصورها الصهانية الأوائل على هيئة إمبراطورية بريطانية مصغرة (إنجلترا الصغرى) ودعائم صهيون الجديدة لا بد وأن تستند إلى الغزو الاستعماري وتمتد من جبال كليمنجارو في كينيا إلى فلسطين.

وتتفق رؤية موسى هس Moses Hess، في كتابه روما والقدس مع رؤية هرتزل، وإن اختلفت عنها في بعض التفاصيل، فهي أيضاً فكرة استعمارية تهدف إلى حل المسألة اليهودية عن طريق تصديرها، فهو يقول: "إننا عندما نتكلم عن إقامة مستعمرات في الشرق لا نعني أن يهاجر يهود الغرب كلهم إلى فلسطين (فالدولة اليهودية لا تهدف إلى استيعابهم كلهم)، وإنما نهدف إلى استيعاب الفائض (أولئك الذين فشلوا في أن يشقوا طريقهم إلى الحضارة الغربية بجهد بالغ ويحققوا لأنفسهم مركزاً اجتماعياً).

ويقول المفكر المغربي د.عبد الإله بلقزيز حول أوروبا الاستعمارية وإنتاج المسألة اليهودية: "لم يخرج الحل الاستعماري للمسألة اليهودية إلى الوجود، في صورة تمكين للمشروع الصهيوني من اجتياح فلسطين واغتصابها وإقامة الدولة اليهودية عليها، إلا في سياق نظرة أوروبية عنصرية لليهود وجدت في إجلائهم عن مجتمعاتها تحرراً من ثقل وجودهم عليها، مكافئة إياهم ـ عن خروجهم منها ـ بأرض استقبال من مستعمراتها، هي: فلسطين"!

ويضيف: "تقودنا هذه الملاحظة إلى حقيقة سياسية وأخلاقية سعت أوروبا ـ طويلاً ـ في إخفائها تحت عنوان دعمها لحق اليهود في "وطن قومي" لهم، ثم ـ لاحقاً ـ تحت عنوان دعمها لـ "إسرائيل" ولـ "حقها" في الوجود..."..

والحقيقة تلك هي أن أوروبا بالذات من أنتج المسألة اليهودية، وصنع مأساة اليهود، وساهم ـ مساهمة فعّالة ورئيسية ـ في اقتلاعهم منها (من أوطانهم) والقذف بهم بعيداً عن جغرافيتها.

ولا تتعلق هذه المسؤولية السياسية والأخلاقية الأوروبية تجاه محنة اليهود ـ بما فعلته النازية الألمانية بهم على وجه الحصر، كما تحاول أوروبا أن تدّعي، بل هي تتعلق بسياسات عنصرية أوروبية بدأت قبل النازية بقرن على الأقل، ولم تكن سياسات هذه الأخيرة تجاه اليهود أكثر من تتويج لها! ويكفي دليلاً على ذلك أن الوعد الاستعماري لليهود بمنحهم "وطناً قومياً" ـ أي بإجلائهم عن أوروبا ـ بدأ قبل المجازر النازية بربع قرن تقريباً! الأمر الذي يفيد أن المسألة اليهودية نشأت قبل الحرب العالمية الثانية بكثير(9).

كان الصراع بين القوى الدولية العظمى على أشده لاقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية في المرحلة الممتدة من مطلع القرن التاسع عشر إلى الحرب العالمية الأولى، وكانت الكتابات الأوروبية حول ما بات يعرف بالمسألة الشرقية لم تكن تستهدف سوى الإمبراطورية العثمانية "الرجل المريض" مصدر جميع الآفات والشرور، والمسؤول الأول والأخير عن الحروب بين الأمم، وفق وجهة النظر الأوروبية.

وكان الصراع البريطاني ـ الفرنسي ـ الروسي القيصري على اقتسام تركة الإمبراطورية العثمانية ومنها فلسطين هو الذي قاد في المحصلة النهائية إلى الكارثة التي أصابت شعب فلسطين.

فقد أعلن السير مونتفيوري Moses Montefiori البريطاني عام 1827 وجوب إقامة مستوطنات صهيونية في فلسطين تحت شعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. وبادر بالمر ستون رئيس الوزراء البريطاني إلى تبني فكرة حماية يهود سورية ومنها فلسطين عام 1837، ليعلن أن إقامة كيان يهودي في فلسطين سيكون بمنزلة رقيب على طموح محمد علي حاكم مصر في مشروعه لتوحيد المنطقة العربية واستقلالها عن تركيا.

في عام 1845 أعلن حاكم بسبلان البريطاني مينفورد Minford أن تهويد فلسطين يمثل مصلحة أساسية لبريطانيا لدرجة أن تحقيق هذا التهويد يحقق مصالح بريطانيا أكثر من فكرة الدفاع عن اليهود والمسلمين. وبعد أن تم فتح قناة السويس عام 1865 أسس سلاح الهندسة في الجيش البريطاني صندوقاً باسم صندوق اكتشاف فلسطين. أما المفكر الصهيوني الألماني (هس Hess) فقد قال في عام 1862، أنّ فرنسا ترغب حكما في أن ترى طريق الهند والصين مخيلة من قبل اليهود المستعدين للسير وراء فرنسا حتى الموت.

لقد كان شعب فلسطين يعيش حياته الطبيعية في وطنه، لم يعتمد على أحد ولم يشارك أحداً في العدوان على أحد. ولكن مخططات الاستعمار القديم والجديد وأطماع الدول الاستعمارية، في القرنين التاسع عشر والعشرين... والصراع الأوروبي على منطقة الشرق الأوسط ثم الصراع الأوروبي ـ الأمريكي... جعل من شعب فلسطين الضحية الكبرى لهذه الأطماع لصالح الصهيونية العدوانية العنصرية والوليد الطبيعي لهذا الاستعمار(10).

هكذا، يتضح لنا أن الشعب الفلسطيني، كان ولا يزال ضحية الاستعمار الأوروبي، وضحية الصراع بين القوى الدولية العظمى. كما أن وجود الدولة الصهيونية في فلسطين، كان ولا يزال هدفاً استعمارياً لا علاقة له بحل ما يسمى بالمسألة اليهودية، ولا بموضوع العداء للساميين، ولا بنتائج الاضطهاد المؤلم الذي عاناه اليهود على مر التاريخ في أوروبا.


 

التمييز ـ الاضطهاد لليهود في أوروبا

بدأ التمييز والاضطهاد ضد اليهود في أوروبا منذ ظهور الكنيسة الكاثوليكية في عصر بدأت الإمبراطورية الرومانية واسعة الأرجاء بالتصدع، إذ أعطت الكنيسة لهذا العالم الذي كان في حالة نزاع وحدة كان يبحث عنها.

فالكنيسة المنتصرة ورثت روما، وورثت منها عجرفتها وامتيازها وكبرياءها، وبدون فترة انتقال أو تمهيد من وضع المُضطَهَدة أصبحت مضطهدة تتمتع بالسلطة نفسها، السلطة التي حاربتها قديماً، ماسكة بقبضتها الخطوط القنصلية، قضت على الفساد، وأدارت وقادت الفرق.

ففي الوقت الذي كان المسيح يستولي فيه على المدينة العظيمة، ويبدأ سلطانه الكوني كانت اليهودية تنازع في فلسطين.

كان أحبار طبريا عاجزين عن أن يُبقوا إلى جانبهم شباب اليهودية. والبطريرك اللامع المُجيد المحترم جدا لم يعد لديه إلا ظلال سلطة. أما في بابل، فقد ازدهرت المدارس اليهودية، وفيها كان مركز الحياة الفكرية الإسرائيلية، وفي جميع الأنحاء، حيث حلت المسيحية وحملت معها تأثيرها وجب عليها أن تحسب حساب التأثير اليهودي، وأن تحاربه حتى نهاية القرن الثالث، حيث صار له أهمية أقل بشكل مباشر. في تلك الساعة انطفأت الهرطقات اليهودية البحتة. هؤلاء الناصريّون، هؤلاء المسيحيون المطهَرون المتعلقون بالشريعة القديمة، والذين يتكلم عنهم القديس جيروم والقديس إبيفان لم يبق منهم سوى حفنة من المؤمنين الناعمين اللاجئين إلى بيريه (حلب) وكوكبة في بتانيا، كانوا يتكلمون (السريانية ـ كلدانية) وهم بقايا الكنيسة الأورشليمية البدائية، لم يمارسوا سوى أي نشاط، إذ كانوا قد غرقوا وسط كنائس تتكلم اللغة اليونانية(11).

ومع انتصار المسيحية، تبدلت مناهضة اليهودية: فقد كانت في البداية، لاهوتية فقط، أي مقتصرة على المناقشات والمحاولات، ثم تحددت وتزايدت بشكل خطير، وأصبحت أكثر شراسة، وأكثر قساوة، وكان اللاهوتيون المسيحيون يرتكزون على حجج ضعيفة في تفسيرهم المزاجي للتوراة، أو على بعض متناقضات الترجمة الإسكندارنية للتوارة، لإقناع اليهود المتصلبين والقساة الذين يفضلون سماع أحبارهم. وكانت الانتقادات تمتزج فيها الحجج بالشتائم. وظل ينظر إلى اليهودي لا على أنه مسيحي محتمل، وإنما قاتل الإله بدون ندم.

فالآباء والأساقفة والكهنة الذين كان عليهم محاربة اليهود كانوا يعاملونهم بشكل سيء جداً، وكان هوسيوس Hosios يشتمهم ويسفههم في إسبانيا، والبابا سيلفستر Silvester، وبول أسقف القسطنطينية، وأوسيب من قيصرية، كانوا يسمونهم: (طائفة شريرة) بعضهم مثل غريغوار دي نيسDennis Gregoire بقوافي الأرضية العقائدية، وانتقد اليهود فقط، لأنهم غير مؤمنين، ويرفضون أن يقبلوا شهادة موسى والأنبياء حول الثالوث الأقدس والتجسد، أما سان أوغوستانSaint Augustin، فهو أكثر عنفاً، ولما كان قد أثير غضبه من اعتراضات التلموديين، فسماهم المزوِّرين، وأكد أنه يجب ألا نبحث عن الديانة في عمى اليهود، فاليهودية لا يمكن أن تستخدم إلا كعنصر للمقارنة لإظهار وبرهنة جمال المسيحية(12).

وبعد أن أصبح قسطنطين منتصراً وسيد الإمبراطورية الرومانية مدعوماً من جميع مسيحي بلدانه في عام 323م، وافق على قمع التبشير اليهودي وأعاد إلى التطبيق قانوناً رومانياً قديماً يمنع اليهود من ختان خدمهم. وفي الوقت نفسه، حرمهم من قسم كبير من امتيازاتهم التي كانوا يتمتعون بها، وأغلق في وجههم الدخول إلى أورشليم، ولم يسمح لهم بالدخول إلى المدينة إلا يوم ذكرى تهديم المعبد، ومقابل ضريبة مدفوعة بالفضة.

وكانت القوانين الصادرة في القرن الرابع حتى القرن السابع أغلبها كان موجهاً ضد التبشير اليهودي، وفي القرن الخامس والسادس تحت حكم يزدجرد الثاني وفيروسيس وكافاد، اتخذت بحق اليهود إجراءات قمعية بتحريض من المجوس، فمنعوا اليهود من إقامة السبت، وأغلقت مدارسهم، وألغيت محاكمهم.

أما مع مجيء الإسلام، وبداية تأسيس الدولة العربية الإسلامية المترامية الأطراف، نعم اليهود في ظل حكم العرب بحرية أكبر مما تحت حكم المسيحيين. فمن جهة، لم تكن تشريعات الخليفة عمر تطبق بشكل قاس، من جهة أخرى، فإن الشعب المسلم كان عطوفاً معهم، رغم اختلاف الدين، حتى إذا استثنينا بعض مظاهر التعصب. سوف نرى كذلك خلال التوسع الإسلامي، سوف يكون العرب وكأنهم محرّرو اليهود من الغرب(13).


 

اضطهاد اليهود في أوروبا من القرن الثامن حتى عصر النهضة

مع نهاية القرن الثامن، كانت أوروبا قد أصبحت كلها مسيحية، وحيثما انتشرت المسيحية فبعدها مباشرة استقر اليهود وتوطدوا في معظم البلدان الأوروبية في القرن التاسع، أتوا من فرنسا إلى ألمانيا، ومن هنا تغلغلوا في هنغاريا وبولندا، حيث تقابلوا مع دفعة أخرى من اليهود القادمين من القوقاز.

وفي العصور الوسطى تشكلت الدول الأوروبية من قبل الكنيسة، وانصهرت فيها وتفاعلت الأعراق الغالبة والمغلوبة، وارتبطت ببعضها. وفي قلب هذه الاتحادات بقي اليهود متفرجين غرباء أعداء لكل انصهار. هكذا ظل اليهود هم شعب الله المختار أزلي يشاهد ولادة شعوب جديدة.

كل دول العصور الوسطى تكونت من قبل الكنيسة، ففي روحهم وكيانهم تمثّلوا الأفكار والعقائد الكاثوليكية، إنها الديانة المسيحية، هي التي أعطت للشعوب العديدة الذين تخرّجوا في قوميات الوحدة التي كانت تنقصهم.

أما اليهود الذين كانوا يمثلون العقائد المعاكسة، فلم يستطيعوا إلا أن يناهضوا الحركة العامة، إما بالتبشير والإهداء أو حتى بمجرّد وجودهم.

وبما أن الكنيسة هي التي قادت هذه الحركة فمن الكنيسة انطلقت مناهضة اليهودية، نظرياً وشرعياً، مناهضة يهودية شاركت فيها الحكومات والشعوب، وحدثت أسباب أخرى أضيفت، وعمّقت الموضوع، وجعلته أكثر خطورة، هذه الأسباب خُلقت من جرّاء الوضع الاجتماعي والديني واليهود أنفسهم، لكنهم بقيت ـ دوماً ـ ثانوية متعلقة بهذه الأسباب والبواعث المدنية، أو للذهنية المسيحية والذهنية اليهودية أو للديانة الكاثوليكية الشمولية والعالمية إذا صح القول، وإلى الديانة اليهودية الخصوصية الضيقة.

في زمن انهيار العالم القديم ووسط التحولات الجذرية التي بدأت أوروبا تشهدها في عصر النهضة وصعود الرأسمالية الماركنتيلية، حافظ اليهود على أنفسهم، وعلى تراثهم، وعلى عاداتهم وأعرافهم. وفي الوقت عينه شاركوا في جميع الفوائد والميزات التي كانت تؤمنها لهم الحكومات.

وفي زمن ازدهارهم القومي كان لليهود شأنهم شأن باقي الشعوب طبقة من الأغنياء أبدت نهماً كبيراً للربح قاسية على المتواضعين، مثلها مثل كل الرأسماليين في كل العصور وكل الأمم. وكما أن مناهضي السامية الذين يستخدمون مقاطع من إشعيا وإرميا مثلاً لإثبات جشع اليهود المستمر فهم يقومون بعمل ساذج بفضل كلام الأنبياء، فهم لا يستطيعون أن يشاهدوا إلا ما هو تافه (طفولي) أي وجود ملاّكين وفقراء عند اليهود، لكن إذا دققوا ـ بتجرد ـ في القوانين والأحكام اليهودية سيعترفون أن التشريع والأخلاق يأمران بألا يأخذ الإنسان فائدة إلى القروض(14).

من المعروف تاريخياً أن اليهود تميزوا بالتجارة، بيد أنهم عندما وصلوا إلى البلدان الأوروبية في القرن الرابع عشر، أسسوا مكاتبهم المالية، وتخصصوا في تجارة الذهب، وشكلوا طبقة من الصرافين والدائنين. فأصبحوا بذلك (ممولي العالم أو مصرفيي العالم) فهم الذين يكلفون بإنشاء بنوك التسليف الشعبي، وأصبحوا هم الاسم ـ الدائن للأسياد والبرجوازيين الأغنياء. وقد كان اليهود بأغلبيتهم ينتمون إلى طبقة التجار والرأسماليين، واستفادوا من هذا الأمر ومن الوضع الاقتصادي للشعوب الأوروبية التي يعيشون في وسطها.

وكان اليهود عرضة لكراهية الشعوب الأوروبية، والسبب الظاهري الفعلي أنهم يعتبرونهم مرابين، وجابي الضرائب، ومحصلي الفوائد الضخمة التي كانوا يأخذونها، وهو ما كان يسبب الفقر والشح والبؤس القاسي للشعوب.

وكان الملوك والنبلاء والبرجوازيون خلال العصور الوسطى يستخدمون اليهود لهدفين، الأول يتركونهم ينتفخون ويمتلئون ذهباً، ثم يجبرونهم أن يستفرغوا كل ذلك، أو إذا كانت الأحقاد الشعبية متطورة جداً، فكانوا يلجؤون إلى تعذيب يفيد الرأسماليين الذين يدفعون بذلك إلى الذين يستنزفهم ضريبة دم (مائدة تابوت العهد). ومن حين لآخر، كان الملوك ـ استرضاءً لعناصر البؤساء ـ يمنعون الربا اليهودي، ويلغون الديون. لكن أغلب الأحيان كانوا يتهاودون مع اليهود، ويشجعونهم، وذلك مؤكد لكي يجدوا يوماً ما فائدة بالمصادرة أو للحلول. مكانهم كدائنين، على أن هذه الإجراءات كانت سياسية محضة، فهم كانوا يطردون اليهود إما لإعادة بناء اقتصادهم، أو لإثارة عرفان الصغار الذين كانوا يحررونهم ـ جزئياً ـ من حمل الدين الثقيل(15).

وعندما سقطت غرناطة في 2 كانون الثاني 1492 وأصبحت إسبانيا كلها مسيحية بعد أن تم طرد المسلمين منها، اضطهد اليهود بشكل قاس رغم وعود الأمان التي أبرمت لهم. إذ إن إسبانيا التي تحررت من المسلمين، أرادت آنفاً أن تتخلص من اليهود، فطردهم الملك فرديناند والملكة إزابيل Isabelle et Ferdinand في العام نفسه الذي سقط فيه بوعبديل، بينما ضاعفت محاكم التفتيش إجراءاتها القانونية تجاه اليهود.

 

 


 

 

الحداثة ومناهضة اليهودية

عندما اندلعت الثورة الفرنسية عام1789، واشتد عودها ودشنت فتحاً جديداً في تاريخ أوروبا والعالم، صوتت الجمعية الدستورية على مرسوم 27 أيلول 1791، الذي حرر اليهود من كل عبودية مدنية، وألغى كل القوانين السابقة التي كانت مفروضة، وتثقل عليهم وانتزاعهم من الحجر والانعزال في أي نوع كان، حيث كانوا قد سجنوا فيه أنفسهم، فبعد أن كانوا قطعاناً بشرية أصبحوا بشراً، فهو (أي المرسوم) لو استطاع أن يحررهم، وأن يلغي في يوم واحد العمل الشرعي لعدة قرون، لفعل، فهو لم يستطع أن يحطم حالتهم النفسية، وعاجز أن يحطم القيود التي صاغها اليهود بأنفسهم، فاليهود حُرِّروا شرعياً، لكنهم لم يُحرَّروا نفسياً، حافظوا على تراثهم وعاداتهم وعلى سلفياتهم من الديانات الأخرى، كانوا سعيدين أن يتخلّصوا من المهانة، لكنهم كانوا ينظرون حولهم بريبة وحذر، ويشكّون حتى بمحرريهم.

لقد عاشوا خلال قرون عديدة، وهذا العالم يرذلهم.

وفي هولنده ومنذ أعوام 1796، عندما تأسست جمهورية باتاف Batave، أعطت الجمعية الوطنية لليهود حقوق المواطن، ونظم لهم وضعهم ـ لاحقاً ـ لويس بونابرت، وحدده بشكل نهائي غليوم الأول عام1815. وفي ألمانيا عندما تمت إعادة الدولة المسيحية، ظهرت مناهضة اليهودية بشكل أقوى، حيث عاد التشريع المناهض لليهود، إذ ألغى مؤتمر فيننا كل الإجراءات الإمبراطورية الخاصة باليهود، ولم يترك لهم إلا الحقوق الممنوحة من الحكومات الألمانية الشرعية.

ففي حوالي أعوام 1820، حيث بلغت الوطنية الألمانية أوجهها، ترافقت الإجراءات الشرعية مع التحركات الشعبية المناهضة لليهود، إذ كانوا ـ دوماً ـ الأجانب بامتياز الذين يتحلون بأفضل ما يتصفون الأجانب الضارّين. فالأعوام الثلاثون التي مرت بعد غياب نابليون لم يشهد فيها اليهود أي تحسن يذكر، كانت الجماهير في كثير من المناطق تهجم على اليهود، وإذا هي لم تقتلهم كانت تسيء معاملتهم بشدّة.

في إنكلترا، حيث كانوا يعاملون بحرية في الحقيقة، لكنهم كانوا ـ دوما ـ معتبرين منشقين (أو خوارج) ويخضعون مثل الكاثوليك على أي حال ـ إلى بعض القوانين الناهية والضرائب. ولم يتغير وضعهم إلا رويداً رويداً، وقصة تحررهم هي فصل من الصراع بين مجلس العموم ومجلس اللوردات، وحتى عام 1860، فقط قُبلوا نهائياً ودمجوا مع باقي المواطنين الإنكليز(16).

ولم يصبح اليهود مواطنين نمساويين إلا في عام 1848. فقد أعلن دستور الرابع من آذار عام 1848 المساواة أمام القانون. لكن هذا القانون ألغي عام 1851، لكن مرسوم 29 تموز عام 1853، أعاد التشريع القديم المتعلق باليهود. وأقر الدستور عام 1867، نهائياً المساواة أمام القانون، وحرر اليهود. وفي هنغاريا صوت على القانون المحرر لليهود وعلى التمثيل الحكومي من خلال مجلس النواب عام 1867.

وحصل تحرر اليهود في ألمانيا في الفترة الزمنية نفسها، إذ صوت في ألمانيا في 20 أيار 1848 حول المساواة لجميع المواطنين أمام القانون. وتصرف برلمان فرانكفورت بالاتجاه نفسه، وهذه المساواة سجلت في الدستور الألماني عام 1849، إلا أن بعض الدول حافظت على النواهي والموانع ضد اليهود حتى حصول القانون الفيدرالي الشمالي في 3 تموز1869، الذي ألغى كل الموانع والنواهي في القوانين المدنية والسياسية التي كانت لا تزال موجودة ومستندة على اختلاف الديانة.

ويمكن القول أنه بعد ربيع الثورات الأوروبية عام 1848 انتهت مناهضة اليهودية الشرعية في الغرب. وتدريجياً ألغيت آخر القوانين المجمّدة عندما سقط الحكم الزمني للباباوات عام 1870، فأزيل وأخفي آخر معتقل غربي، واستطاع اليهود أن يكونوا أدنى مواطنين في مدينة القديس بطرس نفسها. ومنذ ذلك الحين، تحولت مناهضة اليهودية، فأصبحت أدبية بحتة، ولم تعد سوى وجهة نظر، ووجهة النظر هذه لم يعد لها فعلها على القوانين.

