مؤرخ صهيوني: جيشنا فقد الإبداع وعجز عن توفير الأمن ..:: ثوابت ::.. حزب الله: المقاومة في غزة انتصرت والتفاوض الآن يصب في تثمير الإنتصار ..:: ثوابت ::.. أخبـار فلسـطيــن / "الأسرى" تنشر أسماء 26 معتقلا خلال عدوان غزة ..:: ثوابت ::.. بالصور: كتائب المقاومة تعرض صور لمتعلقات جنود الاحتلال ..:: ثوابت ::.. محدث: 41 مجزرة بحق عائلات كاملة بغزة ..:: ثوابت ::.. الاحتلال يعترف رسميًا بفقدان الجندي شاؤول آرون ..:: ثوابت ::.. أخبـار فلسـطيــن / بروفيسور نرويجي شاهد على "جرائم الحرب" بغزة ..:: ثوابت ::.. أخبـار فلسـطيــن / بالأسماء حصيلة الشهداء 187 ..:: ثوابت ::.. د.شلّح: معادلة تهدئة مقابل تهدئة انتهت والاحتلال يتحمل مسؤولية عدوانه ..:: ثوابت ::.. سرايا القدس تقصف نتانيا للمرة الثانية بصاروخ براق 100 وديمونا بصاروخ براق 70 ..:: ثوابت ::.. اليوم السابع للعدوان..ارتفاع عدد الشهداء الى 175 و اكثر من 1230 جريح ..:: ثوابت ::.. البنيان المرصوص.. سرايا القدس تواصل دك العمق الصهيوني ..:: ثوابت ::.. شريط مصور يبين كيفية استشهاد نديم نوارة ومحمد أبو ظاهر ..:: ثوابت ::.. العشرات من اصدقاء الشهيد نديم نوارة ينظمون وقفة وسط رام الله ..:: ثوابت ::.. واشنطن والامم المتحدة تدعوان "اسرائيل" لاجراء تحقيق في استشهاد نوارة وابو ظاهر ..:: ثوابت ::.. / بالصور : الفلسطينيون يحيون يوم الارض بمسيرة ..:: ثوابت ::.. ::أخبـار فلسـطيــن / احمد سعدات يرفض فكرة الافراج عنه في صفقة ناتجة عن مفاوضات ..:: ثوابت ::.. ::أخبـار فلسـطيــن / الاحتلال يصادق على بناء كنيس "جوهرة إسرائيل" بالقدس:: ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / "إسرائيل" تقرر: الدفعة الرابعة لن تشمل أسرى الداخل المحتل:: ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / أسرى يدخلون أعوامًا بسجون الاحتلال:: ..:: ثوابت ::.. بالصور..جماهير غفيرة تواري جثمان "أبو عرب" الثرى في سورية ..:: ثوابت ::.. شهيدة برصاص الاحتلال شرق خان يونس ..:: ثوابت ::.. مسيرة حاشدة للمستوطنين في القدس المحتلة ..:: ثوابت ::.. ::أسرى الحرية / ارتفاع قائمة الأسرى المضربين لـ7:: ..:: ثوابت ::.. أسرى الحرية / سابقة.. أسير مقدسي ينجح في تجنيد سجّانه ..:: ثوابت ::.. أسرى الحرية / تمديد اعتقال 5 أسرى بينهم 3 أطفال ..:: ثوابت ::.. عطوان : “القاعدة” تصل الضفة الغربية؟ ولم لا.. في ظل الحرب السورية و”هدنة” حماس.. وفشل رهان عباس ..:: ثوابت ::.. أسرى الحرية / أسيران من نابلس في مراكز التحقيق والتوقيف مضربان عن الطعام ..:: ثوابت ::.. الاحتلال يعتقل طفلًا في الثامنة من عمره ..:: ثوابت ::.. الاحتلال يهدم منزلين بالأغوار ..:: ثوابت ::..
كُتب للقراءة
الواقــع العربي و التحـديات الكبـــرى طباعة إرسال إلى صديق
كُتب للقراءة
الكاتب د. محمد صالح الهرماسي   
الجمعة, 08 أغسطس 2014 20:27