في البلدان الأوروبية التي أنجزت فيها الثورات الديمقراطية، والتي اتجهت فيها سيرورة بناء الدولة الحديثة نحو التحرر من الطابع الديني للدولة عن طريق تبني العلمانية بوصفها فتحاً بشرياً جديداً تقلصت تدريجياً مناهضة اليهودية إلى حد كبير.

بيد أن البلدان الأوروبية الأخرى لاسيما الوسطى والشرقية التي لم تنجز بعد ثوراتها الديمقراطية في القرن التاسع عشر، استمرت مناهضة اليهودية شرعية وحاضرة، في رومانيا وروسيا... وكان اليهود استقروا في رومانيا منذ القرن الرابع عشر ولم يأتوا إليها بكتل كبيرة إلا في بدايات القرن التاسع عشر، وبعد الهجرة الهنغارية والروسية أصبح منذ ذلك الحين عددهم ثلاثمائة ألف.

وبدا الاضطهاد الرسمي ضد اليهود عام 1856، عندما اتخذت رومانيا حكماً تمثيلياً فآل الحكم إلى الطبقة البرجوازية. فأصدرت الحكومة آنذاك عدة تشريعات، تم بموجبها عدم حصول اليهود على رتب وطرد اليهود من القرى التي كانوا يسكنونها، وسحب منهم حق المسكن الدائم في الأرياف، ومنعهم من استئجار مزارع أو تعهد فنادق أو نوادٍ ليليلة خارج المدن.

ويعود هذا العداء الروماني ضد اليهود، إلى الموقع الذي كان يحتله اليهود في رومانيا، أكثر منه عداء ديني رغم استمرار الردة الوراثية للسلفيات. فعند تأسيس رومانيا وتكونها كان اليهود يشكلون في البلاد المودو ـ فالاك تجمعات منفصلة تماماً عن الغالبية العظمى للشعب(17). وكانوا يلبسون لباساً خاصاً ويسكنون في حارات خاصة، حتى يتجنبوا النجاسة، وكانوا يتكلمون لهجة شعبية يهودية ـ ألمانية، وهي التي كانت تميزهم تماماً. كانوا يعيشون تحت سيطرة حاخاماتهم والتلموديين الضيقين المحدودين الجهلة الذين كانوا يتلقون في مدارس يهودية ـ الهيدر تربية ساهمت في استمرار انحطاطهم الفكري وانهيارهم. فكانوا ضحية هذا الانعزال، انعزال سببه التعصب الحاخامي الذي كان يقودهم.

وكان وضع اليهود في روسيا أكثر قساوة وشقاء من رومانيا إذ إن تاريخهم في هذا البلد يعد قديماً. فقد أتوا منذ القرن الثالث قبل الميلاد مؤسسين مستوطنات في القرم. ويوجد الآن حوالي أربعة ملايين ونصف يهودي.

وكانت الملكة كاترينا الثانية أعطت اليهود نفس حقوق أتباعها الروس، بيد أن القرارات السيناتورية لأعوام 1786 و1791 و1794 قلصت وأنقصت من هذه الامتيازات وحجرت اليهود في روسيا البيضاء والقرم والذين شكلوا منذ ذلك الحين الأرض اليهودية ـ وبولونيا.

وتعتبر مناهضة السامية في روسيا مناهضة سامية رسمية، تهدف إلى منع اليهود من التخلص من تلك القرارات الاستبدادية السيناتورية. وشهد وضع اليهود تدهوراً مخيفاً بعد موت ألكسندر الثاني Alexander- II ، إذ حصلت يقظة فظيعة للاستبداد المطلق مع تنامي الحركة الثورية الروسية التي عزتها السلطات القيصرية إلى التأثيرات الأجنبية، والحالة هذه، عمل الفكر القومي والأرثوذكسي على تأليب الشعب ضد اليهود. فحصلت المذابح عام 1881، حيث حرق خلالها جموع الناس بيوت اليهود ونهبوها. وقتلوا اليهود قائلين: أبانا القيصر يريد ذلك.

وبعد هذا الهياج الشعبي أصدر الجنرال إيغناتيف قوانين أيار 1882، هذه القوانين تحمل في طياتها:

1. إجراء مؤقتاً وحتى المراجعة العامة للقوانين التي تنظم وضع اليهود (يمنع) يحظر على اليهود أن يقيموا ـ في المستقبل ـ خارج المدن والقرى. يجري استثناء لصالح الجاليات اليهودية الموجودة سلفاً (من قبل) أو اليهود الذين يهتمون بالزراعة.

2. حتى إشعار آخر لن يسمح باستمرار العقود المكتوبة باسم يهودي، والتي غرضها شراء ورهن عقار أو تأجير أبنية ريفية تقع خارج المدن والقرى، كما يعد ملغى أي توكيل قد أعطي ليهودي لإدارة أملاك من النوع المدرج أعلاه ولتملكه.

3. يمنع، ويحظر على اليهود أن يعملوا في التجارة أيام آحاد وأعياد الديانة المسيحية، فالقوانين التي تجبر المسيحيين أن يغلقوا بيوت تجارتهم خلال هذه الأيام سوف تطبق على بيوت تجارة اليهود.

4. هذه الإجراءات المدرجة أعلاه لا تطبق إلا على الحكومات التي توجد على امتداد الأرض اليهودية.


 

الاضطهـاد في فرنسـا

في عهد الرأسمالية الصاعدة، انهارت أسوار الغيتوات اليهودية، التي تشكلت في القرون الوسطى، مفسحة في المجال أمام عملية تمثيل اليهود تمثيلاً نشيطاً في المجتمعات التي كانوا يعيشون فيها، هذه العملية التي انقطعت لمدة وجيزة نسبياً مدة القرون الوسطى. كتب فلاديمير ايليتش لينين يقول: "في عموم أوروبا، سار انهيار نظم القرون الوسطى، وتطور الحرية السياسية يداً بيد مع تحرر اليهود السياسي ومع انتقالهم من اللهجة الخاصة إلى لغة الشعب الذي يعيشون فيه، ومع تقدم تمثلهم الأكيد على العموم في السكان المحيطين بهم"(18).

ولم يعد بوسع اليهود الغربيين المحررين أن يعتبروا أنفسهم أناساً مطرودين يعيشون في عالم على حدة... فلم يبقوا يهوداً بل ساروا في سبل مختلفة كانجليز وفرنسيين، وألمان... ولم تعد ترضيهم مذاهب العالم القائلة، بالنفي بالخلاص، التي كانت تنجم عن تصدير اليهود بصورة شتات شعب لا مأوى له.

وكان نابليون بونابرت Napoleon Bonaparte هو أول من طرح حلاً أوروبياً للمسألة اليهودية، وذلك عن طريق أول محاولة جدية لاستعمار فلسطين من خلال إسكان اليهود فيها، خدمة لأهدافه الإستراتيجية. ولكن هذه المحاولة منيت بالفشل. ففي عام 1798 أطلق نابليون بونابرت دعوة فرنسية، عبر بيان أصدره بمجرد وصوله إلى مصر، حث فيه جميع يهود آسيا وأفريقيا على الالتفاف حول رأيه من أجل إعادة "مجدهم الغابر" وإعادة بناء "مملكة القدس القديمة".

لقد كانت لهذه الدعوة أسباب سياسية ولم تكن حلاً للمسألة اليهودية آنذاك، إذ إن الحل للمسألة اليهودية بصفته الفرنسية ظهر فيما بعد لأسباب سياسية وغير سياسية وجدها نابليون مناسبة، لدى عودته من مصر، واتجاهه بحملة عسكرية نحو شرق أوروبا دعا نابليون اليهود في فرنسا في أيلول (1806) إلى عقد السنهدرين "Sanhedrin" وهي الهيئة القضائية العليا التي كانت قائمة في الأزمنة القديمة، واستمر اجتماعها حتى نهاية شباط 1870 حين قال نابليون: إن اليهود أصبح لهم كيان رسمي داخل الدولة. وإن الديانة اليهودية أصبحت إحدى الديانات الرسمية في فرنسا، وإن من حق المؤسسات الدينية اليهودية فيها أن تحظى برعاية وحماية الدولة، وتعهد نابليون بإجبار حكام الدول الأوروبية التي يحتلها على منح اليهود من سكانها الحقوق التي منحتها إياها فرنسا كما حدث في هولندا والسويد.

ويعتبر حل نابليون للمسألة اليهودية القائم على الاندماج حلاً متطوراً عن الحل السابق الذي طرحته الثورة الفرنسية، والذي تضمن: إلغاء التمييز ضد اليهود وعلمنة السياسة، وتقليص دور الكنيسة، وتبني فكرة المواطنة، واحترام الحقوق الدينية والشخصية والمدنية.

لكن اختلاف صيغ الحل للمسألة اليهودية لم يقف حائلاً دون استمرار وجود المسألة اليهودية في فرنسا، التي عادت للظهور في أعقاب محاكمة الضابط الفرنسي اليهودي دريفوس Dreyfus.

ففي عام 1895 اكتشفت السلطات الفرنسية خيانة ضابط عسكري في الجيش الفرنسي كان يعمل لمصلحة الألمان. كان اسم الضابط الفرد دريفوس Dreyfus. وكان يهودياً. وفي ذلك الوقت كان العداء الألماني الفرنسي على أشده بسبب قضية الألزاس واللورين.

ففي عام 1894، تمكنت خلية من المخابرات الفرنسية من اكتشاف نشاط دريفوس Dreyfus التجسسي عندما حصلت على وثائق من السفارة الألمانية في باريس تتضمن تقارير مكتوبة بخط يده. وكان الكشف عن هذه الفضيحة بمنزلة عود الثقاب الذي أثقل نار الكراهية الفرنسية ضد اليهود الفرنسيين. وبادرت الجماعات المعادية لليهود ـ عبر حملة مكثفة في الصحف الموالية لها ـ إلى اعتبار دريفوس Dreyfus نموذجاً لـ"اليهودي الخائن"، الذي لم ينخرط في الجيش الفرنسي إلا "قصد الخيانة". وحكمت المحكمة العسكرية الفرنسية بتجريد دريفوس Dreyfus من رتبته العسكرية، ونفيه إلى جزيرة الشيطان قرب غويانا الفرنسية. ثم شدد الحكم عليه بالسجن عشر سنوات إضافية لثبوت ضلوعه بالتجسس لمصلحة العدو.

ومع ذلك تمكن يهود فرنسا من إثارة حملة تشكيك بالتهم المسوقة ضده وشارك فيها الكتاب والمفكرون الفرنسيون، الذين نزلوا إلى الساحة العمومية، وأثاروا نقاشات عنيفة. وهنا سيظهر أول بيان في تاريخ الفكر الغربي توقعه جماعة من رجال الأدب والفكر، تسمي نفسها جماعة المثقفين Les intellectuels. وجاء في بيان المثقفين هذاLe manifeste des intellectuels المنشور في جريدة الفجر بتاريخ 14 كانون الثاني يناير 1898 مايلي: "إن الموقعين أسفله، يحتجون ضد خرق الأشكال القانونية لمحضر سنة 1894، ويحتجون على التعتيمات المحيطة بقضية استرازي، ويلحون على مراجعة الحكم الصادر في حق دريفوس Dreyfus (19)" وقعت البيان أسماء كبرى كأناتول فرانسو مارسيل بروست وليون بلوم، وأميل زولا، الذي اتهم قيادة الجيش الفرنسي في مقال شهير له نشره تحت عنوان"إنني أتهم" بتلفيق القضية من الأساس للإساءة إلى يهود فرنسا. وتحت ضغط تلك الحملة أعيدت محاكمة دريفوس Dreyfus أمام محكمة مدنية هذه المرة، فبرئ، وأعيد إليه اعتباره، ورفعت رتبته العسكرية، وأعيد بالتالي الاعتبار إلى اليهود.

غير أن المحكمة العسكرية رفضت تبني هذا الحكم وأصرت على حكمها الذي سبق لها أن أصدرته. ورغم أن دريفوس Dreyfus مات عام 1935، فإن القضية لم تنته. فمنذ اقترح تحديد التاريخ أي ففي عام 2005 أصدر رئيس قسم التاريخ في الجيش الفرنسي تقريراً من ثلاث صفحات يشكك فيه بحكم البراءة الذي صدر في عام 1906 عن المحكمة المدنية الفرنسية. ويؤكد التقرير صحة حكم الإدانة الذي صدر عام 1899 عن المحكمة العسكرية.

وكان نشر هذا التقرير الجديد كافياً لتحريك اللوبي الصهيوني الفرنسي الذي أثار حملة على قيادة الجيش وعلى وزارة الدفاع موزعاً الاتهامات اللاسامية، مما حمل وزير الدفاع في ذلك الوقت فرانسوا ليوتار على عزل رئيس قسم التاريخ في الجيش من منصبه!.

يقول أحد أولئك الذين تحملوا مسؤولية هامة في محاكمة دريفوس Dreyfus بتاريخ 4 كانون الأول/ ديسمبر 1897 في جمع عام: "ليست هناك قضية اسمها قضية دريفوس Dreyfus "(20) إلا أن تعقّد الوضع الاجتماعي الفرنسي آنذاك من جهة، وغياب أدلة كافية تثبت تورط هذا الضابط ذي الأصل اليهودي من جهة ثانية، كذب تكذيباً قاطعاً هذا التصريح المطمئن، وجعل هذه المحاكمة تتحول إلى فتيل أوقد قضية سياسية كبرى عصفت بالحياة الاجتماعية والسياسية الفرنسية وبالجمهورية الثالثة ما يزيد عن عشر سنوات، وقسمت الشعب الفرنسي ونخبته المثقفة إلى مناصر لـ دريفوس Dreyfus ومعاد له.

وقد شهدت فرنسا موجة قوية من معاداة اليهود عرفت تحت اسم Anti-semitisme ويكفي الإطلال على بيبلوغرافيا المؤلفات الفرنسية الصادرة آنذاك لإدراك حجم الكراهية المتنامية لليهود، ولملاحظة أن أهم المؤلفات السياسية الناجحة آنذاك كانت ـ أمام سيطرة حقيقية وفعلية لليهود على الحياة المالية الفرنسية ـ تحمل نزعة معادية لليهود واضحة. فكتاب Edouard Drumont الاشتراكي الفرنسي إدوارد دريمون المعنون بـ "فرنسا اليهودية"، والذي يعبر فيه صاحبه عن حنقه على سيطرة اليهود على الحياة والمالية الفرنسية، طبع ما يزيد عن مئة طبعة خلال سنة واحدة، سنة صدوره (1886). وقبله كان كتاب آخر قد عرف نجاحاً منقطع النظير أنكر فيه مؤلفه على الطائفة اليهودية احتكارها للمناصب المالية الهامة في البلاد، اسم الكتاب موح جدا: "اليهود ملوك العصر" (1845)، وصاحبه يساري معروف" ألفونس دي توسنيل Alphonse de Toussenel ‏ تلميذ الاشتراكي الفرنسي شارل فورييه. وبين هذا وذاك يحتل كتاب أوغست شيراك المعنون بـ "ملوك الجمهورية" (1889)، والذي يدين فيه صاحبه سيطرة اليهود على الشؤون السياسية بالبلاد، موقعاً مهماً ضمن هذه الأدبيات التي ساهمت في خلق "الرابطة المعادية للسامية" La ligne anti semitisme سنة 1889، والتي تسربت على قنوات الإعلام، لاسيما الصحف اليمينية كصحفية I ANTI – JUIF، وصحيفة الصليب LA CROIX التي كانت تفتخر بكونها "الصحيفة الأكثر معاداة لليهود في فرنسا والتي تحمل صليب المسيح، رمز ذعر اليهود"(21).

 

الهوامش:

(1) دكتور صالح الشقباوي، في المسألة اليهودية، جريدة الصباح، فلسطين 13/3/2008.

(2) المصدر السابق.

(3) أبراهام ليون، المسألة اليهودية: تفسير ماركسي.

(4) كامل الشرقاوي، "الحقيقة المرة: كيف قامت دولة إسرائيل؟".

(5) المصدر السابق.

(6) قضية دريفوس هي قضية ضابط فرنسي يهودي اتهم بالتجسس لصالح ألمانيا وتمت محاكمته بشكل يجافي العدل، وكان هناك إصرار على إثبات التهمة لكونه يهودياً. هذه القضية أحدثت تحولاً فكرياً عميقاً لدى الصحفي تيودور هرتزل الذي كان يقوم بتغطية القضية صحفياً، حيث تحول من شخص مؤمن بفكرة ضرورة اندماج اليهود في مجتمعاتهم، إلى ضرورة إقامة "دولة اليهود".

(7) صحيفة الاتحاد الظبيانية 21/6/2003.

(8) المصدر السابق.

(9) الموقع الرسمي لجريدة عمان (http://main.omandaily.om) 25/3/2010.

(10) خالد الحسن، فلسطين وأوروبا، دبلوماسية المواجهة، دار الكلمة للنشر، بيروت، الطبعة الأولى1981، (ص11).

(11) برناردي لازار، مناهضة السامية تاريخها وأسبابها، ترجمة د. ماري شهرستان، دار الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، الطبعة الأولى 2004، (ص52).

(12) المرجع السابق (ص54).

(13) المرجع السابق (ص64)، لقد استخدم المؤلف ـ هنا ـ جملة (وكأنهم محررو اليهود من الغرب)، فلماذا عندما يرد ذكر العرب ـ بشكل حميد ـ في معظم الأبحاث التاريخية يتنصل المؤرخون الغربيون من إعطاء أي قطعية في أحكامهم؟!.

(14) لن تقرض أبدا أخيك بفائدة، لا مال ولا قوة ولا أي شيء. يمكنك أن تدين الأجنبي النوشري بالفائدة، سفرتثينة الاشتراع 111، 19، 20xx النوشري يعني الرحال في مروره. أما الأجنبي المقيم، فهو Guer كير عندما يصبح أخوك فقيراً، ويمد يديه المرتجفتين سوف تدعمه، وحتى الأجنبي الـ"كير" القاطن في البلد، حتى يعيش معك. لا تأخذ منه لا فائدة ولا ربا. (الأحبار25،35) يهوه: من هو الذي سوف يسكن في معبدك؟ ـ الذي لا يقرض ماله بفائدة (مزمور5،15) حتى لغير اليهودي(هكذا يضيف التلمود).

(15) Bernard Lazare L ANTISEMITISME SON HISTOIRE ET SES CAUSES برناردي لازار،مرجع سابق (ص85).

(16) المرجع السابق (ص135).

(17) أقلية يهودية بدخولها الجامعات وحصول التطور الفكري الذي نتج عن ذلك، استطاعت أن تنجو من الأحكام السلفية الشعبية التي هي منغمسة في توحش لا ينقذها منه إلا التعليم المعاند للتلمود.

(18) يوري إيفانوف، الإنذار المبكر، تقديم ومراجعة وفهرسة يوسف حيدو، مؤسسة ما بين النهرين سورية دمشق، الطبعة الأولى 2004، (ص26).

(19) Cite par Louis Bodin in 'Les intellectuels' op.cit.p.6

(20) Jules Meline cite par Maurice Paleologue, in' journal de 1

L affaire Dreyfus 1894-1899' Paris. Librairie Plon. 1955.p.82.

(21) Cite par Christophe Prochassion in 'Dreyfusards et anti Dreyfusads'. revue 'histoire n 115 octobre 1988.p.36.

 

 

 

مسؤولية أوروبا عن اغتصاب فلسطين

 

كان أول من فكر بصورة جادة بتجمع يهودي في فلسطين هم القوى الأوروبية العظمى في القرن الثامن عشر، ولم تكن لها من هدف من وراء ذلك سوى خدمة نفوذها ومصالحها الاستراتيجية. وذلك يصدق على مشروعات نابليون Napoleon الشرقية، حيث أعطى الوعد بإنشاء دولة لليهود في فلسطين. ودعاهم "لإعادة بناء الهيكل باعتبارهم ورثة إسرائيل الشرعيين"(1) وذلك في أيار/مايو عام 1799. حيث كان يحلم بإقامة دولة تابعة له في فلسطين لتشكل شوكة في حلق غريمته انكلترا ولتصبح أداته في السيطرة على مصر وطرق المواصلات إلى الشرق، ومما جاء في بيانه:

"من نابليون Napoleon القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين:

أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذين لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبهم اسمهم ووجودهم القومي، وإن كانت قد سلبتهم أرض الأجداد فقط ، انهضوا بسرور أيها المبعدون قسراً عن أرض الأجداد، فقد آن أوان محو ذلك العار الذي لحق بكم منذ ألفي عام. ولئن كان الوقت والظروف غير ملائمة للتصريح بمطالبكم أو التعبير عنها، بل وإرغامكم على التخلي عنها، فإن فرنسا تقدم لكم إرث إسرائيل في هذا الوقت بالذات، وعلى عكس جميع التوقعات.

إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، الذي يقوده العدل ويواكبه النصر جعل القدس مقراً لقيادتي، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تعد ترهب مدينة داود.

يا ورثة فلسطين الشرعيين:

إنّ الأمة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان.. تدعوكم للاستيلاء على إرثكم، بل لأخذ ما تم فتحه والاحتفاظ به بضمانتها وتأييدها ضد الدخلاء جميعاً.

سارعوا، فهذه هي اللحظة المناسبة التي قد لا تتكرر لآلاف السنين للمطالبة باستعادة حقوقكم، ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين.. وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي المطلق في عبادة إلهكم يهوه، طبقاً لعقيدتكم علناً والى الأبد"(2).

لهذا عدّ المؤرخون نابليون بونابرتNapoleon Bonaparte أول رجل دولة غربي يطرح رسمياً "إقامة دولة يهودية" في فلسطين، قبل وعد بلفور الشهير بـ 118 عاماً، ما جعل الزعيم الصهيوني وايزمان Wiseman يصفه بأنه أول الصهيونيين الحديثين غير اليهود.

بعد أن فشلت حملة نابليون Napoleon على مصر عاد إلى أوروبا وحقق فيها انتصارات باهرة. وتألق تاج الإمبراطورية على رأسه ولكنه ظل يحلم بمشروعه، وخشي أن يستفيد الانكليز من فكرته ببناء دولة لليهود في فلسطين. ولكي يسد الطريق عليهم دعا في عام 1807 إلى اجتماع السانهدرن وهو المجلس الكهنوتي الأعلى لليهود في أوروبا. وجعل الكهنة يتخذون قراراً يعلنون فيه أن اليهود ينتمون إلى قوميات البلاد التي يعيشون فيها وأن اليهودية هي دينهم فقط، ومع هزيمة نابليون Napoleon في "واترلو" ظهر خطر جديد يهدد الدول الاستعمارية، كان ذلك بروز نجم محمد علي وابنه إبراهيم باشا اللذين اندفعا في خطة جريئة لتوحيد المنطقة العربية.

وما أن وصلت جيوش إبراهيم باشا إلى الأناضول حتى هبت كل أوروبا الاستعمارية لحماية الرجل المريض ـ الدولة العثمانية من الخطر الذي شكله تحرك محمد علي. حتى فرنسا التي كانت حليفة لمحمد علي والتي قامت بمساعدته في تطوير جيشه وقفت إلى جانب الدول الاستعمارية في مؤتمر لندن عام 1840. انطلاقاً من قانون المصلحة الاستعمارية الذي يؤكد على المصالح المشتركة للدول الاستعمارية التي وإن كانت تتناحر فيما بينها، إلا أنها تتفق عند بروز عنصر غريب من شأنه أن يضعضع مصالح الدول الاستعمارية. وإذا كان التناحر هو سمة العلاقة بين الدول الاستعمارية، فإن العلاقة بين هذه الدول ومستعمراتها يحكمها قانون السيطرة (ثالث قوانين الاستعمار)، وتأخذ السيطرة أشكالاً مختلفة تتناسب مع طبيعة الدولة الاستعمارية والبلاد المستعمرة، ويلعب قانون المصلحة دوره في انتقاء شكل السيطرة الذي يضمن المصلحة القصوى. كما أن السيطرة قد تنتقل من شكل إلى آخر لتتناسب مع طبيعة المرحلة ولتضمن استمرار الاستغلال.

بعد أن ذهبت أحلام نابليون Napoleon أدراج الرياح، تبنّى ديزرائيليDasraeli رئيس وزراء بريطانيا ووزير خارجيته اللـورد سالزبري Lord Salisbury مشروع بالمريستون، فشجعا اللورد لورنس اوليقانت بالتفاوض مع الحكومة العثمانية حول أرض يمكن لليهود استيطانها ولكن الأحداث تلاحقت: ففي عام 1880 فاز حزب الأحرار في الانتخابات، وتولى غلادستون Goldstone محل ديزرائيلي Dasraeli. وفي عام 1881 وقعت المذابح المعادية لليهود في روسيا إلى أوروبا الشرقية والغربية مما سرّع في انهيار حركة اندماج اليهود في الأوطان التي يعيشون فيها. كما أن صدور قوانين أيار في روسيا عام 1882 والتي تضيق الخناق على حياة اليهود قد زادت في هذه الهجرة.

في هذه الأثناء ولدت الصهيونية سياسياً إثر سلسلة المذابح والقوانين الجائرة ضد اليهود في روسيا القيصرية. وكانت مشاركة اليهود في الحركات الثورية المناوئة للقيصر وللحكومة الروسية سبباً في تسليط الظلم عليهم والتنكيل بهم، وبرزت ظاهرة معاداة السامية في بلدانها خشية تدنّي مستوى المعيشة فيها. وبرزت بالتالي ضرورة حل هذه المشكلة خارج الأقطار الأوروبية الاستعمارية. وانسجاماً مع خطة الاستعمار بدأت الدول الأوروبية الاستعمارية تبحث عن حلول تخدم مصالحها، ومع تبلور الصهيونية اليهودية السياسية بعد مؤتمر بازل في سويسرا 1897 أخذت كل من ألمانيا وبريطانيا تتنافسان على استخدام موجات الهجرة اليهودية من روسيا كل لمصلحتها. فبريطانيا تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن نكبة فلسطين، فهي التي فتحت الباب على مصراعيه أمام هجرة يهود العالم إلى فلسطين، وسهّلت إقامة المستعمرات، وأمدّت العصابات اليهودية بالسلاح مقابل تحريمه على الفلسطينيين. وصادرت أراضي الفلسطينيين لصالح اليهود ومنحتهم مساحات كبيرة من أملاك الدولة، لاستيعاب المهاجرين الجدد في كل مرحلة(3). وكانت فلسطين المكان الأمثل لاستغلال موقعها الاستراتيجي العالمي، وتصاعدت أهميتها إبان الحرب العالميـة الأولى وفي نهايتها، حيث كـان التسابق بين غليوم الثانيGallium the Second وحكومـة لويد جـورجLoyed George على من سيتبنّى الحركة الصهيونية ويربط مصيرها على أرض فلسطين بسياسته. وكان الصهاينة اليهود قد توزعوا في جهتين أولاهما ألمانيا تسعى لوعد من غليوم الثاني Gallium the Second بوطن قومي في فلسطين تحت رعاية وحماية ألمانيا حليفة تركيا، وثانيتهما بريطانيا وتسعى للهدف نفسه تحت رعاية وحماية بريطانيا.

وتشكلت مراكز يهودية متبنية دعوة ليوبنسكرLiobansker في كتابه (التحرر الذاتي)، وظهرت منظمة "أحباء صهيون"، الداعية إلى الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. وبحث الصهاينة اليهود عن صهاينة بريطانيا أمثال (بالمرستـون وشافنسري وديزرائيلي وسالزبـري

, Saelzbry, Palmerston,Chavencry, Dasraeli).. فلم يجدوهم.

احتلت بريطانيا مصر، عام 1882 واستخدمت لسيطرتها أسلوب الاحتلال المباشر. فكان لا بد لليهود الصهاينة أن يبحثوا عن داعم جديد بعد أن أخذت حركتهم السياسية تتبلور باتجاه المؤتمر الصهيوني الأول، وبادر هرتزل Hrtzlبالاتصال المباشر بصادوق خان الحاخام الأكبر Bsadouk Khan the great Rabbi في تركيا معلناً أنه يعتبر نفسه وحركته صديقين للسلطان (وأنه مستعد لوضع الصحافة اليهودية في خدمة الدولة العثمانية وطلب أن يحضر مناقشات المؤتمر مندوب عن جلالة السلطان ليقف بنفسه على الأدلة الساطعة على التزام المؤتمر بهذا التعهد وأكد "أن اليهود المشتتين إذا نالوا الموافقة على توطن فلسطين فإنهم سيصبحون رعايا مخلصين لجلالة السلطان بشرط تمتّعهم بحماية مؤكدة ومضمونة"(4).

سعى هرتزل Hrtzl إلى التقرب من الإمبراطور غليوم Gallium لدعم مشروعه، وقد تحقق له اللقاء على رأس وفد صهيوني مع الإمبراطور في مدينة القدس التي كان الإمبراطور يزورها عام 1898. وقد أكد الإمبراطور للوفد الصهيوني أن "المساعي الصهيونية في فلسطين التي تحترم سيادة حليفته الدولة العثمانية تستطيع أن تعتمد على رعايته الكاملة" وقد ترجم الإمبراطور وعده بهذه الرعاية بتوثيق العلاقة بين المستوطنين والصهاينة والمستوطنين الألمان من جماعة هوفمان Houvman الذين بدأوا عام 1870 بإنشاء مستعمرات زراعية ألمانية في القدس وحيفا ويافا تنفيذاً لمشروع القائد العسكري الألماني مولتكه بجعل فلسطين مستعمرة ألمانية.

كانت أهمية فلسطين بالنسبة لبريطانيا تعود لاعتبارها بوابة مصر وقناة السويس، ولذلك فإن بريطانيا كانت تخشى من ولاء دولة اليهود لأعدائها وخصومها، ولذلك عمدت في عهد رئيس الوزراء سالزبري Saelzbryووزير المستعمرات تشامبرلين Chamberlainبتوجيه المؤتمر الصهيوني إلى أماكن أخرى للاستيطان واستيعاب تدفق المهاجرين اليهود من روسيا ورومانيا الذين كان معظمهم يتجه نحو بريطانيا والولايات المتحدة.

وكان تشامبرلين Chamberlain كغيره من الصهاينة الانجليز غير اليهود يحبّذ سياسة الحد من تدفق تيار المهاجرين اليهود إلى بريطانيا بسبب الكوارث التي تصيب الطبقة العاملة الانجليزية نتيجة الهجرة غير المقيدة"(5). وفي عام 1902 تشكلت اللجنة الملكية لهجرة الغرباء لتجد حلاً يضع حداً لهذه الهجرة غير المقيدة. واستمعت اللجنة إلى عدد كبير من الشهادات كانت أهمها شهادة هرتزل Hrtzl الذي قدم للجنة حلاً عملياً على أسس صهيونية، لقد قال في شهادته: "لا شيء يحل المشكلة التي دعت اللجنة لبحثها وتقديم الرأي بشأنها سوى تحويل تيار الهجرة الذي سيستمر بقوة متزايدة من أوروبا الشرقية، إن يهود أوروبا الشرقية لا يستطيعون أن يبقوا حيث هم، وأين سيذهبون؟. إذا كنتم ترون أن بقاءهم هنا غير مرغوب فيه، فلا بد من إيجاد مكان آخر يهاجرون إليه دون أن تثير هجرتهم له المشاكل التي تواجههم هنا. لن نبرز هذه المشاكل إذا وجد وطن لهم يتم الاعتراف به قانونياً وطناً يهودياً"(6).

بعد بضعة أشهر من شهادة هرتزل Hrtzl هذه استقبله تشامبرلين Chamberlain وكان هذا هو أول لقاء بين الصهيونية السياسية اليهودية والصهيونية الانجليزية غير اليهودية، وكان تشامبرلين Chamberlain يهدف من سيطرته المباشرة على الصهاينة اليهود بتوجيههم لخدمة الاستراتيجية الاستعمارية البريطانية من جهة، وإبعادهم عن بريطانيا من جهة ثانية، وعرض تشامبرلين Chamberlain على هرتزل Hrtzl استعمار السويس في سيناء. ولم يكن العرض مناسباً لطموحات هرتزل Hrtzl والصهيونية، لكن تشامبرلين Chamberlain عاد وعرض على هرتزل Hrtzl أوغندا عام 1902، ومع أن العرض أحدث إرباكاً وشق المؤتمر الصهيوني السادس إلا أنه لم يمت بشكل كامل إلا بموت هرتزل Hrtzl نفسه في العام التالي وبالتمسك بفلسطين وحدها في المؤتمر الصهيوني السابع.

أدت اتفاقية سايكس ـ بيكو Syxes – Pico المشهورة 1916 إلى تقسيم الوطن العربي بين الاستعمارين الفرنسي والبريطاني. فخضع المغرب العربي بأكمله للاستعمار الفرنسي، باستثناء ليبيا التي كانت خاضعة للاستعمار الإيطالي، والصحراء الغربية للاستعمار الإسباني. وأصبحت مصر تحت الحماية البريطانية بموجب معاهدة 1921، فيما أخضعت سورية ولبنان للاستعمار الفرنسي، والعراق للانتداب البريطاني.أما فلسطين، فقد عهدت إدارتها لقوة منتدبة هي بريطانيا يفترض أنها تعمل في سبيل إنشاء "وطن قومي لليهود".

لم يأت وعد بلفور تلبية لخطة الاستعمار على أرض فلسطين والمنطقة العربية فحسب وإنما كان رداً سريعاً على ثورة أكتوبر الاشتراكية.. الخطر الأعظم الذي اندفع يهدد الامبريالية ليس فقط في مستعمراتها وإنما في عقر دارها.. لقد حدّدت المراسلات بين بلفور والرئيس الأمريكي ولسون Wilsonالصيغة النهائية لوعد بلفور والتي اتبعها ولسون Wilson بإعلانه في آب 1918 ليس بالإشارة إلى وطن قومي يهودي في فلسطين وإنما بتأسيس دولة يهودية حيث قال "أعتقد أن الأمم الحليفة قد قررت وضع حجر الأساس للدولة اليهودية في فلسطين بتأييد تام من حكومتنا وشعبنا"(7).

 


 

وعد بلفور

عزيزي اللورد روتشيلد Rocheled the lord

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".

وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا التصريح"(8).

كان الدافع الاستعماري لبريطانيا حاضراً، بعد إصدارها ذلك الوعد المشؤوم وكانت الاستراتيجية الامبريالية البريطانية في الشرقين الأوسط والأدنى ترتبط قبل كل شيء بالثروات النفطية للدول العربية، وكـان تحويـل فلسطين إلى مستعمرة إنكليزية تعد، حسب كلام لويد جورج Lioyd George: "المصدر الاستراتيجي لمصر"، يساعد بريطانيا في توطيد مواقعها في هذه المنطقة من العالم. وهكذا، فقد أصبحت تقوية الخط العسكري ـ الاستراتيجي جبل طارق ـ السويس ـ الهند، وأصبحت فكرة تحويل فلسطين جسر بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، إلى طريق نحو الهند ـ أهم حلقات السياسة البريطانية في الشرق الأوسط: و هذا ما ساعدها على أن تبقى حتى قيام الحرب العالمية الثانية الدولة الاستعمارية الأساسية في الشرق الأوسط.

من هو روتشيلد Rothiled الذي تلقى الخطاب؟

"إسحق إكانان" Ishi Ikannan، ولقَب "روتشيلد" Rocheled يعني "الدرع الأحمر"، في إشارة إلى "الدرع" الذي ميز باب قصر مؤسس العائلة في فرانكفورت في القرن 16، وكان "ماجيراشيل روتشيلد" Majerachal Rothiled يعمل تاجر عملات قديمة ـ وعمل على تنظيم العائلة ونشرها في مجموعة دول، وتأسيس كل فرع من العائلة لمؤسسة مالية، وتتواصل هذه الفروع وتترابط بشكل يحقق أقصى درجات النفع والربح على جميع الجالية اليهودية في العالم كله، وكانت بيوت روتشيلد Rothiled تنضم مع سياسة البلاد التي تسكنها أثناء الحروب النابليونية في أوروبا، حتى كان الفرع الفرنسي يدعم نابليون Napoleon ضد النمسا وإنجلترا وغيرها، بينما فروع روتشيلد Rothiled تدعم الحرب ضد نابليون Napolean في هذه الدول، ولكنها في النهاية تهتم بمصلحة اليهود، وهذا يدل على الذكاء الذي يتمتع به اليهود.

لذا فقد أرسل أولاده الخمسة إلى إنجلترا، وفرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، والنمسا، وكان الرجال لا يتزوجون إلا من يهوديات حسب عادة اليهود، ولا بد أن يكنَّ من بيوتات ذات ثراء ومكانة، فمثلاً تزوج مؤسس الفرع الإنجليزي "نيثان ماير روتشيلد" Nathian Maior Rothiled من أخت زوجة "موسى مونتفيوري" Mousa Mountevuryالثري والمالي اليهودي، وزعيم الطائفة اليهودية في إنجلترا. بينما تسمح القواعد بزواج البنات من غير اليهود لزيادة أعداد اليهود وانتشارهم، ومن ناحية أخرى الديانة في اليهودية تنتقل عن طريق الأم، ووضع "ماجيراشيل روتشيلد" Majerachal Rothiled قواعد لـ "تبادل المعلومات في سرعة، ونقل الخبرات المكتسبة" من التعاملات والاستثمارات بين الفروع.

نشأ المشروع الصهيوني وتبلور داخل الحداثة الأوروبية. وكان في البداية نوعاً من رد الفعل الاحتجاجي على استثناء اليهود في أوروبا نوعاً من الاستثناء، من مجال تطبيق شعارات الحداثة والأنوار، شعارات الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والمواطن. فالصهيونية من هذه الجهة هي أول مجال مارست فيه الحداثة الأوروبية النقد ضد نفسها، وبالتالي فهي أول فصل من فصول نقد الحداثة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرتبط المشروع الصهيوني بالوجه الآخر للحداثة الأوروبية ارتباطاً مباشراً من حيث إنه قد أملته واقترحته الاستراتيجية التوسعية الاستعمارية، التي كانت هي الأخرى تمارس التوسع والاستعمار باسم التمدين والتحديث ونشر الحضارة، كما بينا ذلك في فقرة سابقة.

إذن العلاقة بين المشروع الصهيوني والحداثة الأوروبية علاقة مزدوجة متناقضة: فمن جهة كانت الحركة الصهيونية في أوروبا احتجاجاً على الحداثة الأوروبية المطبقة، أعني نقداً لها على عدم وفائها بمبادئها عند التطبيق، ومن جهة أخرى كانت جزءاً من الوجه الآخر للحداثة الأوروبية نفسها، وجهها التوسعي الاستعماري.


 

النازية واضطهاد اليهود

من المعروف تاريخياً أن المؤتمر الصهيوني الأول أمر بتشكيل منظمات يهودية سرية لتحقيق الأهداف الصهيونية، والتي اتسمت باستخدام العديد من النظريات لعل أهمها:

1 ـ نظرية التملك، 2 ـ نظرية المصالح الحيوية التي تعمل بها الولايات المتحدة، 3 ـ نظرية المجال الحيوي (النازية)، 4 ـ نظرية الحدود الآمنة (الدولة العبرية)، 5 ـ نظرية الأرض المحروقة. وتشكل هذه النظريات جوهر المنهج اليهودي المستوحى من التوراة والقائل سياسة "خطوة خطوة تأخذون الأرض لكي لا يتكاثر عليكم سكان الأرض"، والذي يعتبر الإرهاب ميزة جوهرية من ميزات الوجود اليهودي ومظهراً من مظاهر حياتهم، وأن بروتوكولات حكماء صهيون تشكل إحدى أهم العوامل في إذكاء نزعة الإرهاب "إن حقنا يكمن في العنف" البروتوكول الأول.

برزت في الحركة الصهيونية عدة منظمات إرهابية، حيث إن سجل هذه المنظمات يشكل جزءاً أساسياً من تاريخ الإرهاب. ولعل العلاقات التي ربطت الصهيونية بالنازية، والتي قامت على جثث وأشلاء آلاف اليهود الذين وقعوا في قبضة هتلر، ليست سوى نموذجاً للإرهاب الصهيوني. فإبان الحرب العالمية الأولى أسس أحد منظري الإرهاب الصهيوني (جابوتنسكي) Jabotenskyكتيبة عسكرية، حاربت إلى جانب الجيش البريطاني، الذي زحف إلى فلسطين عام 1917، لكن التحالف سرعان ما انقلب إلى عداء، بمجرد فرض الانتداب البريطاني على فلسطين، إذ احتج جابوتنسكي Jabotensky على ما اسماه "فرض القيود على الهجرة اليهودية". وشرع في إنشاء «حرس القدس عام 1920، ثم طالب السلطات البريطانية بالسماح بدخول أربعين ألف يهودي سنوياً إلى فلسطين ولمدة خمس وعشرين سنة. وفي عام 1937 أسس فلاديمير جابوتنسكي Vladimir Jabotenskyوابراهام شتيرن Abraham Shteeren منظمة (الأرجون) الإرهابية التي ضمت غلاة المتطرفين الصهاينة، واقتصر عملها في البداية على تهريب اليهود إلى فلسطين. وفي عام 1940 قررت قيادة "الأرجون" عقد اتفاق هدنة مع بريطانيا، بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية، لكن ابراهام شتيرن Abraham Shteeren رفض هذا القرار وانشق عن الأرجون، وأسس منظمة "شتيرن" Shteeren نسبة لمؤسسها.

وتشبث شتيرن Shteeren وأنصاره بالأفكار السياسية لجابوتنسكي Jabotensky الذي طرح فكرة إقامة دولة يهودية في كل الأراضي الفلسطينية بما فيها ضفتا نهر الأردن الغربية والشرقية. وكان جابوتنسكي Jabotenskyحاله حال النازيين، يرفض كل أشكال الحكم البرلماني منطلقاً من اعتقاده بأن إسرائيل يجب أن تكون «دولة قومية توتاليتارية»، وكان جابوتنسكي Jabotensky هو الذي قال: «ألمانيا لهتلر Hitler وإيطاليا لموسوليني Mussolini وفلسطين للصهاينة».

والمعروف أن مرحلة ما بعد استلام هتلر Hitler السلطة في ألمانيا تميزت بنشاط ملموس للمنظمات الإرهابية اليهودية، وذلك بالإفادة من أجواء العلاقة المميزة التي عقدتها مع أجهزة الغيستابو Gestapoوالأمن في حكومة الرايخ الثالث. وقد استخدمت النازية في العديد من الحالات (الهاغانا) EI Haganoh و (الوكالة اليهودية) كطابور خامس في الشرق الأوسط، حيث قدمت الشبكة اليهودية السرية خدماتها للنازية، وفي العام 1941 شرح زعماء «ليخي» Leekhiموقفهم من السلطات النازية في مذكرة خاصة نقلت من فلسطين إلى السفارة الألمانية في تركيا، وعبر أصحاب هذه المذكرة عن ارتياحهم الكامل لسياسة النازيين إزاء اليهود في ألمانيا، وأكدوا أن التعاون بين ألمانيا و«الأمة اليهودية الجديدة» يمكن أن تتطور، وتعهد قادة ليخي Leekhiبـ «المشاركة النشيطة» في الحرب إلى جانب ألمانيا، شريطة أن تعترف حكومة ألمانيا بـ «أماني الشعب اليهودي القومية» أو بالأحرى «تطلعهم إلى إقامة دولة يهودية داخل حدود تاريخية على أساس توتاليتاري قومي».

والملفت أن الصهاينة والنازيين وقفوا موقفاً واحداً على الغالب من مسألة مستقبل الجالية اليهودية في ألمانيا. وإذا وضع النازيون نصب أعينهم مهمة حل «المسألة اليهودية» حلاً نهائياً عن طريق طرد اليهود من «الرايخ الثالث» Uirich the third أو تصفيتهم الجسدية. فقد وجد الصهاينة العداء للسامية في ألمانيا ظاهرة موجودة ومفيدة تتيح توسيع قاعدة الحركة الصهيونية وزيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين. وهكذا فإن زعماء «ليخي» Leekhi عرضوا على السلطات النازية خطة تخليص أوروبا من اليهود وذلك بتهجير يهود أوروبا إلى ما بين النيل والفرات وراعت تلك الخطة طرد العرب من هذه المنطقة وتدمير مساجدهم. وقال روزنبرغ Rosenbergأحد منظري النازية «ينبغي تشجيع الصهاينة بشتى السبل» .

كانت البرجوازية الصهيونية تبحث في الثلاثينيات من القرن العشرين طريق التقرب من الفاشية. ويعترف وايزمنWhizman ، الذي التقى موسوليني Mussolini ثلاث مرات، أن الفاشيين الإيطاليين، وكذلك النازيين الحاكمين في ألمانيا، كانوا ضد بريطانيا، ولكنهم كانوا ينظرون بعين العطف إلى المخططات الصهيونية في فلسطين. فقد كان موسوليني Mussolini يعتقد أن بريطانيا كانت تنوي "استخدام اليهود في البحر المتوسط الشرقي بهدف القضاء على سيطرة إيطاليا على البحار المجاورة لها"(9).

ويمكننا على أساس "كرّاس الأوراق و الميكروفيلمات لوثائق أرشيف وزارة الخارجية الألمانية" الذي أصدرته الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1963، يمكننا التأكد من أن النازيين كانوا يفهمون الأطماع الصهيونية في فلسطين فهماً تاماً. حيث تدل وثائق الأرشيف على أن النازيين بدءاً من منتصف الثلاثينيات بدأوا هناك سياسة موالية للصهيونية، وفي 1937 ـ 1938 ظهرت لديهم خطة خاصة لتأسيس الدولة اليهودية(10) في فلسطين. وفي هذا الوقت كان الصهاينة في فلسطين يبذلون كل ما في وسعهم من أجل جذب المهاجرين من ألمانيا، وذلك بالتعاون مع الحكومة النازية.