 

الواقع العربي

و

التحديات الكبرى

 

 

المحتـوى

الموضوع                                                الصفحة

كلمــة 3

الواقع العربي وملامح الانهيار                        5

التحدّي الصهيوني                                    32

سؤال الديمقراطية في الوطن العربي                   56

 

كلمة

تعيش الأمّة العربية في الوقت الراهن أسوأ أيامها، فما نراه من تزايد العدوان الخارجي الذي تحوّل من التهديد إلى التدخل المباشر، وزرع الفتن في العديد من الأقطار العربية إضافة إلى تحدّي الاحتلال الدائم الجاثم على الأرض العربية بفلسطين، والذي يمارس تحت أنظار العرب والعالم، الذي فقد ضميره، أبشع صنوف العدوان وتدمير البيوت وقتل الأبرياء والتنكيل بالأطفال واعتقال المناضلين وتعذيبهم، بل وتحويل الأرض الفلسطينية إلى سجن كبير وملعب يمارس فيه هوايته في القتل والتعذيب.

يجري كلّ ذلك أمام نظام عربي يعيش حالة من التنابذ والتشرذم وقوى سياسية وحزبية حركتها خجولة بل مشلولة، ولا تتناسب البتة مع حجم التحديات الخارجية ممثلة في العدوان المباشر، والتحديات الداخلية ممثلّة في الأميّة والاستبداد والفقر والتخلّف.

أما المجتمعات العربية فهي، في أغلبها، تعيش حالة من الإحباط والتلهّي بسبب ما تعانيه من سياسات الاستبداد والتهميش من ناحية، وما تخضع له من ثقافة الاستهلاك من جهة أخرى، ولذلك تبدو كأنها استقالت من واجباتها ومهامها.

أما المستقبل العربي، المأمول في التحرير والوحدة والعدالة، فإنه بالرغم من كل المظاهر المعيقة وحجم الصعوبات الجسيمة التي تحول دون تحقيق هذه الأهداف، فإنّ العرب مازالوا قادرين على العبور إلى المستقبل إن هم آمنوا به وبنوا جسور العبور إليه، أي: المعرفة والإرادة. وهم مؤمنون بذلك، ويتحقق إيمانهم في فهم مناخ الصراع القائم والعدوان الداهم، واستيعاب ووعي ما يحاك لهذه الأمّة من شرور وإلحاق بالمشاريع الصهيونية والامبريالية!

آخر تحديث: الجمعة, 08 أغسطس 2014 20:46
إقرأ المزيد...
 
مـقــــــاربــــة في تأصيل الفكر القومي طباعة إرسال إلى صديق
كُتب للقراءة
الكاتب د. محمد صالح الهرماسي   
الاثنين, 23 أبريل 2012 21:29

المحتـوى

الموضوع الصفحة

● كلمة 6

● في الدولة والأمة 8

● مفهوم المجتمع المدني

وخصوصية التطور العربي المعاصر 40

● العرب والمعاصرة :

الهوية ضرورة أم خيار؟ 58

● القطري ــــ القومي :

مصالحة أم فك اشتباك؟ 77

● العروبة والإسلام :

ثنائية الجوهر الواحد 104

 


 

كلمة

بين من يعتقد أنّ مشكلة العرب الكبرى تكمن في أنّهم أمّة قول لا فعل... وبين من يعتقد أنّهم أمّة تفتقر إلى الفكر أجدني في موقع وسط وأرى أن ما تشكو منه يكمن في انعدام التطابق بين القول والعمل، والناجم عن طلاق بائن بين الفكر والواقع...

وهذا ما يفسّر غياب الممارسة الصحيحة على الصعد المختلفة وأخصّ بالذكر الصعيد السياسي حيث يظهر بوضوح أن الحركات والأحزاب السياسية نادراً ما تحقق التطابق بين أفكارها النظرية وسلوكها العملي، وانّها في وادٍ والجماهير في وادٍ آخر...