وهذا الارتباط تؤكده وثائق أرشيف الغيستابو El Gestapo النازي، التي عثر عليها حديثاً، والموجودة في الأرشيف الحكومي في بوتسدام Potsdam. وأهم ما في هذه الوثائق، تلك التقارير التي كانت تقدمها "المنظمة الحكومية اليهودية في ألمانيا" إلى الغيستابوEl Gestapo ، والتي تدل على أن التروستات الصهيونية في فلسطين "كيرين هايسود" Karin Hysod و"كيرين كايمت لوازرائيل"Karin Kimeth Loutzreil، التي كانت تعمل "بصفة فرع المكتب الفلسطيني في برلين". كانت تشترك في جذب المهاجرين من ألمانيا(11).

إضافة إلى ذلك، فإن التقرير المكتوب على ورقة رسمية "للمكتب الفلسطيني في برلين" ومرسله إلى "المنظمة الحكومية لليهود في ألمانيا" لا تترك مجالاً للشك في وجود اتحاد سياسي بين الصهيونية وألمانيا النازية. وهي أن "المكتب الفلسطيني في بر لين" قد أسسته الوكالة اليهودية في فلسطين، وأنه كان في نشاطه على ارتباط وثيق بالأوساط النازية الحاكمة في ألمانيا"(12).

وهكذا لجأ الصهاينة إلى الإرهاب من أجل دفع اليهود إلى فلسطين تحت غطاء الخرافة القديمة، وإجبارهم على الهجرة إلى «أرض الميعاد»، والمثل الجيد على ذلك الأساليب التي استخدمها الصهاينة تجاه اليهود القاطنين في أوروبا الغربية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي إثارة الخوف من معاداة السامية في المجتمعات الغربية لإجبار اليهود على ترك بلدانهم، والذهاب إلى فلسطين.

في 2 أيار 1948 وقبيل الإعلان الرسمي عن قيام دولة الكيان الصهيوني قام القسيس (كلوستر) Closter من جيش الولايات المتحدة وهو صهيوني بإعداد تقرير سري إلى قيادة المؤتمر اليهودي الأمريكي، تحدث فيه عن فشل الدعاية الصهيونية بين الأشخاص المشردين من ذوي الجنسية اليهودية، واستخلص قائلا: «إني مقتنع أن الناس يجب أن يُجبروا على الذهاب إلى فلسطين ليحصلوا في المعسكرات على الطعام والملابس دون أن يسهموا في إعاشتهم. ولتنفيذ مثل هذا البرنامج يصبح من الضروري للطائفة اليهودية بصورة عامة أن تعكس سياستها بدلاً من أن توفر الراحة للأشخاص المشردين، يجب أن تجعل حياتهم أشد مما تكون شقاء. ويجب سحب إمدادات اللجنة الأمريكية المشتركة للتوزيع»(13).

كما نظم العملاء السريون الصهيونيون حرائق وتفجيرات في المعابد اليهودية لإيقاع الرعب في الطائفة اليهودية في العراق مثلاً لدفع الهجرة لأعداد لا حصر لها من آلاف اليهود في العراق باتجاه فلسطين. وقد أعطت هذه العملية ثماراً لحكام إسرائيل حيث هاجر عدد كبير من يهود العراق ووقعوا في الشرك الصهيوني المنصوب لهم في «الأرض الموعودة». ولا تزال الصهيونية واعية بالتناقض بين مصالحها ومصالح اليهود الدياسبورا.

ما هو مشترك بين الصهيونية والنازية: هو أن الصهيونية مثل النازية صادرة عن تصور أسطوري للواقع، «راديكاليتها مثل راديكالية النازية. هي راديكالية لا عقلانية فاشية لأن جوهرها الأسطوري زائف وغير حقيقي ولا يستند إلى تحليل موضوعي للواقع الاجتماعي أو التاريخي. ولذا فهي تتطلب من التابع والمؤيد تقبلاً لاعقلانياً وعاطفياً لمعطيات لا وجود لها إلا في مخيلة أحد الحالمين من أنصاف الأنبياء والكهنة»(14).

الصهيونية تلغي العقل وتقدس العاطفة وهي في هذا تشبه الفكر النازي والتيار النبوي واضح في الفكر النازي وضوحه في الفكر الصهيوني. فالنبي مثل السوبرمان Superman كلاهما يجسد مطلقاً. وصورة النبي العسكري (بن جوريون والفوهر) تسيطر على الوجدان اليهودي سيطرتها على الوجدان النازي.. وقد تأثر الصهاينة مثل النازيين بكتابات نتشه وبآرائهما المثالية في القومية والإرادة المطلقة. فالنيتشوية مثل الصهيونية هي ديانة علمانية أو لاهوت دون إله، وهي داروينية تسبغ نوعاً من الروحية والقداسة على قانون التطور. ومعاداة الفكر العلمي واحتقاره وتقديس الفعل يشكلان تياراً أساسياً في فكر النيتشوية والصهيونية، والفكر النيتشوي مثل الفكر الصهيوني سري فيه نزعة قوية من الفاثيزم وحدة (الوجود) حيث إن حدود الأشياء ومعالمها في الكتابات الصهيونية وفي فكر نيتشه يختفي ليحل محلها ضباب اللامحدود والمطلق. وتفكير نيتشه تفكير نخبوي، إذ إنه يرى أن حركة التطور الحقيقية لا بد وأن تؤدي إلى ظهور السوبرمان Superman وإلى ظهور أمة مختارة من هذا النوع من الرجال. ويسيطر على الصهيونية أيضاً تفكير نخبوي حول حياة جماهير اليهود في الدياسبورا إلى مجرد كوبوي يؤدي إلى ظهور السوبرمان Superman اليهودي والدولة اليهودية. فالصهيونية مثل النيتشوية تؤمن بفكرة الأمة المختارة(15).

فالصهاينة مشغولون بتصوراتهم المثالية الماسيحانية عن الدولة اليهودية والشعب المختار. وليس مصادفة أن ورثة المذاهب الفكرية والعنصرية والسياسية والحقوقية الفلسفية رسخوا أقدامهم في الكيان الصهيوني العنصري. فقد كانت الصهيونية الإيديولوجية الرسمية لهذا الكيان الذي تبنّى الأفكار القريبة من الفاشية التي شكلت الأرضية الموضوعية لتطور النزعات الفاشية التي تتقوى الآن منها.

خلق "إسرائيل" على حساب حقوق العرب

إسرائيل واقع استعماري. و قد أجمع المثقفون العرب من اليمين واليسار أن إسرائيل هي جزء من "الظاهرة الاستعمارية" الأوروبية. وقد تبنى هذا الموقف العالم الثالث على أوسع نطاق. ويحار المرء في الانتقاء من بين التأكيدات العربية. فها هو عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة" يحكي أفكاره كضابط في الثلاثين من العمر عند عودته من حرب فلسطين: "لقد كان ذلك كله على توافق طبيعي مع الرؤيا التي رسمتها في ذهني التجربة. (فالمشرق العربي) يشكل منطقة واحدة تعمل فيها الظروف نفسها والعوامل نفسها وحتى القوى نفسها المتألبة عليها جميعا. ومن البديهي أن تكون الامبريالية أبرز هذه القوى. ولم تكن إسرائيل ذاتها سوى نتيجة من نتائج الامبريالية"(16).

إسرائيل في نظر العرب قاعدة امبريالية أقامتها في الشرق الأوسط الامبريالية البريطانية بالاتفاق مع الامبرياليات الأخرى. وهي جزء من النظام الامبريالي العالمي. ونشاطها في العالم هو منذ وجودها مرتبط بالنشاط الامبريالي سواء أكان لمصلحتها الخاصة أو لحساب الامبرياليات الأوروبية والأمريكية. هذا هو على الأقل التصور الأكثر شيوعاً في الوطن العربي. ويشعر العرب من محيطهم إلى خليجهم بالمهانة جراء فرض عنصر غريب في قلب أمتهم تسانده قوى العالم الأوروبي ـ الأمريكي.

إن مأساة الشعب الفلسطيني كانت نتيجة لمعطيات وأهداف الاستعمار الأوروبي الذي خطط وباشر في تنفيذ خططه في الاستيلاء على المنطقة العربية، وفي إقامة إسرائيل، على أرض فلسطين. ومن هنا، فإن أوروبا لا تفهم قضية شعب فلسطين أكثر من غيرها فحسب، بل لا بد و أن تستشعر بما مارسته من أعماق المأساة للشعب الفلسطيني.

بدأت فكرة الكيان الصهيوني عندما كانت الامبرياليتان الفرنسية والبريطانية تصارعان من أجل اقتسام تركة الرجل المريض عامة بينهما، والوطن العربي خاصة، وترعرعت مع ازدياد النفوذ الاستعماري وقوته. وأعلن قيام "إسرائيل" بعد الحرب العالمية الثانية، وخروج الحلفاء منتصرين على المحور.

جاء قيام الكيان الصهيوني عام 1948 ضمن مخطط استعماري استهدف المنطقة كلها بما فيها فلسطين. وكان الوجود الصهيوني في فلسطين جزءاً منه، إذ قام المخطط الاستعماري على تجزئة الوطن العربي، وضمان تخلفه، و تنصيب فئات رجعية قيادات في كل "دولة" من دوله. وهدف الوجود الصهيوني الحفاظ على هذه الفسيفساء. وظل الكيان الصهيوني مرتبطاً بحركة الرأسمالية العالمية عندما كان مركزها في أوروبا، وأصبح جزءاً من المخطط الامبريالي الأمريكي حين انتقل مركز هذه الرأسمالية العالمية إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية.

فيما بين أيلول وتشرين الثاني 1947، بدأت الجمعية العمومية دراسة التقرير المقدم بشأن المسألة الفلسطينية، وقد أكدت هذه الدراسة من جديد الفرق المبدئي بين مواقف الدول الامبريالية الأوروبية والاتحاد السوفييتي. فتحت ستار الحل "المتفق عليه" (أي الحصول على موافقة العرب واليهود) راحت بريطانيا تحاول بشتى الوسائل التخلص من قرارات هيئة الأمم المتحدة. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أيدت من جانبها "مشروع الأكثرية" للجنة الفلسطينية، ولكنها استمرت تحاول الوصول إلى أية أسس "قانونية" بغية تنفيذ أطماعها الامبريالية في فلسطين في المرحلة الانتقالية، وهذا ما تجلّى ـ جزئياً ـ في الاقتراحات الأمريكية حول تأسيس قوات بوليسية في فلسطين عن طريق "التطوع".

في 29 تشرين الثاني 1947، و انطلاقاً من المبادئ الأساسية في النظام الداخلي، قررت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة بنسبة ثلثي أعضائها إلغاء الانتداب على فلسطين، وتقسيمها إلى دولتين منفصلتين: عربية ويهودية، مع الإبقاء على الوحدة الاقتصادية فيما بينهما. وقد صوتت إلى جانب المشروع 33 دولة، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي، والولايات المتحدة الأمريكية، وعارضته 13 دولة، وامتنعت 10 دول عن التصويت بما في ذلك بريطانيا. "وعندما انتفض الشعب الفلسطيني بثورته عام 1936، قمعت حكومة الانتداب البريطاني هذه الثورة بقسوة بالغة وحلت الأحزاب والتنظيمات والمؤسسات الفلسطينية على اختلاف أنواعها، كما سهلت دخول الفرقة اليهودية التي شاركت بالحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، والمدربة أحسن تدريب، سهلت دخولها إلى فلسطين للانضمام إلى العصابات اليهودية، التي لعبت دوراً مهما في اتخاذ الأمم المتحدة لقرار التقسيم وإعلانها السريع عن انسحاب قواتها من فلسطين بعد أسبوع من صدور قرار التقسيم لتفسح المجال أمام العصابات الصهيونية للاستيلاء على المزيد من المدن والقرى الفلسطينية، وبالفعل فقد أعلنت بريطانيا أنها ستنهي انتدابها على فلسطين في 15 آذار 1948 وأنها لن تمارس أي مسؤولية حتى آب 1948 ورغم مطالبة الأمم المتحدة لها بإبقاء انتدابها حتى يتم إيجاد حل للوضع الفلسطيني، إلا أنها جوبهت بالرفض البريطاني. الأمر الذي يؤكد تأمرها مع الصهيونية العالمية، وخاصة بعد أن سلمت معسكراتها الحصينة والعديد من أسلحتها إلى إسرائيل خلال انسحابها، كما سلمت اليهود استحكامات خط أيدن، وسكتت عن مجازر اليهود بحق الفلسطينيين أثناء انتدابها مثل مجزرة دير ياسين وغيرها"(17).

إن شعور أوروبا بالذنب والندم على ما اقترفته لاساميتها من مجازر وحشية بحق اليهود، جعلتها تقدم الدعم المكثف لإسرائيل التي باتت شرعية وجودها ناصعة البياض في مواجهة المطالب العربية الشرعية. ومنذ نهاية تشرين الثاني 1947، ازدادت حدة الإرهاب الصهيوني. وبعد صدور قرار التقسيم، اتخذت الصهيونية كل التدابير الكفيلة بإعاقة تأسيس دولة عربية فلسطينية، لكي يستولوا في المستقبل على الأراضي التي خصصتها هيئة الأمم المتحدة لهذه الدولة، وتشير صحيفة "نيويورك تايمز" New York Times إلى أن الإرهابيين الصهاينة قد هاجموا واحتلوا قبل 15 أيار 1948 ثمانية عشر مدينة و قرية عربية(18).

هكذا بدأ العنصريون الصهاينة تحت ستار "الدفاع عن النفس" اعتداءات مكشوفة: فقد كان الإرهاب موجهاً نحو التنكيل بالعرب أو طردهم. ففي 10 نيسان 1948 ذبح جميع سكان قريـة ديـر ياسين العربية، وفيما بعـد اعترف بيغين Bayginرئيس الـ"ايرغون نسفي ليومي"Argon Nesfi Liomi أن المجازر الصهيونية الدموية وما كان يرافقها من إشاعات مرعبة قد تمخضت عن هروب 650 ألف عربي وصل بهم الذعر إلى درجة الجنون(19).

وفي 14 أيار 1948 رفع قادة الصهيونية في واشنطن، على مبنى الوكالة اليهودية راية بيضاء ذات نجمة زرقاء سداسية، كمركز لتأسيس "دولة إسرائيل". وفي اليوم التالي، 15 أيار، بدأت الحرب العربية ـ الإسرائيلية، التي تمخضت عن احتلال إسرائيل لمساحات من الأراضي تزيد كثيراً عن تلك التي خصصت لها بموجب قرار التقسيم الصادر بتاريخ 29 تشرين الثاني 1947. وكان قادة "إسرائيل" يطمعون من وراء ذلك إلى تنفيذ عملية جديدة، بدأها الصهاينة في سنوات الحرب ـ "تصفية" الأراضي العربية من العرب، بغية تأسيس دولة يهودية، يمكن للصهاينة أن يوطدوا سيطرتهم فيها. وهكذا ظهرت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين وصل عددهم، نتيجة العمليات الأخرى في إسرائيل إلى 1.5 مليون شخص أو لاجئ (وفق الإحصائيات الرسمية لهيئة الأمم المتحدة).

وقد أصبحت سياسة الذبح الجماعية ضد العرب، السياسة الرسمية للدولة اليهودية الجديدة. وقد تحولت إسرائيل حال ظهورها إلى عش للعدوان والعرقية والحرب، ضد البلدان العربية. وما أن تأسست الدولة الصهيونية، حتى أعلن بن غوريون Gorionرئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية في الأيام الأولى لرئاسته، أن تأسيس إسرائيل ليس سوى بداية للنضال من أجل تأسيس الدولة اليهودية "من النيل إلى الفرات" ولم ينكر أن إسرائيل ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الهدف.

إن تشكيل "دولة إسرائيل" على أرض فلسطين العربية هو نتيجة لتطور يمكن إدراجه تماماً في حركة التوسع الاستعماري الأوروبية والأمريكية في القرنين التاسع عشر والعشرين للسيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الأمة العربية. فقد تم إسكان اليهود الصهاينة على أرض فلسطين من ناحية، وتم إجلاء السكان الأصليين أي الفلسطينيين الذين أجبروا بقوة السلاح الأوروبي على الارتحال، والتشرد من ناحية أخرى. وهذا ما نزل بسكان انكلترا الجديدة ودام طويلاً.

إن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، هو اقتطاع ظالم لأرض شعب فلسطين، حصل بقوة ودعم القوى الاستعمارية الأوروبية. فخلق إسرائيل إنما كان إهانة للعرب كشعب، فضلاً عن أن الدول الاستعمارية الأوروبية بررت وجودها كأداة قمع لحركة التحرر الوطني العربية، ثم إن وعي الطبيعة الاستعمارية لدولة إسرائيل هو البدء الحقيقي في يقظة الوعي الأوروبي من سباته العميق.


 

أوروبا والعدوان الإسرائيلي على العرب منذ التأسيس وحتى الآن

إن العالم المعاصر ما بعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت في عام 1945، هو عالم انتهت فيه لعبة التوازن الأوروبي، وبرزت فيه قوتان تمتلكان قدرات وإمكانات ضخمة وكونية الطابع، هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، لكي يؤسس نظاماًَ دولياً جديداً، هو النظام ثنائي القطبية، حيث سعت كل من الإمبراطورية الأمريكية الصاعد نجمها في فضاء السياسة العالمية، والاتحاد السوفيتي "الاشتراكي" إلى سد فراغ القوة، الذي تركه الاستعمار الأوروبي الآفل.

لكن النظام الدولي ثنائي القطبية سيشهد اندلاع الثورات القومية الديمقراطية، والتحررية الوطنية في العديد من بلدان العالم الثالث. وفي سياق نهوض الحركة الوطنية الديمقراطية المناهضة للاستعمار والامبريالية، شهد الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة من التطورات السياسية الثورية. فعلى نقيض هزيمة الجيوش العربية والأنظمة الإقطاعية والبرجوازية، في الحرب العربية ـ الصهيونية عام 1948، دشنت ثورة يوليو 1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، عهداً جديداً من الثورة السياسية. وقد اعتبرتها قوى حركة التحرر الوطني العربية نموذجاً وبداية للثورة العربية.

ففي أيلول قام قادة الثورة المصرية، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، بتوقيع معاهدة مع الدول الاشتراكية تنص على تقديم الأسلحة والذخيرة الحربية لمصر، وذلك على الرغم من العراقيل والعوائق الكثيرة التي وضعتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في وجه هذه الخطوة(20).. وقد تلت هذه الخطوة خطوات أخرى على طريق ترسيخ السيادة الوطنية والاستقلال للعرب، مما سمح بالتحدث عن حلول عصر "البعث العربي".

وتعد إسرائيل عضواً فعالاً في جميع العمليات الامبريالية المعادية للعرب. ففي عام 1952 صوتت إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة ضد منح تونس استقلالها. وبدءاً من عام 1955، عندما نوقشت القضية الجزائرية لأول مرة في الأمم المتحدة، بدأت إسرائيل تقاوم منح الاستقلال للجزائر ودعت فرنسا لعدم القبول بمعاهدة إيفيان 1962. كما ساعد الصهاينة الإرهابيين الفرنسيين في نشاطهم ضد الشعب الجزائري. وفي عام 1955 استطاع الامبرياليون الأنجلو ـ أمريكيون بالتعاون مع الأوساط الحاكمة في تركيا، تنظيم ما يسمى بحلف بغداد، الموجه ضد الاتحاد السوفيتي، وضد حركة التحرر الوطني العربية. وقد عبرت الأوساط الحامية في إسرائيل عن ترحيبها بهذا الحلف.

حين أعلن الزعيم جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس في 26 تموز 1956، بوصفه أول معركة في حرب قومية طويلة للسيطرة على مقادير وثروات الوطن العربي، لاسيما الامتيازات النفطية التي تمتلكها الاحتكارات الغربية، أدى ذلك التأميم إلى تفجير أزمة السويس، التي أخذت أبعاداً عالمية، لما للتأميم من مضامين استراتيجية. فقامت كل من القوى الاستعمارية الأوروبية التقليدية فرنسا وبريطانيا، إلى جانب إسرائيل، بحرب عدوانية على مصر، استمرت من 29 تشرين الأول ولغاية 6 تشرين الثاني من العام 1956. وكانت أول معركة بين النظام الإقليمي العربي والامبريالية الغربية والكيان الصهيوني، إذ تجمع الوطن العربي حول عبد الناصر، باعتباره رافعة للجماهير الشعبية العربية.

جاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، برهاناً جديداً على الدور الكبير الذي يلعبه الشرق الأوسط في خطط الامبريالية الأوروبية والصهيونية العالمية، وعلى مدى قوة التحالف العضوي بين الدول الأوروبية الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا) وإسرائيل، لجهة الاعتداء على أقوى الدول العربية، والإطاحة بالنظام الجمهوري في مصر، وضرب حركة الثورة العربية التي اشتد عودها في عدد من الأقطار العربية، لاسيما الثورة الجزائرية. ولقد أسهمت كل من فرنسا وبريطانيا مجتمعتين في تقديم الدعم التكنولوجي والعسكري لإسرائيل بما مكنها من بناء ترسانتها العسكرية النووية، بدءاً من بناء مفاعل ديمونة في صحراء النقب ووصولاً إلى صنع القنبلة النووية وامتلاك أكثر من 200 رأس نووي.

على الرغم من إن ألمانيا الغربية لم تشارك في إنشاء دولة إسرائيل أو في مشروعات غربية لتنظيم الدفاع عن المنطقة، أو في العدوان الثلاثي سنة 1956، فإنها أرادت أن تكفر عن ذنوبها بسبب مشاكل وعواقب ذكرى النازية، من خلال دفع تعويضات لإسرائيل. ولقد حرصت الدبلوماسية الألمانية الغربية طوال النصف الأول من الستينيات وحتى كشف النقاب عن صفقة الأسلحة الألمانية لإسرائيل سنة 1965، على الموازنة بين مصالحها لدى البلدان العربية، وبين الضغوط الأمريكية الإسرائيلية، كذلك تعمدت هذه الدبلوماسية عدم اتخاذ مواقف حاسمة تجاه العديد من المشاكل المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني.

وبعد أن تطورت أبعاد قضية تبادل التمثيل الدبلوماسي بين ألمانيا الغربية وبين إسرائيل ووصلت إلى أقصاها بالاتفاق على تبادل السفراء بين الدولتين، وبعد أن تكشفت أبعاد المساعدات العسكرية الألمانية لإسرائيل، دخلت العلاقات العربية ـ الألمانية مرحلة تأزم شديدة منذ سنة 1965(21).

وقبيل عدوان حزيران بأيام قليلة، أي في نهاية أيار1967، تم في واشنطن اللقاء بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس إسرائيل ورئيس وزراء بريطانيا، هذا اللقاء الذي وضعت فيه ـ حسب الاعترافات الوقحة للصحافة الإسرائيلية "الخطة المشتركة للعمل ضد مصر". و في تلك الآونة كتبت الصحف الغربية الكبرى وبكل صراحة، أن إسرائيل إذا ما خسرت الحرب فإن القوات المسلحة الأنجلو ـ أمريكية سوف تتدخل بغية "إنهاء الأمر لصالح إسرائيل"(22).

وقد استطاع الإسرائيليون نتيجة عدوان عام 1967، احتلال ما ينوف على 60 ألف كيلومتر مربع من الأراضي العربية الجديدة، أي أكثر بنحو 4 مرات من المساحة التي احتلتها إسرائيل عام 1948، والتي أقرتها هيئة الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني عام 1947، وأكثر بنحو 3 مرات من مساحة إسرائيل عام 1949، وفق الاتفاقيات المؤقتة حول الهدنة. وقد وجدت الدول ضحايا العدوان مصر، سورية، الأردن، وكذلك جميع شعوب الشرق الأوسط، وجدت نفسها أمام تجارب جديدة قاسية.

عقب هزيمة حزيران 1967، تبلورت سياسة فرنسا الجديدة بزعامة الجنرال شارل ديغول Charles de Gaulle، الذي استطاع تحت إلحاح المصالح القومية الفرنسية كما يدركها، أن يتخلّص من قيود السياسات الداخلية الفرنسية المؤيدة لإسرائيل، وينطلق في تنفيذ منهج فرنسي جديد نحو الصراع العربي ـ الصهيوني. ولقد بدت فرنسا مع هذا الدور كأكثر الدول الأوروبية اهتماماً وحرصاً على القيام بدور مستقل في عملية البحث عن التسوية جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. وقد ترافق مع هذا الدور الحظر الشامل على السلاح الفرنسي المرسل إلى الكيان الصهيوني ودول المنطقة في كانون الثاني/يناير 1969.

بداية التحول في الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية

ثبت بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، أن الحرب لا يمكن أن تحقق النصر للعدوان الصهيوني إلى الأبد، وكذلك فإن الأوضاع الاقتصادية العالمية لن تمكن من الاستمرار في تقديم العون الاقتصادي للصهيونية في فلسطين إلى الأبد، فضلاً عن أن التاريخ لم يعرف دولة عاشت على المساعدات الخارجية إلى الأبد.

ففي حرب تشرين الأول/ أكتوبر استخدم العرب سلاح النفط، إذ (قسمت منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول الدول الأوروبية إلى عدة فئات: الدول الصديقة وهي بريطانيا، فرنسا، بلجيكيا، الدول المحايدة، ألمانيا وهولندا خضعت لحظر كامل)، فتعرض أمن أوروبا الاقتصادي لخطر مباشر.

لقد أحدث الحظر النفطي هزة قوية في العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية بسبب بروز التباينات تجاه أزمة الشرق الأوسط. ولهذا، وانطلاقاً من اقتناع الرئيس الراحل جورج بومبيدو George Pombeedoبضرورة إبراز الهوية الأوروبية عقب هذا المناخ دعا إلى عقد مؤتمر قمة أوروبي قبل نهاية العام للتنسيق بين اتجاهات الدول الأوروبية في إطار التعاون السياسي.

وكان البيان الأوروبي الذي صدر في بروكسيل في تشرين الثاني/ نوفمبر 1973، أول مساهمة أوروبية حقيقية حول قضية تمس أمن أوروبا بدرجة كبيرة، كما كان بمنزلة "الميثاق الأوروبي" حول القضية الفلسطينية. لقد حث البيان إسرائيل إلى العودة إلى خط وقف إطلاق النار في 22 تشرين الأول/ أكتوبر (كما كانت تطالب مصر)، ثم نص على المبادئ السياسية للتسوية (عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، احترام سيادة واستقلال كل دول المنطقة وحقها في العيش في سلام داخل حدود آمنة ومعترف بها، الاعتراف بالحقوق المشروعة للفلسطينيين)، كما أعرب عن استعداد الجماعة الأوروبية للمشاركة في عملية السلام كما اعترف بأهمية الضمانات الدولية واقترح مناطق منزوعة السلاح(23).

في القمة العربية التي عقدت بالجزائر (26 ـ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1973) رحبت البلدان العربية بالبيان الأوروبي باعتباره "التعبير الأول عن فهم أفضل للقضية العربية". ولكن أعربت أيضاً عن أملها "في أن تعمل الجماعة الأوروبية بكل وسائلها من أجل انسحاب إسرائيل من كل الأراضي المحتلة، وإعادة حقوق الشعب الفلسطيني".

بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1979، وبالتالي معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، برزت من جديد مشكلة الحكم الذاتي للفلسطينيين، ومشكلة حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، والصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فتحركت الجماعة الأوروبية تدريجياً، حتى وصلت إلى المطالبة في بيان البندقية، حزيران/ يونيو 1980 بضرورة إشراك منظمة التحرير في أي مفاوضات.

لهذا رأت الجماعة الأوروبية أن الخطوة الإيجابية الأولى هي إعلان عن "حق تقرير المصير للفلسطينيين"، على أن تأتي بعد ذلك خطوة تالية تتمثل في المطالبة بالنص على هذا الحق في القرار 242.

وقد هاجمت إسرائيل بشدة بيان البندقية، واعتزام أوروبا الاعتراف رسمياً بحق "تقرير المصير للفلسطينيين". و اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية الدول الأوروبية بإهمال التشاور معها حول هذه المبادرة. وقد كانت المبادرة موضع خلاف جديد في العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية بصفة عامة، والعلاقات الأمريكية – الفرنسية بصفة خاصة، التي كانت تمر أصلا في ذلك الوقت بحالة من التوتر والقلق بسبب عدم التطابق التام بين وجهات النظر الأمريكية الأوروبية حول "أزمتي إيران و أفغانستان".

فالولايات المتحدة الأمريكية ومعها أوروبا لا تريدان السلام، ولا تؤمنان به، بل تريدان فرض الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وهناك فرق كبير بين السلام والأمان من جهة، وبين الأمن والاستقرار المطلوب من جهة أخرى.

فالأمن والاستقرار والسلام كمحددات يريدها الغرب، تتجسد في السياسة الدولية في عصرنا الراهن، عصر القوة المفرطة في عظمتها، عصر نظام أحادي القطبية، مثله في ذلك مثل الديكتاتور في الحكومات العالمثالثية، الذي يفرض الأمن والاستقرار بقوة المخابرات والبوليس والجيش، أي بفعل القوة. فالأمن غير الأمان، والاستقرار لا يعكس دائما حالة السلام.

إن الصهيونية كما وصفها المفكرون الصهاينة، هي كفكرة وكهدف: تحقيق إسرائيل الكبرى، وهي كأسلوب: ضخ اليهود (بالهجرة) إلى الداخل، والقيام بترانسفير للفلسطينيين خارج وطنهم الأصلي، عبر تهجيرهم إلى الخارج.

إن هذا يعني بالضرورة، أن إسرائيل هي صنو الحرب والعدوان والتمييز العنصري والاحتلال الاستيطاني. وما يجري في فلسطين بتأييد القوى الكبرى الأوروبية والأمريكية لهذا الذي جرى ويجري، هو في حقيقة الأمر، تكريس لكيفية المحافظة على المصالح الغربية، بالشروط التي تفرضها القوى الغربية، خدمة لمصلحة الاحتكارات الرأسمالية العملاقة، في تناقض كلي مع مصالح شعوب المنطقة.

إن الشعب الفلسطيني، باعتباره جزءاً من الأمة العربية، وبوصفه يمثل محصلة تاريخ وحضارة عريقة، يؤمن أن لا سلام في الشرق الأوسط، ولا مستقبل حضارياً إنسانياً للقدس، من دون تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، ومن دون العمل من أجل حل سلمي وعادل للصراع العربي ـ الصهيوني، عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بسيادة كاملة، وعاصمتها القدس الشريف.

إن السلام يرتبط بالعدالة، والعدالة ترتبط بالصدق والحقائق، ومن دون ذلك لا يتحقق السلام. والشعب الفلسطيني المتكون من المسلمين والمسيحيين، شعب يؤمن باليهودية، ويؤمن بالإنسانية، وبالسلام كمستقبل لهذا العالم.

 

الهوامش:

(1) د. ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية، ص107.

(2) د. خلف الجراد، الغرب والصهيونية واغتصاب فلسطين،دورية المناضل،ع363/364، دمشق

حزيران/ جوان 2008.

(3) د. سامي قنديل، نكبة فلسطين بل نكبة العرب، موقع ثوابت عربية.

(4) بيير ديستريا، من السويس إلى العقبة، ص66.

(5) د. ريجينا الشريف، الصهيونية غير اليهودية، مرجع سابق،ص151.

(6) المرجع السابق، ص152.

(7) د. محمود عباس، الوجه الآخر، ص230.

(8) مأخوذة من: ميلاد الصهيونية السياسية Naissance Du Sionisme Politique

تقديم إ. مانور، منشورات غاليمار ـ جوليار، باريس 1981،ص206.

(9) AMERICAN POLICY TWARDS PALESTINE, RIEDRICH. C.F , app.E,P.73-74

(10) "Hoover Institue Puplications.A.Catalog of files and Microfilms of the German foreign Ministry archives.1920-1945.Complited and edited by G.O.Kent Historical affice Department of state".Stanford,California,1966,vol.3,Serials72,1525-1526(of Microfilms).

(11) DZA-Potsdam.Reichsvreinigung der Juden Deutschlands.Geheime Staatspolizei Staadspolizeille Berlin(Acten Dr.Epstein,Oct.1938-juli1941)N.252,S.322

(12) Ibidem.S.90

(13) س

رج سيدوت، الصهيونية تعني الإرهاب، ترجمة عدنان برنية، جريدة تشرين تاريخ 9/4/1984.

(14) عبد الوهاب المسيري، نهاية التاريخ، دراسة في بنية الفكر الصهيوني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى حزيران 1979، ص114.

(15) المصدر السابق، ص119.

(16) مكسيم رودنسون، غسرائيل، واقع استعماري؟ ترجمة إحسان الحصني، منشورات وزارة الثقافة 1967، ص5.

(17) د. سامي قنديل، نكبة فلسطين بل نكبة العرب، موقع ثوابت عربية.

(18) هيئة الأمم المتحدة، التقارير العامة.قرار 16 أيلول – 29 تشرين الثاني 1947" نيويورك، 1947، قرار رقم 181، ص 72/82.

(19) A.Lilienthal.Thers goes theMiddle East.New york,1957,p.12.

(20) انظر:1،س.براتابوف."الاتحاد السوفيتي وأزمة السويس 1956" موسكو،ص66.

(21) نادية محمود محمد مصطفى، أوروبا و الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت، كانون الثاني/ يناير 1986، ص50.

(22) "The Economist"3-6-1967

(23) Politique Etrangere de la France ,(2eme semestre 1973),p171

 

 

 

 

الحداثــة الغربيــة: الوجــه الآخــر

 

العـرب والحداثـة الغربيـة

سادت في الثقافة الغربية عموماً نظرة توجّس للمنجز الثقافي العربي الإسلامي. ومع أن الغرب لم يخْلُ من مفكرين حاولوا، على قلّتهم، تقويم الثقافة العربية الإسلامية تقويما موضوعيا منصفاً أسفر عن بعض الاعتراف، ولو المحدود، بدور هذه الثقافة المؤثر في التطور الإنساني عموماً والنهضة الأوروبية خصوصاً، فإن النظرة الغربية للثقافة العربية الإسلامية ظلّت محكومة بتلك النزعة العنصرية الاستعلائية. نزعة المركزية الأوروبية التي دأبت على إنكار الدور البناء لتلك الثقافة، ورأت في العرب والمسلمين بشرا همجيين على الغرب المتقدم أن يقوم بمهمّة إنسانية هي مهمّة تمدينهم وتحضيرهم من خلال استعمار بلادهم ونهب ثرواتهم وعرقلة تطوّرهم الذاتي!. وبذلك انخرطت الثقافة الغربية، وفي تناقض صارخ مع مبادئ الحريّة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان التي قامت عليها، في خدمة مشروع استعمار الدول العربية والإسلامية، وتقديم ما يحتاجه هذا المشروع، الذي دمّر هذه الدول ومزّقها وعمل على تأخيرها وتخليفها، من مبررات إيديولوجية تضفي عليه الشرعية وتمكنه تحت غطائها الزائف من ارتكاب أكثر الممارسات انتهاكا لحقوق الإنسان والشعوب. ومن الحكم المطلق بالعقم الفكري والفنّي عليهم واعتبارهم مجرّد شرّاح ومقلدّين للغير "الغربي" ممّا يستوجب فرض الحضارة عليهم بطلقات المدافع.

كانت الثقافة الغربية عموما تتعامل مع العرب المسلمين كبشر من الدرجة الدنيا يعيشون خارج التاريخ والحداثة والحضارة ما يفقدهم أيّة قيمة ذاتية، ويجعلهم موضوعا للتدخل الأجنبي في أكثر صوره عنفاً. وحتى عندما أخذت بعض أصوات المثقفين الأوروبيين بالتعالي ضدّ الممارسات الاستعمارية الغربية في الغرب الماضي، فإنها كانت أقرب إلى الاستثناء منها إلى القاعدة، كما أنها كانت تندرج في سياق الاعتراض الأخلاقي أكثر منها في سياق التصحيح المعرفي والقطع مع النزعة المركزية الأوروبية.

وإذ أحْيت نهاية الاستعمار القديم وصعود الدول المستقلّة إلى المسرح الدولي الآمال في إعادة الاعتبار السياسي والثقافي لها، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الدولية المتكافئة بينها وبين الدول المتقدمة في إطار الحوار البناء، بمختلف أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، فإن استمرار الاستعمار بأشكاله الجديدة قد أضعف هذه الآمال، وأثبت أن الغرب الذي استعمر المنطقة العربية ذات الموقع الاستراتيجي والأهميّة الاقتصادية البالغة، وكان مسؤولا عن إقامة الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين، لا يريد لها التحرّر والوحدة والنهوض بل يريد لها على العكس تماما، وكما تقضي مصالحه ومصالح ربيبته "إسرائيل" أن تبقى فريسة التخلّف والضعف والتبعيّة والاستبداد، نافياً أية مسؤولية له عن هذا الوضع ومُخفياً هدفه الحقيقي بما يقدمه لدولها من مساعدات مزعومة هي، في حقيقتها، إحدى وسائل التحكم بقرارها السياسي، ومروّجاً لفكرة أن معاناة المنطقة العربيّة الإسلامية تعود جوهريا إلى أسباب ذاتية تتعلق بسيطرة الثقافة التقليدية المضادة للحداثة والمعرقلة للتقدّم.

لقد تجلّى دور الاستعمار الجديد في عرقلة تقدّم الدول العربيّة المستقلّة ودخولها الحداثة من مدخل الاستقلال الفعلي والوحدة السياسية والنهوض الاجتماعي والاقتصادي، تجلّى بقوّة في فشل تجارب التحديث التي خاضتها هذه الدول في إطار التبعيّة المطلقة للغرب والانخراط الجارف في تقليد أنظمته السياسية والثقافية والاقتصادية تقليدا أعمى أطاح بالخصوصيات الذاتية وخنق كل إمكانيات الإبداع التي تنطوي عليها، بل أكثر من ذلك فقد "فصلت تجارب التحديث الحداثة عن جذورها (أوروبا الأزمنة الحديثة)، واعتبرتها كنموذج عام لعمليات التقدّم الاجتماعي غير معني بالإطار الفضائي ـ الزمني الذي يطبّق فيه"(1).

مع انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة بهزيمة الشيوعية ولأن الغرب لا يعيد إنتاج تفوّقه إلاّ من خلال الاصطدام مع الآخر، تمّ استبدال هذه الأخيرة بالإسلام ليكون العدوّ الإيديولوجي الجديد للحضارة الغربية بقيادة الولايات المتحدة. وتمّ إطلاق النزعة الإيديولوجية القديمة المعادية للإسلام في الثقافة الغربية من عقالها ليبدأ هجوم سياسي وثقافي منظم عليه. ثمّ وقعت أحداث سبتمبر 2001 فكانت فرصة ثمينة استغلتها الولايات المتحدة لتكريس فكرة الصراع الحضاري ضدّ الإسلام حتى أصبحت الكتابة ضدّ العرب والمسلمين والتحذير من خطرهم على الحضارة الغربية موضة يتبارى فيها كتاب وإعلاميون من كل المستويات بمن فيهم المدّعين والباحثين عن الشهرة بكل الوسائل. ووصل الأمر بحرية التعبير المزعومة في الغرب المتحضّر إلى حدّ السّخرية من الإسلام والرسول الكريم وكل ذلك في ظلّ عدوان أمريكي سافر تمثل في احتلال العراق، وفي ظلّ انطلاق محاولة أمريكية صهيونية متعددة الأساليب العسكرية والسياسية، وبغطاء دولي وتواطؤ عربي رسمي، للقضاء على كل أثر لمقاومة مشروع إخضاع المنطقة وتفكيكها وتذويب هويتها القومية والثقافية.

ومع أن العرب كانوا، ومازالوا، يتعرّضون لعدوان الحداثة الغربية من خلال وجهها الاستعماري الصهيوني فإنّ مثقفي الغرب لا يتورعون عن قلب الحقيقة وتزوير الواقع ليصبح الضحيّة متهما ويوضع الإسلام، دينا وثقافة، في قفص الاتهام لتلحق به تهم التعصب والعنف والإرهاب. ولا عجب فهؤلاء المثقفون ينحون منحى حداثتهم التي انقلبت على مبادئها في تعاملها مع الآخر: العربي الإسلامي فإذا بهم يكرسون العقل والمعرفة لخدمة السلطة وأهداف الهيمنة.

ليس أسهل على المثقف الغربي، اليوم، من أن ينطلق في تناوله موضوع العلاقة بين المنطقة العربية الإسلامية والحداثة الغربية من المنطلق الغربي العنصري التقليدي الذي يعتبران البنية العقلية العربية الإسلامية معادية للتقدم والحداثة وأن أصحابها يشكلون بالتالي الخطر الأكبر على حضارة الغرب. إذ بدلاً من التساؤل عن أوجه الخلل والقصور في الحداثة الغربية نفسها التي تجعل غير الغربيين بل وحتى الغربيين أنفسهم ينتقدونها، ويرفضون بعض منطلقاتها والكثير من تجلياتها العملية التي جعلت «صورة قرننا التي يقدمها الإحصاء متناقضة تناقضا مكشوفاً مع الصورة التي أعدّها المفكرون والكتاب الكبار من تومس مان إلى سارتر، هذا الانفصال بين الوقائع والمعنى، بين الاقتصاد والثقافة يعرّف أفضل تعريف أزمة الحداثة»(2)، بدلاً من ذلك يتهم العقل العربي الإسلامي بالعجز البنيوي عن تقبل هذه الحداثة باعتبارها الخيار الحضاري الأفضل الذي ينبغي على الإنسانية جمعاء اعتناقه..

ولو أن أصحاب هذا الموقف من مثقفي الغرب وأتباعهم في البلدان العربية والإسلامية تحرروا لبرهة من العنصرية المتكبّرة التي ترفض الآخر لاكتشفوا أن الحقيقة هي غير ما يعتقدون. لكن أنّى لهم أن يفعلوا ذلك ويطعنوا في دعوى تفوقهم وأفضليتهم الحضارية؟. مع ذلك ينبغي علينا، نحن العرب، أن نعمل على توضيح الحقائق لهم يشجعنا أنّه؛ في مقابل ما يروّجه دعاة صراع الحضارات في الغرب من أنّ المسار الحضاري الغربي هو المسار الوحيد الجدير بالاحترام والاقتداء، يوجد تيار إنساني، بكل ما تحمله كلمة إنسانية من معاني التعدّد والتنوّع والتقارب والتعاون، يرفض هذا الزعم ويؤمن بضرورة حوار الحضارات بدلاً من صدامها الذي يهدّد بحروب طاحنة لا تبقي ولا تذر.

إن القول بأن العقل العربي الإسلامي يرفض الحداثة الغربية لأنّه، بحكم تكوينه، عقل غيبي مضاد للحداثة والتقدّم عموما، هو قول عنصري بامتياز. ولا أعتقد أن أي باحث يتمتع بقليل من الموضوعية يمكن أن يحمله على محمل الجدّ. ثم أنه قول تعميمي يعتبر أنّ للفكر العربي الإسلامي موقفا وحيداً من الحداثة الغربية هو موقف الرفض والمقاطعة. مع أن في هذا الفكر أكثر من موقف غيره ولاسيما الموقف الداعي إلى تبني هذه الحداثة والسير في ركابها والنسج على منوالها، والموقف التلفيقي الذي يسعى إلى المواءمة بين التراث العربي الإسلامي والحداثة الغربية، ويؤمن بإمكانية الاستفادة من الجوانب الايجابية في هذه الأخيرة.

هذان التعدّد والاختلاف في النظر إلى مسألة الحداثة داخل الفكر العربي الإسلامي يكفيان لتأكيد خطأ القول بأن العرب والمسلمين يعادون الحداثة. وإنّما يتمّ تجاهلها عمداً والاقتصار على إبراز بل تضخيم موقف الرفض بهدف تأجيج المشاعر وتأليب الرأي العام ضدّ الثقافة العربية الإسلامية وإذكاء نار صراع الحضارات، وهو ما تستلهمه الدوائر السياسية الغربية الحاكمة لوضع وتنفيذ استراتيجيات الهيمنة والعدوان على المنطقة العربية الإسلامية.

وعلى عكس ما تروّجه تلك الأوساط فإن الثقافة العربية كانت شديدة التفاعل مع الحركة الثقافية العالمية في سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، ولذلك فقد كان عليها أن تعيش نكسة تلك الثقافة (العالمية). حيث انتهت الماركسية ـ في طبعتها المُسَفْيتة ـ إلى انحطاط شامل، وتحوّلت "الثورة الثقافية" الصينيّة إلى ثورة مضادة وقمعية، وتصالحت الماركسية مع الليبرالية في أدبيات الشيوعية الأوروبية .. وانتهى الأمر إلى تسطيح الأفكار وتشوّه القيم. وتحوّل المثقف إلى "خبير" يبيع خبرته للدولة أو للشركات أو لمؤسسات علمية أو لمؤسسات مرتبطة بالاستخبارات(3).