فإلى متى ستبقى الأمّة أسيرة هذين الخيارين الخاطئين: إما الوثوقية التي تحـوّل الفكر إلى عقيدة جامدة تحنّط المفاهيم وتحجّر الأفكار، وإمّا التجريبوية التي تجعل العمل سلسلة من الأخطاء التي لا تنتهي!

وإلى متى يستمر ما لهذين الخيارين من تأثيرات مدمّرة على الأمّة، ويتسبب في ضياع الجهود المبذولة للنهوض الوطني والقومي ويرمي بها أدراج الرياح !...

أعتقد أن الاهتمام اليوم يجب أن ينصّب على إحداث القطيعة الجذرية مع هذين النهجين اللذين يلتقيان موضوعياً في نتائجهما السلبية، وان ينصـرف إلى إنتاج فكر جديد يرفض التعالي على الواقع وعلى الجماهير، ويؤسس أطروحاته ومفاهيمه انطلاقاً منهما. فكر يستطيع ان يكون منطلقاً لممارسة ناجعة تتجنّب خطر التجريب المجاني  والذي يمكن أن يقود إلى كوارث قاتلة من جهة، وخطر الوقوف الأعمى الذي يمكن أن يتحوّل إلى أشكال مهلكة من التعصّب والتطرّف من جهة أخرى.

وقد حاولت في هذا الكتاب أن أطرق باب هذا الفكر الجديد، وأُنتج في سياقه نصوصاً تتناول بعضاً من أهم القضايا الفكـرية القومية العربية...

ولم تكن المهمّة يسيرة بالطبع . لكنّي أرجو أن أكون قد وقفت فيها.
والله ولي التوفيق.

 

 

 

 

 

 

فـــي

الدولــة والأمّــة


الدولة اصطلاحاً ومفهوماً:

الدولة اصطلاحاً هي رابطة سياسية ذات سيادة فعلية على منطقة جغرافية معينة، وهي سيطرة لمنظومة حكم (ملك أو رئيس) مع حاشيته وأعوانه على الحكم على رقعة من الأرض بما تحتويه من مقيمين وموجودات مادية وقيم معنوية لفترة زمنية قد تطول أو تقصر.

وإشكالية الدولة هي توازن المصالح بين منظومة الحكم والرعية فإذا غلبت مصالح الأولى (المنظومة) اعتبرت دولة استبدادية، وهو غالب الحال أما إذا غلبت مصالح الرعية ووجدت مرجعية(قانون أساسي) لخلق حالة الترجيح أو كحد أدنى التوازن وتكريس حقوق الرعية في مواجهة المنظومة فإن الدولة ستكون أقرب إلى الديمقراطية بالمفهوم الحديث. ومنظومة الحكم في الدولة الحديثة قد تكون أعقد مما ذكر حيث تتكون من مؤسسات وليس أفراد ومنها المؤسسات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

فالدولة تعريفاً هي تجمع سياسي يؤسس كياناً ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة. وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم، إضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة، بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة لاسيما الخارجية منها.

أما الدولة كمفهوم، فليس هناك مفهوم محدد وشامل للدولة صالح لجميع المراحل التاريخية، لأن الأنظمة السياسية جاهدت لتحجيم المفهوم لخدمة توجهاتها الفكرية، ويمكن تحديد مفهوم الدولة بثلاثة أطر (طبقي، حقوقي، أخلاقي) التفسير الطبقي عمد لإخضاع مفهوم الدولة إلى الفكر من الناحية التراتبية لتبرير وجوب خضوع الطبقات الاجتماعية إلى طبقة اجتماعية محددة لتحقيق مبدأ العدل ورفع الظلم عنها ليكتسب التفسير الطبقي للدولة شرعيته.