وحتى مع إقرارنا بوجود موقف فكري عربي إسلامي يرفض الحداثة الغربية فإنّه لا يمكن قبول التشويه الغربي لهذا الموقف والذي يتمثل في اعتباره رفضاً مطلقاً محملا بمعاني الكراهية والحقد الأعمى. وإذا استثنينا قلّة قليلة جعلها الوجه الاستعماري القبيح للحداثة الغربية تتخذ موقفا عدائيا متطرفا من هذه الحداثة بمختلف وجوهها بما فيها الوجوه الايجابية. فإن تيار الرفض عموما هو ذلك التيار الذي يقوم على نقد الحداثة الغربية نقدا جذريا يشمل بعض الأسس الفلسفية التي قامت عليها، ويتركز، بشكل خاص، على تطبيقاتها العملية العنيفة في البلاد العربية والإسلامية ولاسيما الاستعمار والصهيونية، والذي يعتقد دون أي انتقاص من قيمة هذه الحداثة ولا من دورها التاريخي في التقدم الحضاري الهائل الذي أنجزه الغرب، وتأثيرها الحاسم في صياغة المشهد الحضاري العالمي المعاصر، أن الحداثة الغربية ـ بوجهها الاستعماري والصهيوني ـ قد ألحقت أفدح الأضرار بالعرب والمسلمين وحالت دون تحقيق مشروعهم القومي النهضوي وحداثتهم الخاصة. وإن هذه الحداثة الغربية ـ حتى في وجهها التنويري الأوروبي ـ هي بنت بيئتها الأوروبية أساساً ولا يجوز الزعم أن ما قامت عليه من تصوّر فلسفي معين للكون والحياة والإنسان وما أنتجته من أفكار وقيم يجب أن ينشر كما هو دون تأصيل ولا توطين طوعاً أو كرهاً في البيئات الأخرى مهما كانت مختلفة اجتماعياً وثقافياً.

طبعا لا يكلّف مثقفو الغرب اليوم أنفسهم، للأسف، عناء التساؤل حول مضمون الحداثة التي يعارضها العرب والمسلمون لأن الإجابة الموضوعية على هذا التساؤل تقول: إن العرب والمسلمين ليسوا ضدّ الحداثة بإطلاق، ولا ضدّ الحداثة الكونية بقيمها الإنسانية العالمية السامية التي يشترك البشر جميعاً في صنعها واحترامها والنضال في سبيلها. ولكنّهم ضدّ تلك الحداثة العدوانية في وجهها العولمي المُأَمْرك الراهن الذي يستهدف الهوية الثقافية العربية الإسلامية بمختلف الأساليب بما فيها أساليب العدوان العسكري والاستعمار المباشر.

ونشير هنا إلى ذاك التجنّي المخجل على الإسلام وأهله إذ «لا تكاد تذكر لفظة Modern في مجال التداول الغربي إلاّ وتذكر في مقابلها لفظتان إما لفظة "Traditional" أو لفظة "Oriental" . وكثيرا ما تستبدل لفظة "إسلام" مكان لفظة "Oriental". كما ورد في أحد عناوين كتب Bernard Lewis»(4). بل أن برنارد لويس لم يكف منذ أكثر من نصف قرن عن الدعوة إلى محاربة الإسلام والمجاهرة بحق الغرب في حرب استباقية ضد المسلمين كخطر قائم أو قادم. وبلغ تحريضه الأوج زمن القوّة السوفياتية عندما طلع علينا بنظرية تساوي بين الإسلام والشيوعية "الخبيثة" التي تسعى إلى تقويض الديمقراطية الغربية، واجتهد في مقالته إلى إظهار تماثل الإسلام والشيوعية في الوسائل والأهداف. والقصد واضح دون ريب(5).


 

الحداثـة بيـن التنويـر والاستعمـار

تحت غطاء التنوير وشعاراته العقلانية والإنسانية البراقة غالبا ما تقدم الحداثة الأوروبية نفسها في صورتها الإيجابية والمثالية.

والحق أن التنوير قد شكّل إحدى اللحظات الحاسمة في تاريخ الحداثة بما أعلاه من قيم الحرية والمساواة والعدالة، وما قرره للإنسان من حقوق. وهو وان اعتبر رائداً في هذا المجال الذي استعاد الإنسان الأوروبي بموجبه إنسانيته وكرامته، وتغيّرت بموجبه صورة هذا الإنسان جذريا، فإن انجازه كان مساهمة إنسانية تجاوزت الفضاء الثقافي الأوروبي إلى الفضاء الثقافي العالمي. وهو ما كان ليحقق ذلك لولا أنّه كان ثمرة تطوّر في سيرورة الحداثة وهي سيرورة طويلة ومعقدة يصعب تحديد مراحل تطوّرها بدقّة. لكن هذا الانجاز الحداثي التنويري لا يعني مطلقا أنّه هو "الحداثة" بل أن محاولة ربطه بالحداثة على هذا النحو يوقع في ما يُسمى فكرة الاقتطاع «أو الاجتزاء التي روّج لها الغرب في مرحلته الاستعمارية الكبرى وكأن التاريخ هو سلسلة مراحل متقطعة.. بل كأن الحداثة التي لا نعرف لها تاريخاً ولا تحديداً من صُنع جهة واحدة طلعت من العدم وليس من التراكمات التاريخية.. ونظنّ أن الغرب في بعض مراحل قوّته وهيمنته اتبع عبر سياسته الاقتطاع هذه نوعاً من مصادرة التاريخ وانجازات الحضارات الأخرى تماما، كما كان يصادر ثروات البلدان التي كان يسيطر عليها بالقوّة وبالتفوّق أو بالغزو»(6).

ودون الوقوع في مطبّ طمس أهمية هذا الانجاز الحداثي الأوروبي، بإعادته إلى أصول إسلامية كما يحلو للبعض أن يفعل، مقتفيا آثار المركزية الأوروبية في إقامة مركزية إسلامية بديلة تثير السخرية أكثر مما تفيد الحقيقة، فإنّه يمكن الإشارة إلى وجود إرهاصات بقيم التنوير في الحضارة الإسلامية، وربّما وجدت في غيرها من الحضارات، ذلك أن نضال الإنسان ضدّ العبودية والظلم ومن أجل الحريّة والعدالة والمساواة نضال يرقى إلى أقدم الأزمنة ولا يقتصر على عرق دون آخر أو ثقافة دون أخرى.

والإسلام الذي حضّ على استخدام العقل والاهتداء بآيات الكون قد أعلى قيمة العدل وجعل منها أساس الحكم. قال تعالى: «وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل»(7) و«إن الله يأمر بالعدل والإحسان»(8). وأعلى الإسلام قيمة المساواة قال تعالى: «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم»(9). وأعلى الإسلام أيضا قيمة الحرية قال تعالى: «وقل الحق من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»(10). وقال تعالى: «أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين»(11).

كما كرمّ الإسلام الإنسان وشدّد على حقوقه ولاسيما حق الحياة «ولاتقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما»(12) «ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق»(13) «انّه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جمعيا»(14).

تلك بعض القيم الإنسانية التي نجدها في الإسلام، والتي لم تتحول إلى حقوق الإنسان بالمعنى المعاصر، إلا في القرن الثامن عشر بنتيجة التطوّر الاقتصادي الاجتماعي السياسي الثقافي الذي بلغته الحضارة الأوروبية الحديثة. ولا يشكل الاختلاف بين مرجعية العقل التي تأسست عليها حداثة التنوير والمرجعية الدينية الإسلامية أي عائق في وجه تأصيل وتوطين حقوق الإنسان بمعناها المعاصر في الثقافة العربية الإسلامية. بل أن هذه الثقافة تقدّم تربة خصبة لذلك حتى ليمكن القول أنّ الوجه التنويري للحداثة الأوروبية هو، عموما، وجه مقبول إسلاميا، وأن الاعتراض الوحيد الذي غالبا ما أثير حول هذا الوجه هو أساسه العلماني المعادي للدين. مع الإشارة إلى أن ثمّة بين المفكرين العرب البارزين من أكّد أن العلمانية في الفكر الأوروبي الحديث لم تكن تعني لدى فلاسفة هذا الفكر الاستغناء عن الدين كدين، بل فقط التحرر من سلطة الكنيسة وطقوسها. «لقد بنوا معقولية حقوق الإنسان باعتماد العقل وحده فعلاً، ولكن لا ضدّاً على الدين بل ضدا على الفهم الذي تفرضه الكنيسة وما يرافقه من طقوس. لقد احتفظوا بالدين وأزاحوا تقاليد الكنيسة وسلطتها وأحلّوا محلّها العقل وسلطته»(15).

فما هو مؤكد أن الحداثيين في العالم العربي الإسلامي، بمختلف اتجاهاتهم الليبرالية والماركسية، هم من حمّلوا العلمانية مضمونا معاديا للدّين، ووجهوا باسمها نقدا عنيفا للإسلام الذي اعتبر في نظرهم عائقا قويا في وجه التقدّم. ولا شك أن هذا النوع من الحداثيين العرب هو الذي ساهم من خلال هذا الموقف السلبي من الدين في بروز ردّة الفعل الثقافي المقاوم للحداثة باعتبارها دعوة لاستبعاد الدين فلا إلاه يعلو على الطبيعة، ولا مصير خارج الأرض ولا قيم إلاّ ما يصدر عن الإنسان(16).

وقد أدّت هذه النظرة التي أنشأت قطيعة نهائية بين الأرض والسماء بأصحابها أنفسهم إلى خوض صراع روحي مع الفراغ حتى لجأ بعضهم من رواد الحداثة الشعرية، على سبيل المثال، إلى احلال الشعر الذي أصبح ميتا فيزيقيا العصر الحديث مكان الدين(17).

لقد كان طبيعيا في البيئة الأوروبية، ذات الخصوصية الثقافية التي تمخضت عن فكر الحداثة العقلاني والإنسانوي، أن يقود هذا الفكر في إحدى نتائجه القصوى إلى موت الله. ذلك أن الإنسان بات، مع العقلانية، مصدر المعرفة ومرجعها بل النص المقدّس؛ لأنّه وحده يملك أداتها العقل، ومع الإنسانوية بات الإنسان وحده من يصنع ويقرر مصيره ويرسم إطار الحريّة والسعادة بعد أن عرضت عليه الميتا فيزيقيا المسيحية طريقا آخر(18). وكان من الصعب في هذه البيئة الثقافية التي شهدت صراعا مريراً بين العقل والكنيسة أن ينجو الدين من تأثير هذا الصراع الذي انتهى بانتصار العقل والعلم، حتى وان لم يكن الصراع في بدايته موجها ضدّ جوهر الدين بل ضد الممارسات الكنيسة. فلم يلبث هذا الجوهر أن أُخضع بدوره لنقد عنيف كان الإلحاد أحد نتائجه الطبيعية.

نحن هُنا أمام جوانب الخصوصية الثقافية في الحداثة الأوروبية التي أريد لها، تحتد غطاء الحداثة الكونية، أن تغزو الثقافات الأخرى ولاسيما الثقافة العربية الإسلامية، ولكنها أخفقت في ذلك إخفاقا ذريعا لأنّ لهذه الثقافة الأخيرة أيضا خصوصيتها المقابلة التي تقوم، بعكس الثقافة الغربية، على التناغم بين العقل والدين وبين الله والإنسان. وهو ما يتجلّى بشكل خاص في تمجيد الإسلام للعقل وتكريمه للإنسان.

وهكذا فإن اشتراك الثقافات في الإيمان بقيمة العقل وإنسانية الإنسان لا ينفي تعدّد تصوّراتها ونظراتها إلى الكون والحياة. والخطأ كل الخطأ في محاولة توحيد هذه التصوّرات، ولاسيما من خلال محاولة فرض تصوّر الثقافة الأقوى (بمعنى القوّة السياسية والعسكرية والاقتصادية لحاملها) على الثقافة الأضعف. والحداثة الأوروبية ذاتها تقدم مثالا حيّا على أن العقلانية والإنسانوية التي صنعت نهضة الإنسان الأوروبي وتقدمه هي ذاتها التي صنعت الإنسان غير الأوروبي، وذلك من خلال السلوك الاستعماري الذي مارسته تلك الحداثة ولاسيما ضدّ العرب الذين عانوا منه الأمرين ومازالوا يعانون آثاره المدمّرة حتى الآن.

ونشير هنا إلى أن الافتراء المخجل بأن الاستعمار هو أحد العوامل الأساسية لنقل أساليب الحداثة الأوروبية للبلدان المتخلفة لم يمارسه مفكرو اليمين ومنظرّو الاستعمار فقط، بل ان الكثير «من المفكرين اليساريين، ومن بينهم كارل ماركس، كانوا يرون أن الاستعمار عملية حتمية ضرورية، وأنّه يقوم بدور تخريبي وتجديدي. يخرّب ويهدّم النظام المتأخر، ويزرع بذرة التجديد والتحديث»(19).

إن أخطر ما في الحداثة الأوروبية أنها حداثة تمنع حداثة الآخر لأنّها، في وجهها الاستعماري، لم تكتف بالقضاء على فرص التحديث الذاتي أمامَ هذا الآخر المستعْمَر، والعمل على تحديثه بالأسلوب الذي يكرّسه عبداً في خدمة المصالح الاستعمارية، بل وعملت على أن يقف تحديثه عند هذا الحدّ الذي لا يوصل إلى النموذج الأوروبي الكامل، ومنعت عنه امتلاك معظم المقومات الصناعية والتكنولوجية لهذا النموذج. فلا هو يستطيع دخول عالم هذه الحداثة ولا هو يبقى قادراً على تطوير حداثته الخاصة ما يبقيه في وضعية التبعية للأبد.

والمشكلة أن هذا هو حال العرب منذ أن عرفوا الاستعمار وحتى اليوم. فقد كان النموذج التحديثي الاستعماري كان وما يزال المدخل الرئيسي إن لم يكن الوحيد الذي انخرط الوطن العربي بواسطته ومن خلاله في الحداثة المعاصرة(20). وبما أن الاستعمار قد فصّل هذا التحديث على مقاسه ولخدمة مصالحه التي كانت تتناقض مع مصالح الدول العربيّة المستعمرة يتأكد كم أنّ الإبقاء عليه كان يشكّل جريمة كبرى في حق الشعب العربي.

لقد غرس الاستعمار في الأقطار العربية التي احتلها بنى الدولة الأوروبية الحديثة، أي مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والسياسية والثقافية، بهدف تحويل هذه الأقطار إلى بلدان متممة لمركزه، وكرّس ذلك على الصعيد الاقتصادي بربط اقتصاد تلك الأقطار باقتصاد المركز وتحويلها إلى سوق. وحتى لا يبقى على أي إمكانية للتطوّر الذاتي أمام هذه الأقطار قام بتفتيت وحداتها القومية وخلخلة أساليب إنتاجها التقليدية، وتحطيم صناعاتها المحليّة واقتصادها المعاشي، كما أنشأ التحديث الاستعماري فوارق تنموية خطيرة بين البلدان العربية وداخل كل بلد من خلال تكريس قطاعين مختلفين تماما بل ومتناقضين : قطاع "عصري" مرتبط بالمؤسسات الاستعمارية ويتطوّر في اتجاه خدمتها وقطاع "تقليدي" توقف عن النموّ منذ زمان وزاده جموداً وتكلّسا مزاحمة القطاع العصري له(21).

وبصورة عامّة فقد كان التحديث الاستعماري على مختلف الصعد عبارة عن عملية جراحية أخضعت لها المستعمرات العربية لزراعة الحداثة الغربية الغريبة عنهم وعن بيئتهم بالإكراه. هكذا زرعت الحداثة الثقافية زرعا في نسيج هذه المجتمعات تماما مثلما زرعت العلاقات الرأسمالية الجديدة بفعل الرسملة الإكراهية من الخارج، ومثلما زرع نظام الدولة الحديثة بفعل قيام إدارة استعمارية جديدة للمجتمعات والبلدان المستعمرة. وفي هذه العمليات الجراحية القيصرية جميعا جرى تدمير منظم وعشوائي للبنى السابقة للجراحة الاستعمارية(22). انّه لمن المفارقات الغربية أن يشهد العالم في العقود الأخيرة كيف هبّ الأوروبيون لاتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة الهيمنة الثقافية الأمريكية التي وصلت إلى عقر ديارهم، وكيف نظروا بخوف شديد إلى ما يمكن لهذه الهيمنة أن تشكله من خطر كبير على لغتهم وفنّهم وغيرها من مقومات هويّتهم الثقافية. فهؤلاء الأوروبيون الذين يدافعون اليوم بشراسة عن هويتهم الثقافية المهددة هم أنفسهم أحفاد أولائك الذين استعمروا الوطن العربي، وحاولوا قدر جهدهم القضاء على هويته الثقافية اللغوية والدينية و"أوربة" أهله بالقوّة.

ومع ذلك فلا يبدو أنّ أبناء أوروبا اليوم مستعدّون للاعتذار عمّا فعل أسلافهم من خلال الاعتراف بحق الأمة العربيّة في إنجاز مشروعها القومي النهضوي الذي هو في أحد وجوهه البارزة مشروع تمايزها الثقافي ومساهمتها الحضارية الإنسانية المبدعة.


 

 

صهينـة الحداثـة

الصهيونية كالاستعمار هي بنت الحداثة الغربية. وقد تبدو هذه الحقيقة منطوية على تناقض حاد يعبّر عنه السؤال التالي: كيف يمكن لحداثة قامت على العقلانية والنزعة الإنسانية، ورفعت شعارات الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان ان تكون على علاقة وثيقة بحركة عنصرية استعمارية اتخذت الإرهاب والإجرام طريقا لتحقيق أهدافها غير المشروعة على حساب الشعب العربي الفلسطيني الذي مازال حتى اليوم، ونحن في بداية الألفية الثالثة، يرزح تحت نير الاحتلال الصهيوني، ويتعرّض لأبشع أشكال التمييز العنصري والقمع الدموي دون أن يرفّ جفنّ للغرب الذي ينصّب نفسَه أمينا على قيم الحريّة والديمقراطية وحقوق الإنسان. بل إنّه لا يتورع، وفي تواطؤ معلن مع الصهيونية، على منع أيّة مساءلة دولية يمكن أن تطال "إسرائيل" في جرائمها المستمرّة، وإفشال أي جهد دولي مستقل لإنصاف الفلسطينيين وإعادة حقوقهم. ولكن ألَمْ يظهر التناقض ذاته في العلاقة بين الحداثة الأوروبية والاستعمار الذي جسّد تنكّراً صارخا لفكر التنوير وقيمه؟.

فهْم هذا التناقض في الحالتين يكمن في فكرة المركزية الأوروبية التي حكمت الحداثة الأوروبية وكرّست ذلك التمييز الصارم بين أوروبا الحضارة والتمدّن وبين بقيّة الأمم والشعوب البدائية والمتوحشة. فمن هذا المنطلق الإيديولوجي العنصري احتكرت الحداثة الأوروبية العقل وإنسانية الإنسان. فإذا "العقل" هو العقل الأوروبي و"الإنسان" هو الإنسان الأوروبي. وإذا بقيم الحريّة والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، التي يفترض أنّها قيم وحقوق إنسانية عامة، قد أصبحت حكراً على الأوروبيين دون غيرهم من البشر .

وبسبب هذه النظرة التمييزية، وكما أن أوروبا لم تشعر بأي حرج أخلاقي وهي تخضع الشعوب والأقوام لأكثر أشكال الاستغلال لا إنسانية بل تفاخرت بأداء هذه المهمّة الحضارية مهمّة تحضير الشعوب غير المتحضرة بقوّة السلاح، فإنها لم تجد أي مانع أخلاقي في مساعدة الصهاينة على تحقيق هدفهم الاستعماري في الوطن العربي مادام هدف الصهيونية يندرج في سياق تلك المهمّة التحضيرية المزعومة التي نسبتها أوروبا الاستعمارية لنفسها. وقد رددت وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية أطروحة، ربّما تقبلها بعض العرب السذج أو مثقفو التبعية العربية الجديدة، مفادها: «كان من الممكن للمشروع الاستيطاني اليهودي في فلسطين أن يكون عامل حداثة وتطوير لفلسطين والبلاد العربية المحيطة بها، لو أن الفلسطينيين لم يقاوموا المشروع بأسلوب العنف..»(23).

ويشرح مفكر عربي مرموق العلاقة بين الحداثة الأوروبية والصهيونية بالقول: «إن القضية الصهيونية تجد مكانها في النظام الفكري للحداثة الأوروبية كعنصر من عناصره: إن شعارات المساواة والحق في الوطن ونشر الحضارة، وحق اليهود في وطن قومي عناصر تشكل بينة واحدة تجد مضمونها اللغوي في العبارة التالية: قيام وطن قومي لليهود في فلسطين سيمكنهم من ممارسة حقهم في المساواة وفي أن يكون لهم وطن ودولة ممّا سيجعل منهم أمة تنشر الحضارة في منطقة مهمّة من العالم. وإذن فالصهيونية كمقولة فكرية سياسية وحضارية لا تتناقض مع مقولات الحداثة الأوروبية في القرن التاسع عشر بل بالعكس تتكامل معها»(24).

أما الضحية (الفلسطينيون) التي دفعت ثمن هذا التكامل الفكري غاليا من أرضها ودمها فكأنها لا تنتمي إلى عالم البشر أصلا ولا تستحق بالتالي أن يكون لها أي حق من الحقوق.

على أن التكامل بين الحداثة الغربية والصهيونية قد تطوّر بشكل متصاعد على الصعيدين الفكري والسياسي حتى أصبح ثابتا من ثوابت الحداثة الغربية ممّا يبدّد أي أمل في عودة الوعي التنويري لهذه الحداثة وتخلّصها من التأثير الصهيوني الذي يحتل ضميرها ويتغلغل عميقا في فكرها. وإلاّ فكيف يمكن أن نفسّر كيف أن حداثة العقلانية والديمقراطية والتقدم التي حررت الإنسان من سلطة الكنيسة وسطوة الغيبات تتخذ من أسطورة المحرقة "الهولوكست" ديانة جديدة. وتذهب في تقديسها إلى حدّ منع التشكيك فيها، أو حتى البحث في ملابسات حدوثها وحجمها الحقيقي، وإصدار القوانين الكفيلة بردع كل من يفكّر بفعل ذلك وإقفال باب حريّة التعبير والرأي نهائيا عندما يتعلّق الأمر بهذه الأسطورة العجيبة. مع أن هذه الحريّة تتسع في ماعدا هذا الاستثناء حتى لانتهاك المقدسات الدينية ولاسيما الإسلامية والسخرية منها. وليس من قبيل المصادفات في هذا المجال أنّ الصهيونية، التي يقدس الغرب محرقتها المزعومة وتتسع علمانيته لتقبل عقيدتها السياسية التوراتية، هي التي تعمل على تغذية حقد الغرب القديم على الإسلام. فقد كان من الممكن أن تتغيّر النظرة الغربية "الكارهة" للإسلام وللثقافة العربية الإسلامية، وتتحوّل مع الزمن إلى نظرة "ايجابية" واقعية لولا الجهد الموصول الذي بذلته الصهيونية العالمية من أجل تشويه هذه الصورة دوماً وأبداً، ومن أجل تسميم الأجواء بين الغرب وبين العرب والمسلمين. على أن هذا التشويه الذي قامت به الصهيونية منذ نيف وقرن مهّد له الكيد القديم الذي كادته اليهودية ضدّ الإسلام منذ نشأته وفي العصور التالية(25) .

أما على الصعيد السياسي فكيف يمكن تفسير وصول التحالف بين الغرب و"إسرائيل" إلى هذا الحدّ العضوي الذي تطابقت فيه مصالح الطرفين حتى أصبحت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، في السنوات الأخيرة بشكل خاص، تجسيدا لوحدة إيديولوجية عميقة انقلبت على كل تقاليد الفكر والسياسة الدوليين، وأطاحت بالعدالة الدولية، وكرّست ازدواجية المعايير وتوّجت الكيان الصهيوني الغاصب سيّداً فوق القانون الدولي وفوق الأعراف والمواثيق الدولية.

ومادام الغرب لا يرى في ذلك أي تناقض مع شعاراته: الديمقراطية والعقلانية والتقدمية فمعنى ذلك أنّه مازال، ونحن في بدايات القرن الواحد والعشرين، يحذو حذو أسلافه الاستعماريين في إخراج الشعوب والأمم الأخرى ولاسيما العرب من دائرة الإنسان واعتبارهم مادة للاستعمار والاستغلال.

من خلال هذا الوجه المتصهين للحداثة الغربية يصبح كل من يعارض الصهيونية بربريا متوحشا وبالتعبير الجديد إرهابيا. فمن شروط الانتماء إلى الحداثة الغربية ترك المعتقدات الدينية البالية، والإيمان بمعتقد الهولوكست، ومن شروطها أيضاً الاعتراف "بإسرائيل" والقبول بمشروعها الاستعماري التوسعي والتطبيع معها. وهذا ما يفسّر رغبة التحالف الغربي الصهيوني المحمومة في إقامة التطبيع الثقافي مع "إسرائيل" مدخلاً للتطبيع السياسي وربط التطبيع بالحضارة والتقدم والعقلانية والديمقراطية وكل قيم الحداثة الغربية الأخرى.

وإذا ترتبط الصهيونية بالحداثة الغربية على هذا النحو الفكري والسياسي العميق فإنّ مقاومة الصهيونية تصبح، في عرف الغرب المتصهين، اعتداء على الحداثة الغربية نفسها وعلى حضارة الغرب المقدّسة. وتهبّ الدول الغربية لمحاربة هذه المقاومة ومحاصرتها بمختلف الوسائل، وتشنّ ضدّها الحروب الإعلامية والثقافية التي تشكل وصمة عار كبيرة في جبين الثقافة الغربية. إذ كيف يمكن لمثقفي الغرب أن يوافقوا على صهينة الحداثة الغربية بل والمشاركة في صهينتها على هذا النحو الذي يفرغها من كل قيمها الايجابية وهم يزعمون أنهم أنصار العقل والحريّة وحقوق الإنسان.

لا جواب سوى أنّهم ضحيّة عملية غسل دماغ طويلة الأمد. أو أنّهم مرضى بالجبن، أو أنّهم مقتنعون فعلاً بما يفعلون وهُنا تكمن الطامة الكبرى.

 


 

حـداثـة أم أمْـركـة ؟

كانت الحداثة أوروبية إلى أن دخلت الولايات المتحدة بقوّة إلى الساحة الدولية، وأصبحت بعد الحرب العالمية الثانية احدى القوتين العظميين في العالم. ثم لم تلبث أن أصبحت، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر القرن العشرين، القطب العالمي الأوحد. ومع أن تأثير الولايات المتحدة الثقافي في الحداثة الأوروبية ليس جديداً، إلاّ أنّ تعاظم الدور الأمريكي السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي في القرن العشرين، وبخاصة نصفه الثاني، أصبح مفهوم الحداثة ينصرف إلى الحداثة الغربية أكثر منه إلى الحداثة الأوروبية؛ ذلك أنّ أمريكا، بنت هذه الحداثة الأخيرة، قد بدأت بقوّة في وضع بصماتها الخاصة على هذه الحداثة فأصبحت حداثة غربية، أي نتاجا أوروبيا أمريكيا معاً. ومثلما زعمت الحداثة الأوروبية أنّها حداثة كونية، أو أنها هي "الحداثة" فعلت الحداثة الغربية الشيء نفسه وأعلن مفكروها، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، عن نهاية التاريخ الذي اكتمل بتكريسها حداثة كونية مسيطرة. وهكذا بدأ ربط الحداثة بالزمن الأمريكي ثم لم يلبث بروز ظاهرة العولمة أن عزّز هذا الاتجاه. فكما سلخت الحداثة عن تواريخها الحضارية والثقافية السحيقة سلخت العولمة بحيث لم تعّد مشروعا تاريخيا متصلا بمشروع الحداثة إلى حد كبير، بل مجرّد ظاهرة آنية محكومة بالعناصر السياسية والايديولوجية والعسكرية والاقتصادية الراهنة(26).

وعبّر أمْرَكة العولمة تعبيرا قويا عن أمْركة الحداثة فلم تعدْ العولمة نتاجاً إنسانيا يلغي الحدود بين الأمم والشعوب ليخلف تفاعلا ثقافيا ايجابيا بينها ينعكس خيراً وتقدّما على الإنسانية جمعاء، بل أصبحت عولمة السيطرة والتفوق العنصري والتعصب الأعمى وقهر الشعوب الذي كان العرب أكثر ضحاياه في فلسطين كما في العراق وفي لبنان كما في السودان.

وهكذا أحدث التباس العولمة بجوهر الحداثة واستيعابها لها وجعلها مسألة (بضاعة) خاصة تستخدم في كل مستوياتها وتعابيرها وأشكالها لقهر الشعوب وفرض القيم الاستنسابية عليها وتهديد مصائرها أحدث في شرائح كبيرة من العالم العربي والإسلامي والعالم الثالث هواجس ومخاوف خطرة جعلها ترتدّ إلى موقع النقيض في علاقتها بهذه العولمة الأحادية، وجعلتها تلجأ إلى ينابيعها الأولى القومية والدينية والطائفية والاثنية(27).

لم تعد الحداثة مشروعا إنسانيا كونيا مقترحاً بل أصبحت مشروعاً للهيمنة الثقافية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، مشروعاً لتذويب خصوصيات الشعوب والقضاء على هوياتها الثقافية والقومية. ولعلّ العالم لم يشهد منذ محاولات الاستعمار الفرنسي فَرْنسّة مستعمراته العربية محاولة شبيهة مثلما هي الأمْركة اليوم مع فارق أنّ هذه الأخيرة هي أكثر خطورة بما لا يقاس لأنّها تستهدف العالم كله، وتهدّد بالتالي بإشعال نار الصدامات العنيفة بين الثقافات والحضارات المختلفة. ولطالما استنكر المفكرون في العالم الثالث بوجه خاص، بل في العالم المتقدم أيضاً، ولاسيما في أوروبا، الدعوة إلى هيمنة الثقافة الأمريكية وطراز الحياة الأمريكي في العالم مبيّنين ما في ذلك من اغتيال للعقول والنفوس ومعاداة بالتالي لمبادئ الحرية، ومتحدثين، بوجه خاص، عن مخاطر تسطيح الثقافة العالمية وصياغتها على نمط واحد وشاكلة واحدة بدلاً من اغنائها بأنماط الثقافات المختلفة(28).

وإذا كانت الدول المتقدمة ذات الباع الطويل في مضمار الحداثة تخشى من مخاطر الأمركة التي تغزو العالم، من خلال العولمة، فكيف بالدول والشعوب المسماة نامية ومتخلّفة، ولاسيما العرب الذين اكتووا مرّة بنار الحداثة الأوروبية، وذاقوا ويلات استعمارها وآثاره الكارثية، وها هم يصبحون الضحيّة الأولى أيضا للحداثة المأمْركة في شكلها المعولم الأحادي الذي يرفض الآخر إلاّ تابعا ذليلاً بلا هويّة أو إرادة.

إن أخطر ما في الأمركة أنها تعمل على إفراغ الحداثة الغربية من كل قيمها الإنسانية التنويرية، أيّ من بعدها الايجابي الذي رغم انه لم يشهد دائما تطبيقه المفترض في علاقة الغرب بالآخر، فإنّه شكّل إحدى الأسس المبشّرة بإمكانية التقارب والتعاون بين الأمم والشعوب على اختلاف أصولها ومشاربها الثقافية والعقائدية.

والحقيقة انه رغم سيطرة البعد الاستعماري فكرا وتطبيقا على الحداثة الغربية ولاسيما في علاقتها بالآخر فإن ذلك لم يمنع من أن يكون لبعدها الإنساني دور ايجابي نسبي في إنتاج قيم القبول باختلاف الآخر وتفهّم قضاياه. ما تفعله الأمْركة اليوم هو إلغاء هذا الدور تماماً ليبقى من الحداثة الغربية جانبها العنصري والاستعماري المظلم الذي كان الآخر ضحيّته دوما. ولتوظف العولمة، بما تعنيه من تقدّم علمي تقاني وثورة معلومات واتصال وانقلاب العالم إلى قرية صغيرة، في خدمة هذا الفعل العدواني، فعل محو الآخر الثقافي والحضاري بدل توظيفها في اغناء مشروع الحداثة الإنسانية بمساهمات الأمم والشعوب على اختلافها وتنوّعها.

أما انعكاس ذلك على المسلمين عموما والعرب خصوصا فشديد الخطورة ليس لأنّه يستهدف، بالدرجة الأولى، ثقافتهم فقط بل لأنّه يولد عندهم رؤية أحادية للحداثة والعولمة لا ترى إلاّ وجهها السلبي المأمْرك، وهو ما يولّد بدوره ردّ فعل مقاوم للحداثة عموما يدفع بهم نحو مزيد من الانغلاق والتطرّف في الانكفاء على الخصوصية والهويّة ويعمّق أزمة مشروعهم النهضوي برمّته.

مجدّدا يواجه العرب عنف الحداثة من خلال العولمة المأمْركة التي تعيق طموحاتهم الحداثية الحقيقية وانخراطهم، انطلاقا من ذلك، في مشروع الحداثة الإنسانية بينما تستمر الولايات المتحدة في تكرار المعزوفة البالية معزوفة الحرص على تحديث العرب والمسلمين وتحضيرهم من خلال تغيير جلدهم الثقافي بجلد جديد مدموغ بالدمغة الأمريكية.


 

 

حداثـة أم تحـديث ؟

ربّما كان علينا أن نفرّق بين الحداثة والتحديث لأنّ هذا التفريق سيكشف عن حقيقة الموقف الغربي الذي يبدو في الظاهر حريصا على التحاق العالم العربي والإسلامي بركب الحداثة، ومقتنعا بأنّ بقاء هذا العالم خارج الحداثة يشكل مصدراً لكثير من المشكلات التي تهدّد أمن العالم واستقراره. وتراه لذلك لا ينفك عن طرح المشاريع التي تزعم أنّها تهدف إلى مساعدة دول هذا العالم على الخروج من أسر التخلّف والاستبداد إلى فضاء التقدّم والديمقراطية. لكنه في حقيقته العملية موقف يعارض بشدّة أن ينتقل العرب إلى مواقع الحداثة الحقيقية ويعمل بمختلف ما أوتي من وسائل سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية على إبقائهم في وضع التخلّف والتمزّق بل وعلى تعميق وضعهم هذا، وزيادة طين أزماتهم ومشكلاتهم بلّة حتى يبقوا فريسة سهلة لأهدافه وأطماعه.

يقول أحد الباحثين مفرقا بين التحديث والحداثة «إن التحديث سيرورة تاريخية لا تتوقف منذ انطلاقتها الأولى إلاّ أنها قد تتحوّل في أيّ مرحلة من مراحلها إلى عملية تغريب أو الاكتفاء بنقل الأفكار الجاهزة عن الغير وزرعها في بيئة غير مستعدّة لتقبلها. أما الحداثة فهي الفكر النظري أو المقولات العلمية والفلسفية التي تحكم أواليات عملية التحديث ودفعها باتجاه الحفاظ على الذات وعدم السقوط في الاقتباس الموصل إلى التغريب وفقدان الهويّة»(29)، ويستشهد الباحث بما أشار إليه المفكر الراحل هشام شرابي في معرض وصف علاقة العرب بالغرب حين قال: «إن علاقتنا بالغرب (وخاصة أمريكا) مازالت علاقة تضاد واختلاف. الغرب اليوم وأكثر من أي وقت سابق مازال يريد لنا غير ما نريده لأنفسنا. نحن نريد الحداثة وهو يريد لنا التحديث. نحن نريد السيادة والاستقلال وهو يجبرنا على التبعيّة. نحن نصبو إلى التحرّر والوحدة وهو يدعم الأنظمة البدوية التي تقف في وجه التحرر والديمقراطية وتمنع الوحدة»(30).

والحقيقة أنه لا يمكننا فعلاً تصوّر كيف يمكن للعرب أن يحققوا الحداثة في إطار ما أراد ويريده الغرب لهم من تجزئة سياسية تحول دون وحدتهم القومية واحتلال صهيوني يستعمر أجزاء من أرضهم ويتطلع إلى مزيد من التوسع وسيطرة سياسية واقتصادية وعسكرية تمنع استقلالهم الحقيقي وتعرقل تطورهم الذاتي. وقد تعزّز كلّ هذا في السنوات الأخيرة بالاحتلال الأمريكي للعراق.

فللحداثة قبل كل شيء مرتكزها السياسي الوطني والقومي الذي بدونه لا يمكن للأمم والشعوب أن تتصدى لتحقيق مشروعها الحداثي الحقيقي إلاّ من باب الزعم والادعاء، إذ كيف يمكن لها أن تصنع الحداثة إذا كانت ترزح تحت نير الاستعمار والتبعيّة، وتعاني التجزئة والتمزّق إلاّ إذا كان المقصود بالحداثة شكلا فارغا بلا مضمون، أو مجرّد أنموذج جاهز للاستعارة والتقليد. في هذه الحالة التي تنطبق على الأمّة العربية يتماهى مشروع الحداثة مع المشروع الوحدوي التحرري والقومي الديموقراطي، أي بالمشروع النهضوي العربي، ومن هنا تصبح الدعوة إلى الحداثة منفصلة عن هذا المشروع أو بالضدّ منه، دعوة بلا قيمة بل دعوة مغرضة تعرقل الحداثة الحقيقية باسم حداثة تابعة هي عملية التغريب التي قادتها النخب المتأوربة والمتأمركة في الوطن العربي.

لقد دلّت التجربة اليابانية أن عملية التحديث التي يراد منها إدخال العلوم العصرية والتكنولوجيا الغربية إلى البلدان الأخرى لا يمكن أن تحقق الأهداف المتوخاة منها إلاّ بمقدار ملاءمتها للمجتمعات المنقولة إليها وحفاظها على تراثها الثقافي. فقد نجحت اليابان لأنها لم تتخل عن تراثها الثقافي التقليدي، ولم تتبن أيّا من المبادئ الغربية لتجعلها قواعد ثابتة في الحياة اليابانية فاستفادت من مقولات فلسفية ونظم غربية متنوعة لكنّها لم تتبنّها كما هي، بل اختارت منها فقط ما يتلاءم مع مكوّنات المجتمع الياباني ونتج عن ذلك أنّ اليابان حافظت على استمرارية المبادئ الروحية إبان عملية التحديث وبناء الركائز الماديّة للمجتمع الياباني على قاعدة الاستفادة الدائمة من العلوم العصرية المتطوّرة(31).

وإذا صحّ هذا بالنسبة لدولة مستقلّة وموحدة هي اليابان فكم يصحّ بالأحرى على مجموعة من الدول العربية ظهر معظمها إلى الوجود بفعل التقسيم الاستعماري ولا يمتلك من مقومات الدولة إلاّ الاسم، لكن الدويلات العربية الخارجة من معطف الاستعمار الأوروبي لم تختر الطريق الياباني؛ ذلك ان الالتزام بالتراث الثقافي والحفاظ على المبادئ الروحية إبان عملية التحديث هو أولا، وقبل كل شيء، مظهر من مظاهر قوّة استقلال الدول وصلابة هويتها الذاتية. في حين ان هذه الدويلات كانت تابعة لمستعمِرْ الأمس وكانت نخبها التحديثية تستعير ثقافتها وهويتها من ثقافته وهويته متوهمة إن ذلك يدخلها إلى فردوس الحداثة الغربية من بابه العريض. ولا يغامرنا أي وهم في أنّ هذه النخب كان يمكن أن تختار طريق الحداثة الحقيقية الذي يتطلب، أول ما يتطلب، استقلالاً وطنيا حقيقيا ووحدة قومية فقد جعلتها السلطة الموروثة عن الاستعمار تتماهى ثقافيا ونفسيا إلى حد بعيد بالمورث سيء الذكر. وكان طبيعيا في حالتها هذه أن تختار طريق التحديث أو التغريب الذي قاد في نهاية المطاف إلى فشل ذريع، ودفعت المجتمعات العربية ثمنه الباهظ: مزيداً من الجوع والبؤس والتخلّف والقمع والقهر، قهر الداخل والخارج معا. ولا صّحة أبداً لما روّج ويروّج له التغريبيون من أن سبب هذا الفشل هو الدين باعتباره منتجا لثقافة مقاومة التحديث «فما تحميل الدين بذاته ما يحل بالإنسان أو الجماهير من محن ومآس إلاّ طرح لمسألة مزيّفة غايتها تسويغ تهميش المواطنين وأبعادهم عن المشاركة في أيّ قرار يضع موضع التساؤل مسار التحديث العلماني النافذ إلى آلة الدولة في ضلّ الهيمنة الثقافية الغربية»(32) .

نعم لم يكن للتحديث التغريبي أي حظ من النجاح في بيئة عربية إسلامية شديدة التعلّق بدينها وتراثها وثقافتها وقيمها. وكان كلما أوغل صانعوه من النخب المتغرّبة في تكريس القطيعة مع التراث، والتنكر للعمق الروحي من خلال نقل المفاهيم والنظم السياسية والاقتصادية والثقافية الغربية الجاهزة، بل وحتى من خلال شن الحملات الإيديولوجية الظالمة على هذا التراث كلّما كشف هذا النمط التحديثي عن جوهره الحقيقي: اعتداء صارخ يستفزّ مشاعر الأغلبية الاجتماعية، ويدفعها أكثر فأكثر إلى التمترس وراء دينها وتراثها إلى حدّ التطرف. وبهذا فقد قطع التحديث التغريبي الطريق على الحداثة الحقيقية بما تسبّب في ولادته من ردّ فعل دفاعي بالغ في تقديس التراث، وأعاق بالتالي إمكانية إخضاعه للنقد البناء وتجديده في ضوء معطيات الحاضر وحاجاته ليصبح منطلقا لبناء الحداثة، ذلك ان التراث قد يكون حافزاً على الحداثة أو معيقا جديا لها. وذلك يتطلب رسم إستراتيجية طويلة الأمد يقوم بها المصلحون لتحديث المجتمع انطلاقا من تراثه الأصيل عبر تطوير الجوانب الايجابية فيه(33).

وخلاصة القول أن أسباب فشل التحديث في الوطن العربي لا تكمن في الدين بل في كيفيات التحديث التي ما تزال، منذ ما يسمّى بـ (عصر النهضة) حتى اليوم، مربوطة بسياسات إرادوية منقولة عن مفاهيم الآخر (الغرب) وما لحقها من إشكاليات هي بنت اجتماعها. فبدلاً من أن تعضد هذه الكيفيات المصالح العامة، وتعمل على خلق توازن جديد يزيل الثوابت القطرية المشلّة للمجتمع العربي ويعيد له عافيته وحيويته، فإنها ارتهنت لدى النخب التحديثية بإعادة إنتاج مفاهيم الحداثة الوافدة للتكليّف مع ثقافتها ولغتها ومعاييرها ورموزها(34).

وإذا كانت النخب ذات المرجعية الثقافية الغربية مسؤولة إلى حد بعيد عمّا قادت إليه خياراتها الحداثية المتغرّبة من إخفاقات ذريعة وآثار سلبية شكلت شروخا عميقة في الجسد المجتمعي العربي، فإنّ الغرب قد وقف من جهته بالمرصاد لكل من حاول كسر هذه القاعدة التي حكمت مسار التحديث في الوطن العربي. ولذلك فقد اصطدمت التجارب التحديثية القليلة في الوطن العربي، التي ربطت بين الحداثة وبين التحرر الوطني والتوحيد القومي ولاسيما التجربة الناصرية، اصطدمت بموقف غربي رافض كان العدوان الثلاثي على مصر بسبب تأميم عبد الناصر قناة السويس التعبير الأعنف عنه. وقد دأب الغرب بمختلف وسائل الضغط السياسي والعسكري والاقتصادي على منع تجارب التحديث في الوطن العربي من الاتجاه وجهة الحداثة الحقيقية المرتبطة بالتحرر الوطني الديمقراطي وتحقيق التكامل القومي.

ولا شك ان ما تعرّض له العراق في السنوات الأخيرة من احتلال أمريكي غاشم لا يقع بعيداً عن هذه الإستراتيجية الغربية المناهضة لكل سعي عربي جاد إلى امتلاك وسائل التقدم والقوّة. فقد كان ما حققه العراق في هذا المجال أحد الأسباب التي دفعت بالولايات المتحدة الأمريكية إلى احتلاله وتدمير إمكانيات تطوّره العلمي والتقني في مختلف المجالات.

إن نظرة عميقة إلى عملية التحديث التي شهدتها الدول العربية المستقلّة تؤكد ان ما فعَلته النخب التي قادت هذا التحديث لم يكن أكثر من الإبقاء على آليات التحديث الاستعماري ومحاولة تطويرها في أحسن الأحوال. ومن هنا فإنّ ما نسميه تحديثا تغريبيا لم يكن، في حقيقته، سوى نمط التحديث الاستعماري ذاته وقد غطى بشعارات براقة هي شعارات الاستقلال والتنمية. ولم تعمل دولة الاستقلال، التي ورثت هذا النموذج الاستعماري، إلاّ على تكريسه وتنميته رغم كل المحاولات الهادفة إلى التخلّص منه أو ترقيعه أو تحسينه؛ ذلك إن الاستعمار لم ينته، كظاهرة عالمية بحصول الأقطار المستعمرَة على استقلالها، بل لقد بقي ومازال يمارس نفوذه ويكرْس اختياراته تحت أسماء جديدة تارة بالقوّة وتارة بالضغط والخنق، وتارة عبر توجيهات المؤسسات الدولية التي يتشكل منها النظام الدولي الراهن الذي يقوم على ثنائية البلدان المتقدمة والبلدان المتخلّفة، ثنائية الشمال والجنوب بالتعبير المعاصر(35).