ويعتقد "روسو" أن ظهور مفهوم الدولة يعود إلى: "أنها شر أوجدته ظروف خاصة في مقدمتها حالة عدم المساواة في الحقوق بين أفراد المجتمع".

تعد مفاهيم الحق والمساواة والعدالة... مفاهيم نسبية واشتراطية في الوقت ذاته، يحددها المُشرّع الحقوقي ويضع شروطها السياسي ويحدد مقاسها المثقف فهي مختلفة باختلاف القائمين عليها أو باختلاف السلطة وتوجهاتها. فالتفسير الطبقي (السياسي) لمفهوم الدولة لا يتفق مع التفسير الحقوقي ولا مع التفسير الأخلاقي للمثقف لاختلاف المصلحة والتوجه الفكري، فهناك دائما حزمة من المبررات السياسية والقانونية والأخلاقية تطرح لتأكيد صحة المفهوم المعتمد.

طرأ تغير كبير على مفهوم الدولة ومهامها عبر الزمن نتيجة تعدد المخاضات السياسية والتحولات الاجتماعية الكبيرة وتطور مستوى الوعي الإنساني، فأصبحت الدولة (ضرورة وحاجة) وشخصية حقوقية ومعنوية تعرف بحقوق مواطنيها وتعبر عن المراحل التاريخية والحضارية لمجتمعاتها.

إذاً الدولة هي المرجعية القانونية للوطن والمواطن على المستوى العام، وبدونها يبقى الفرد مجهولاً ولا يمكن قبوله أو التعامل معه، فالانتماء إلى الدولة ــــ الوطن هو تأكيد وتعريف للذات على المستوى الحقوقي وليس الإنساني.

يقول "الياس مرقص": "يجب فك الارتباط بين مفهوم الدولة وفكرة السلطة، إنهما اثنان، يجب إقامة مفهوم الدولة .. المجتمع السياسي ــــ العام (الكلي الخاص أو العام إزاء الخاص) استنفاذ الدولة كأداة لطبقة ضد طبقة يلغي مفهوم الدولة".

يرى "هيغل" أن الروح تحقق حريتها في الدولة وعبرها، والدولة عنده أحد منجزات العقل، ولا وجود للإرادة الفردية هنا لأن الدولة تعبر عن روح الجماعة والإرادة العامة وما الفرد إلا عضو في الإرادة العامة التي تعمل بذاتها ولذاتها كما الدولة أيضاً فهي الإرادة الشاملة، وبالتالي فإن العقل معيار تحليل لشكل الدولة، ويرى "هيغل" أن علينا أن نعترف بأن فكرة الحرية لا توجد بالفعل إلا في واقع الدولة، ولن تتحقق الحرية عملياً إلا عندما تعبر الدولة عن أهداف المجتمع، من خلال اختيارات الأفراد، فالدولة عنده هي: "كنه تطور التاريخ"، ويشكل حق الذات في الحرية نقطة التحول بين التاريخين: القديم والحديث، ويجب على الدولة أن تكون في خدمة المجتمع، الذي شيد لرعاية مصلحة الفرد في الرخاء والسعادة والأمن والحرية.

ويعتبر هيغل أن النظر إلى الإنسان خارج الظروف الإنسانية وتصور الحرية خارج الدولة ضرباً من الوهم والخيال، إذن فالإنسان توصل إلى الوعي بحريته الفردية التي تحققت في شكل دولة، حيث أصبحت الحرية فيها نظاماً شمولياً مضبوطاً بدستور تقرره الأمة بحرية، وفي النهاية تصبح الدولة هي التعبير عن حاجة الكل الشمولية لأنها وجدت بذاتها ولذاتها، ولأنها تحقق للفرد حريته وتجسد العقل في العالم ــــ العقل والحرية مفهومان لا فرق بينهما عند هيغل ــــ فالذات ليست حرة طالما لم يكن الإنسان مواطناً لدولة عقلية يرى مواطنوها عن وعي بأن وحدة الكل هي هدف جامع.