وبصورة عامّة يمكن القول إن حلم الحداثة العربية قد اصطدم بتحدّيين كبيرين. التحدّي الخارجي الاستعماري والصهيوني الذي ما زال مستمرا حتى اليوم، والتحدّي الداخلي الذي يحمل ملامح أزمة ذاتية عميقة ولكنه في بعض جذوره العميقة يتبدّى من آثار التحدّي الأول. فمطلب الحداثة العربية اليوم يكاد يتبدّد بين مشروعين متناقضين حتى العداء وإن كانا يلتقيان في أن كلاهما مشروع متطرف هو تقليد لنموذج جاهز، ويشتركان في أن كلاهما أيضا يؤكد ذاته في مواجهة الآخر، ويزعم لنفسه المشروعية من التصدي له. الأول هو المشروع النخبوي ذو المرجعية الثقافية الغربية الذي يرى في نظام حداثة الغرب نظاما جاهزاً واجب التطبيق في الوطن العربي لمعالجة مختلف مشكلاته والنهوض به إلى الأمام. ويعمل لذلك على إلغاء التراث العربي الإسلامي متخذاً من العلمانية سلاحه الأساسي في تنفيذ مسعاه. والثاني مشروع نخبوي أيضا ذو مرجعية إسلامية تقليدية وقد نشأ كرد فعل على المشروع التغريبي، ويرى الحلّ في العودة إلى النموذج الإسلامي في حقبته الأولى، ويتطرف في الانغلاق على فكره وفي رفض الحداثة الغربية بإطلاق.

وبين هذين المشروعين المتصارعين تقف الأغلبية المهمّشة والصامتة بينهما فلا هي تقبل بتحديث يلغي تراثها وماضيها وهويتها، ولا هي تقبل بتراث يلغي حاضرها ويعرقل تقدمها، ولا هي تجد طريق المشاركة في صنع الحداثة التي تنطلق من التراث من أجل تطويره انطلاقا من مكونات الحاضر وحاجاته. والملاحظ أن هذين المشروعين يشهدان استمرارهما على حساب المشروع التلفيقي الذي شكل أحد تيارات فكر النهضة العربية ورأى أن الحل يكمن في التوفيق بين التراث والحداثة الغربية من خلال انتقاء ما هو ايجابي في كليهما للأمّة. وقد أدّى احتدام الصراع بيم المشروعين التغريبي المتطرف والإسلامي المتطرف إلى تراجع المشروع التلفيقي الذي يبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى مشروعاً واهماً يبحث عن المستحيل.

ونحن نرى أن الحداثة لا تطلب لذاتها بل تنشد من أجل تحقيق أهداف محدّدة، فالحداثة العربيّة تعني حريّة العرب ووحدتهم وتقدمهم. إنها تعني عبور العرب إلى حالة الارتقاء والتقدّم ومعايشة العصر. وهذا الأمر لن يتمّ إلاّ في إطار عملية تحديثية فعلية نوعية بعيدة كل البعد عن الأساليب التجميلية كالتقليد والمحاكاة. نحن في طلبنا الحداثة لا نبحث عن عملية توفيق بينها وبين ارثنا الحضاري لسبب بسيط وهو إيماننا بأن الحداثة ليست قطيعة مع التاريخ، كما أنها ليست تكراراً له، وإنما هي انطلاق منه لا يقف عند حدوده وتجاوز له لا ينسلخ عنه. فإذا سلمنا ببديهية كونية العلم فإننا نقر أيضا، رغم اعتراض بعضهم، بخصوصية الثقافة وينتج عن هذه المسلمة أنّ القيم الإنسانية ومفاهيم الحريّة والتقدم وحقوق الإنسان، كواجهة للحداثة الغربية، يمكن توطينها واستنباتها في تربة خصوصيتنا الثقافية والحضارية. ثقافتنا التي تستلهم التراث دون أن تكون صورة باهتة له وتأخذ بحداثة العصر دون أن تتأمرك أو تتصهين.


 

 

كونيـة الحداثـة

إن إشكالية الحداثة هي إشكالية تمزقها بين مفهومين ونظرتين متناقضتين جذريا. النظرة الغربية العنصرية التي ترى أن الحداثة هي صناعة غربية محضة، وأنها صناعة ناجزة بلغت أوج اكتمالها التاريخي وما على الأمم والشعوب إلاّ السير على خطاها واعتناق أفكارها ومعتقداتها واستيراد طرقها وأساليبها. وتؤكد هذه النظرة أنّ الحداثة الغربية هي حداثة كونية، أي هي "الحداثة". ومن هنا ترفض الاعتراف بأي مساهمة إنسانية قديمة فيها فضلا عن أنها تقطع الطريق أمام أي مساهمة مستقبلية فيها أيضا.

أمّا النظرة الثانية فهي نظرة إنسانية ترى أن الحداثة مشروع إنساني مفتوح أسهمت في بنائه الحضارات المتعاقبة التي عرفها تاريخ الإنسانية، وسيستمرّ مشروعا مفتوحاً لإسهامات الجميع لأنّه مرتبط بتقدم الإنسانية وتطوّرها وبتعدّد ثقافاتها وتنوّعها.

ومع أن هذه النظرة الثانية هي التي تصدق على حقيقة الحداثة كمشروع كوني من صنع الإنسانية جمعاء، فإنها لا تظهر واقعيا إلاّ من خلال النظرة الأولى التي تنتجها القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية المسيطرة على العالم. وهذا ما يفسّر كيف أصبحت الأمركة في يومنا هذا هو عنوان الحداثة «وكأن الإمبراطوريات لكي تسوّغ انتشارها، وتختبر تفوقها وتغذّي نرجيسيتها، التي تتجسّد عنصرية، تجعل الحداثة آلة من آلاتها الخاصة تبرمجها أو تعيد صياغتها بما يوائم تصوراتها وتطلعاتها ومصالحها. تجعل من الحداثة ومشتقاتها وإنجازاتها العلمية والتكنولوجية والثقافية مستوعبا لها وذريعة لا لمصادرة الثقافات الأخرى بل أيضا لمصادرة الحداثة وقولبتها وتشويهها بل تجعلها "معطى" خاصا تستولي عبره على المنجزات وتنسبها إلى نفسها وتفصّل من الحضارات ما تريد تفصيله على مقاسها»(36).

بهذا المعنى تصبح الحداثة الكونية المزعومة سلاحا بيد أعتى القوى الاستعمارية والامبريالية لتحقيق أهدافها ومصالحها على حساب الأمم والشعوب الأخرى، ولتصفية البعد الإنساني للحداثة الذي من دونه لا معنى إطلاقا لكونيتها. وفي ظلّ هذا الوضع يتعمق الانقسام بين الاتجاهين الصداميين الرئيسين اللذين يؤججان الصراع الثقافي الخطير في عالم اليوم : اتجاه الحداثة المتأمرك المتسترة بالكونية لإخفاء هويتها العدوانية، واتجاه الخصوصية الثقافية المنغلقة كليا على الذات، والتي تخلط بين الحداثة كمشروع كوني إنساني مفتوح وبين الحداثة المعولمة والمؤمركة كمشروع للاستعمار والهيمنة. وهذين الكونية المزعومة والخصوصية المتعصّبة لا تنتجان إلاّ المزيد من الصراع الثقافي المحتدم وذي الوجه الدامي البشع في عالم اليوم.

في مواجهة ذلك لا بديل عن مفهوم إنساني للحداثة يقوم على الحوار والتفاعل بين الثقافات والحضارات. مفهوم لا تناقض فيه بين كونية الحداثة وخصوصية الثقافات إذا ما طُهّرت هذه الكونية من مضمون السيطرة والهيمنة العدواني الذي يصادر بُعدها الإنساني، وطُهّرت الخصوصية من مضمون التعصّب والانغلاق الطاغي عليها.

بمثل هذا التطهير يمكن إنهاء الصراع بين الكونية والخصوصية في الحداثة إنسانية الوجه. فالكونية هي ما تشترك فيه ثقافات الأمم والشعوب من قيم إنسانية تطلبها المجتمعات كافة، وترى فيها حاجة حيوية لا غنى عنها لوجودها واستمرارها، ومن هذه القيم الجامعة يظهر الإنسان والعقل والعلم في الصدارة. أمّا الخصوصية الثقافية فهي تلك المتعلقة بقيم وهويات ومعتقدات لا تقبل إلاّ أن تكون خاصة بمجتمعات دون غيرها وتظهر، أكثر ما تظهر، في المجالات اللغوية والدينية والقيمية أيضا.

ولعلْ المغزى العميق لهذا التلاقي بين فكرتي الوحدة والاختلاف في الحداثة الإنسانية هو ما عبّر عنه أحد الباحثين بالقول: «إن الحداثة كونية ونسبية في الآن نفسه.. وإن هذه النظرية التركيبية لمسألة الحداثة تتحاشى مطّبيْن مطب التضخّم الإيديولوجي في كونيتها ومطب الإلحاح على النسبية فيها حصراً. التضخم الأول يستبطن خطاب العولمة العسكرية الإكراهية ويعيد إنتاجه، فيما يشكل الخطاب ذاك استئنافا أعلى وأشدّ خطورة لخطاب المركزية الأوروبية. أما التضخم الثاني فيقود إلى الانطواء والانكفاء والتشرنق على الذات وبالتالي إلى الانسحاب من التاريخ»(37).

وإذا كان العرب عموما مطالبين بعدم الوقوع في هذا المطبّ الأخير، فإن عدوانية الغرب بزعامة الولايات المتحدة لا تترك لهم خياراً آخر عندما لا ترى فيهم سوى قوم من المتوحشين الرافضين للحداثة والتقدّم، ويبيح لنفسه حق تحديثهم بقوّة السلاح والغزو. مع أن العرب، كغيرهم من الشعوب، لا مشكلة لهم مع الحداثة وبمن فيهم الإسلاميون الذين يظهرهم الغرب في صورة الإرهابي والعدو اللدود للحضارة الغربية. وهذا جاك بيرك المستشّرق الفرنسي الراحل يؤكد ذلك بالقول: «ان كل المجتمعات المسلمة تبدي رغبة حيّة في دخول الحداثة. الأمر الذي لم يفهمه الغرب؛ ذلك أن الذين نسّميهم، اليوم، إسلاميين ليسوا كمؤمني الجيل السابق الذي كانوا ضدّ التقدّم وقاوموا كل أشكال التغريب بما فيها التقدم المادي... الإسلاميون على العكس يصفقون للتقدم التقني ولفاعلية القدرة الصناعية وتعميم المعلوماتية لكنهم فقط لا يريدون أن يحصل مجتمعهم على التقدّم المادي من نفس الطريق الذي سلكه الغرب. أنّهم يريدون طريقا خاصا بهم، ويضعونه في سياق أخلاقية دينية مستعارة من مصادرها»(38).

لا بدّ إذن من قول الحقيقة. والحقيقة هي أن العرب هم أحد ضحايا الأوجه الاستعمارية والامبريالية والصهيونية للحداثة وليسوا أعداء لها. ولقد كان المفكر الفرنسي روجيه غارودي محقا عندما وصف الولايات المتحدة بأنها طليعة الانحطاط. وكان محقا أيضا عندما أكدّ أن إسرائيل دولة أسست على الأساطير التي منها الهولوكست. لكن قول الحقيقة في الغرب الذي تحكمه الإمبراطورية الأمريكية وتتمتع فيه الصهيونية بحضوة خاصة لم يعد خيار المثقف. ولهذا حوصر غارودي وعزل وحوكم دون أن يشعر الضمير الثقافي الغربي بأي ذنب. كان غارودي من المفكرين الغربيين القلائل الذين عملوا على فضح الوجه العنصري والمتصهين والمتأمرك للحداثة، وكشف زيف ما يدّعيه الغرب من تفوّق حضاري مزعوم ولاسيما في المجال الروحي والأخلاقي، حيث يظهر إفلاس الحداثة الغربية على أشدّه، ويتأكد أن التقدم المادي الهائل يصبح، في ظل غياب النوازع الأخلاقية والروحية، سلاحا لتدمير الحياة والحضارة بدلاً من الحفاظ عليها وتنميتها.

ومن يجرؤ اليوم في الغرب، باستثناء قلّة قليلة محاصرة مثل غارودي، على قول الحقيقة، ودعوة الغرب إلى التخلّي عن عنصريته البغيضة التي وصلت مع الأمركة إلى قمّة الانحطاط الذي لم يخجل أحد المدافعين عن الإدارة الأمريكية المجرمة الحالية من التعبير عنه صراحة بالقول: إن أمريكا أصرّت على إتمام رسالتها التحضيرية في العراق رغم نصيحة الدول الأوروبية لها بالامتناع عن ذلك؛ لأن شعوب المنطقة غير قابلة للتحضير والتمدّن كما أثبتت تجربة الاستعمار الأوروبي لها(39). ألم يكتب دونالد رامسفيلد عام 2001، قبل هجمات 11 سبتمبر واجتياح العراق إن: «التحدّي المطروح أمامنا هو الدفاع عن أمتنا ضدّ اللا معروف واللا أكيد واللا منظور واللا متوقع» أليس هذا محاولة لضمان الأمن ضدّ الشيطان؟(40).

فهل سيستيقظ الضمير الثقافي الغربي ليضع حدّاً للا أخلاقية السياسة التي تحوّلت إلى فن الكذب والنفاق والجريمة. أم أنّه سيبقى أسير الأمْركة السياسية والإعلامية والثقافية التي نجحت إلى حدّ كبير في إقناع الكثيرين أنها هي والحداثة شيء واحد.


 

الهوامش:

1) ـ Jurgen Habermass , Le Discours Philosophique de la Modernite` GALLIMARD , 1988 , P3

2) ـ آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة صياح والجهيم، وزارة الثقافة /دمشق 1998 ج1، ص 124 .

3) ـ انظر: د. عبد الإله بلفزيز، العرب والحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية 2007، ص 39/40 .

4) ـ خالد حاجي، ما هذه الحداثة؟ موازين كتاب رقم 12 / جويلية 2007، ص 33 .

5) ـ المقالة منشورة في المجلة اللندنية International Affairs عدد جاتفي 1954، (عن صحيفة النهار اللبنانبة 2007.2.11 ) .

6) ـ بول شاوول، نحن والحداثة والعولمة، المعرفة السورية، ع 485، س 43 فيغري 2004، ص24 .

7) ـ القرآن الكريم، سورة: النساء الآية 58 .

8) ـ القرآن الكريم، سورة: النحل الآية 90 .

9) ـ القرآن الكريم، سورة: الحجرات الآية 13 .

10) ـ القرآن الكريم، سورة: الكهف الآية 29 .

11) ـ القرآن الكريم، سورة: يونس الآية 99 .

12) ـ القرآن الكريم، سورة: النساء الآية 29 .

13) ـ القرآن الكريم، سورة: الأنعام الآية 151 .

14) ـ القرآن الكريم، سورة: المائدة الآية 32 .

15) ـ محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية 2004، ص171 .

16) ـ انظر محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، دار الحوار [د.ت]، ص 106 .

17) ـ انظر المرجع السابق، ص 106 .

18) ـ عبد الإله بلقزيز، العرب والحداثة، المعرفة السورية، س 43، ع 485، فيفري 2004، ص 88 .

19) ـ د. فضل مصطفى النقيب، الحداثة ومثقفوا التبعية العربية الجديدة، مركز الغد العربي

للدراسات 2007، ص 31 .

20) ـ انظر محمد عابد الجابري، المشروع النهضوي العربي، مركز الدراسات العربية، 1996، ص 140 .

21) ـ انظر المرجع السابق، ص140 .

22) ـ انظر: عبد الإله بلقزيز، المعرفة، ع 485، مرجع سابق، ص 89 .

23) ـ د.فضل مصطفى النقيب، الحداثة ومثقفو التبعية العربية الجديدة، مركز الغد العربي

للدراسات 2007، ص 34 .

24) ـ محمد عابد الجابري، مشروع النهضوي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 1996، ص 35/36 .

25) ـ انظر مجموعة من المؤلفين، الثقافة العربية: أسئلة التطوّر والمستقبل، مركز دراسات الوحدة

العربية 2003، ص 178 .

26) ـ انظر بول شاوول، نحن والحداثة والعولمة، المعرفة السورية، مرجع سابق، ص 28 .

27) ـ انظر، المرجع السابق، ص 30 .

28) ـ انظر، مجموعة من الباحثين، الثقافة العربية، أسئلة التطوّر والمستقبل، مرجع سابق، ص 180 .

29) ـ د. مسعود ضاهر، النهضة العربية والنهضة اليابانية، سلسلة عالم المعرفة، ع 252،

ديسمبر 1999، ص 21 .

30)- د. مسعود ضاهر، مرجع سابق، ص 21 .

31) ـ د. مسعود ضاهر، مرجع سابق، ص 22 .

32) ـ د. غريغوار مرشو، اشكالية الحداثة في الفكر العربي المعاصر، المعرفة ع485، مرجع سابق ص113 .

33) ـ انظر مسعود ضاهر، النهضة العربية والنهضو اليابانية، مرجع سابق، ص 24 .

34) ـ انظر غريغوار مرشو، مرجع سابق ص 114 .

35)- انظر محمد عابد الجابري، المشروع النهضوي العربي، مرجع سابق، ص 140 .

36) ـ بول شاوول، نحن والحداثة والعولمة، المعرفة ع 485، مرجع سابق، ص 29 .

37) ـ عبد الإله بلقزيز، العرب والحداثة والعولمة، المعرفة 485، مرجع سابق، ص 103 .

38) ـ Berque Sur , Les Arabe , L`islame et Nous , Ed – Mille et une nuis , Paris , 2000 , p 10

39) ـ هو: جاك بيركمان، خبير استراتيجي في الحزب الجمهوري (حلقة الاتجاه المعاكس، فضائية

الجزيرة، 2007.1.16 ) .

 

40) ـ جون بورنمان، العلمانية الأمريكية اليوم، النهار اللبنانية، 2005.8.14 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آخر تحديث: الأحد, 11 ديسمبر 2011 15:44
 
باقي المقالات...


الصفحة 1 من 14

هويتنا

" ثوابت عربية " موقع فكري سياسي ثقافي يهتمّ، كما يشير عنوانه، بالشأن العربي من منظور قومي عروبي إسلامي إنساني، وعلى خلفية الإيمان بأهداف الوحــدة والتحرير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتجدّد الحضاري. ففي عالم يُراد فيه للعرب أن يكونوا ورقة في مهبّ الرياح الفكرية والسياسية العاصفة، حتى يسهل الاستمرار في احتلال أرضهم، للمزيد..

خدوا المناصب لكن خلولي الوطن

لوميني أنا!
أنا لا أخسرُ شيئاً غيرَ نفسي! ونفسي هذه أوصافها: تافهةٌ مجنونةٌ محروقةٌ دوما... إقرأ المزيد...


أن نعرف طريق النصر... ونسلكه
تعليق على رد الأستاذ الفتيح أكثر ما شدّني في مقال الأستاذ صالح الفتيح هو ما أورده،... إقرأ المزيد...


الإرهاب صناعة صهيونية مجزرة العباسية والمجازر التي ارتكبتها المنظمات الإرهابية المسلحة
بمناسبة مرور الذكرى السادسة والستين للنكبة لتأسيس الكيان الصهيوني: تأسست إسرائيل... إقرأ المزيد...


يارئيس البلاد أموال الصناديق الخاصة باب خلفى للفساد
من أعاجيب سنوات الفساد فى مصر أن صدرت قرارات بإنشاء صناديق خاصة تابعة للهيئات... إقرأ المزيد...


“ملتقى الوفاء لغزة” في دمشق .. تأكيد على وحدة الدم والأرض والقضية والمصير
    دعما للشعب الفلسطيني في مواجهته للعدوان الصهيوني على غزة وتأكيدا على وحدة... إقرأ المزيد...


دعوة القوى والفصائل والهيئات الفلسطينية للقيام بفعاليات شعبية وفاء لغزة
القوى والفصائل والهيئات والفعاليات الفلسطينية تدعو جماهير شعبنا في الضفة... إقرأ المزيد...


بيان صحفي
تمخض الجبل فولد فأرا، مبادرة مصرية للتهدئة تساوي بين الضحية والجلاد تمخض الجبل... إقرأ المزيد...


أحمد مطر في ذمة الله
لا أستطيع أن أصدق أن كل شيء جميل يغادر عالمنا يمر هكذا كخبر مسائي حزين دون مبالاة،... إقرأ المزيد...


ما الذي أبعد حمدين صباحي عن التيار الناصري في مصر؟!
عندما حلت ثمانينات وتسعينات القرن الماضي وجدت السياسة المصرية أسيرة لفكر انعزالي... إقرأ المزيد...


لماذا؟؟؟...
لماذا يا وطن يتآكل أبناؤك فيما بينهم وينهش بعضهم البعض بغير رحمة ؟؟؟... لماذا يحقد... إقرأ المزيد...


كالعادة كل عام عقد المؤتمر القومي العربي
دورته الخامسة والعشرين. هذه المرة في بيروت، التي وصفها البيان الختامي للمؤتمر... إقرأ المزيد...


لأن شعب تونس حر لايقبل خيانة شعب سوريا ولا يقبل التآمر أوالغدر
ووقــعــتِ تونس فى يد المتآمرِ يــاثـورة ســرقــت دمـاء الثائرِ يا"نهضة" خانـت... إقرأ المزيد...


القدوه:شعار الحريه والديمقراطيه لا يُبَّرر الخيانه الوطنيه!!
في هذه الايام تمر الذكرى السنويه العاشره لسقوط بغداد الرشيد واحتلالها من قبل قوات... إقرأ المزيد...


البعث وقضية فلسطين
كانت سورية، أو بلاد الشام، تضم عبر التاريخ سورية اليوم وفلسطين ولبنان والأردن،... إقرأ المزيد...


بيان التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة
  الكاتب     رأى "التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة" بشخص أمينه العام... إقرأ المزيد...


10 اختراعات كانت الحرب العالمية الأُولى سبباً في وجودها!
كما يُقال في أحد الأمثال المشهورة “الحاجة أُم الاختراع” ولعلّ أشدُ أوقات الحاجة... إقرأ المزيد...


7 أسباب تجعلك تغير نظرتك للحياة
1- لا شيء يدوم إلى الأبد بخلاف التغيير في حد ذاته: بغض النظر عن كم المشاعر السلبية... إقرأ المزيد...


معاهدة وادي عربة وتداعياتها (2/3)
تتناول المادة الثامنة موضوع اللاجئين والنازحين، وتتضمن الموقف الإسرائيلي من حق... إقرأ المزيد...


صحافة العدو

من وراء ستار وقف إطلاق النار: تفاوض من غير الحكومة ومن غير حماس
الاثنين, 21 يوليو 2014
طرقت مبادرة وقف إطلاق النار المصرية التي نشرت في مساء يوم الاثنين...
المطلوب عملية برية ذكية
الاثنين, 21 يوليو 2014
أوقف إطلاق نار؟ أضحكتم حماس. لأنه أي سبب حقيقي يجعلها تقبل شروط...
أرض الواقع
الاثنين, 21 يوليو 2014
"الأمور التي ترى من هنا لا ترى من هناك"، تقول الجملة الجميلة إياها...
دمار وخراب
الثلاثاء, 08 يوليو 2014
بعد ان رد قضاة محكمة العدل العليا الاسبوع الماضي الالتماس ضد هدم...
ثمن الخسارة يمنع الانتفاضة التالية إلى الآن
الثلاثاء, 08 يوليو 2014
ثمن الخسارة يمنع الانتفاضة التالية الى الآن – هآرتس بقلم: عاموس...

قصائد تسكننا بأصواتهم

أغانٍ للفنان رابح درياسة

قصائد مغنّاة للشابي

You are here  :