ويمكن أن نعطي نبذة عن تصورات علماء الاجتماع حول الدولة القائمة حتى نتبين موقف العروي من أصناف "الدولة القائمة"، وكيف يبني مفهوم الدولة الحديثة انطلاقا من تصورات علماء الاجتماع.

يُصَنف "علماء الاجتماع" أربعة تصورات تعني "الدولة القائمة": النموذج الأول ينفرد به "فريدريك انجلز" ويسمى بـ "الدولة التاريخية" وهي مرتبطة بالملكية الخاصة، وهذا النموذج نشأ في آسيا الغربية مبني على "نظرية الحق الإلهي في الحكم" والسلطة الفردية المطلقة، أما النموذج الثاني فهو الذي وجد عند "كارل ماركس" في نقده لفلسفة الحق عند "هيغل" وسماه "التنظيمات الجديدة" واتخذ "ماركس" كنموذج لتلك الدولة، ملكية "فريديريك الثاني" و"لويس الرابع عشر" وإمبراطورية نابليون الأول، وهو ما يُلَمّحُ إليه العروي بمفهوم الدولة الحديثة، بعد أن يمزجها بالنموذج الثالث الذي ظهر في "اجتماعيات" القرن التاسع عشر والذي نَوَهَ بالدولة الصناعية التي تعطي الأولوية للصناعة على الفلاحة في سلم الأولويات، أما النموذج الرابع فهو الذي ظهر أواسط القرن العشرين في "الاجتماعيات" والذي سمي بالدولة المعاصرة التي تعتمد على تداخل العلم والصناعة، إضافة إلى اعتمادها على وسائل الاتصال السمعية والبصرية والإعلاميات حتى سماها العروي بالنموذج الإعلاموي.

يرفض العروي في كتابه مفهوم الدولة النموذج الأول ــــ "الدولة التاريخية" ــــ ويصفها بأنها نموذج "جد فضفاض"، هذا إضافة إلى أنه يقوم على "نظرية الحق الإلهي"، ويستبعد النموذج الرابع على اعتبار أنه "يخص قسما مازال ضئيلا بالنظر إلى المنتظم الدولي".

يقول العروي: "يبقى النموذجان الثاني والثالث يتداخلان ويؤلفان نموذجاً واحداً يسمى بالدولة الحديثة، وهو ما يستعمله الباحثون في العلوم السياسية، وهو ما يسميه العروي أحياناً نموذج "الدولة الحديثة الصناعية"، إلا أنه يربط الدولة الحديثة أو العصرية بازدهار الوعي القومي، بحيث يقول: كان المؤرخون ولا يزالون يربطون ظهور الدولة الحديثة مع مميزاتها العسكرية والتنظيمية والاقتصادية والثقافية بظاهرة القومية، هذا إضافة إلى ربط مفهوم الدولة الحديثة بمفهوم العقلانية، بل إن أصل مميزات الدولة الحديثة هي العقلنة، بل إنها في مقدمة مميزاتها. وفي الفكر السياسي العربي الإسلامي الحديث، يرى البعض أن فكرة الدولة كانت فكرة أيديولوجية وليست مشروعاً معرفياً نهضوياً حقيقيا، ولعل الخلط بين مفهومي الخلافة الإسلامية والدولة الوطنية الحديثة، وكأنهما مفهوم واحد، كان عاملاً مساعداً في الالتباس في مفهوم الدولة الحديثة في المنطقة العربية، فصياغة نظرية الخلافة تعود إلى القرن الخامس الهجري وما تلاه، أي بعد تدهور مؤسسة الخلافة في الدولة العباسية، وباستثناء طروحات ابن خلدون، فإن هذه النظريات تبلورت كأفكار مثالية حول ما يجب أن يكون وليس كدراسة وصفية لما هو قائم بالفعل؛ لأن القائم كان متدهوراً مع تزايد حركات المعارضة من جانب فئات الشيعة والخوارج والمعتزلة.

من المهم التمييز بين الدولة والأمة والحكومة، فالدولة، باختصار شديد، كيان سياسي وإطار تنظيمي يوحد المجتمع، وموضع السيادة فيه، وتملك سلطة إصدار القوانين والسيطرة على وسائل الإكراه وتأمين السلم الداخلي والأمن من العدوان الخارجي.

وتختلف تعريفات الدولة في الفكر السياسي الغربي، عن هذا التعريف التقليدي، وأهم التحديات لهذا المفهوم هو الطرح الماركسي الذي يرى أن الدولة والمجتمع شيء واحد، حيث الدولة تعبير سياسي لسيطرة طبقة اجتماعية معينة، وأن الدولة الرأسمالية الحديثة هي امتداد للطبقة البرجوازية الغنية تمثل مصالحها وتضع لها قوانين وتشريعات.. والدولة لدى الماركسيين هي أعلى تعبير سياسي عن الرأسمالية كنمط إنتاج.

ومهما يكن من أمر فيمكن تلخيص مفهوم الدولة الليبرالية الحديثة بأنها العقد الاجتماعي (دولة القانون والمؤسسات) وحقوق المواطن.. فهي سلطة عامة منفصلة عن الحاكم والمحكوم، تمثل أعلى السلطات السياسية.

يتفق قطاع كبير من المؤرخين على أن مفهوم الدولة الحديثة ظهر مع كتابات مكيافيللي "القرن 16"، ذلك يعني أن المفهوم المحدد للدولة لم يظهر في العصور الوسطى ولا ما قبلها، رغم أن كلمة "دولة" ظهرت في الفكر السياسي الإسلامي وغيره، لكنها كانت مصطلحاً فضفاضاً يراد به عدة مفاهيم، فأحياناً هي مرادف للحكومة أو النظام السياسي أو كوزارة أو قضاء أو زعامة وقيادة (دولة بني مروان، بني عباس،..).

وتطورت فكرة الدولة في أوروبا من خلال تطور الفردانية ومفهوم الحرية المرتبط بها، فتفتيت المجتمع إلى وحدات (أفراد) يتمتعون نظرياً بالحرية في مواجهة بعضهم البعض هو الذي سمح بتطور مفهوم الدولة ككيان يتعامل مباشرة مع الفرد بصورة قانونية لا شخصانية، وإن كانت فردية تقوم على احترام حقوق الفرد في الأمن والملكية والاعتقاد..

في نشوء الدولة:

تعدّ الدولة ظاهرة تاريخية وسياسية وجغرافية واجتماعية، وقانونية وحضارية، وثقافية الخ، حيث أصبح وجود الدولة مسألة ضرورية لتنظيم العلاقة بين الأرض والمجموعة البشرية المرتبطة بالأرض. إذ يعود نشوء الدولة إلى نحو 5000 قبل الميلاد.

وتعتبر مصر واحدة من أقدم الدول التي ظهرت في التاريخ 3200 قبل الميلاد، حيث يعتقد كثيرون أن فكرة الدول نشأت في مصر، وانتقلت منها إلى بقية العالم(1).

ولقد عرفت الدولة في سيرورة تشكلها التاريخية مراحل عدة حتى أصبحت بمنزلة الدولة ــــ الأمة ذات السيادة. وجاءت الدولة الأوروبية الحديثة بعد مراحل من التفكك والاندماج، وكان ذلك منذ ظهور معاهدة وستفاليا 1648، التي أنهت الحروب الدينية في أوروبا واقترحت فكرة الدولة في ذلك الوقت.

بعد سـقوط النظام الإقطاعي، وترسـخ الثورة الصناعية في بريطانيا (1760-1830)، ونجاح الثورة الأمريكية 1782، واندلاع الثورة الفرنسية في 14 تموز 1789، بدأت فكرة الدولة الحديثة تترسخ اعتماداً على مبدأ القومية.

ولقد لعب النهوض السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري دوراً في بلورة مفهوم القومية الذي شكل قاعدة الكيانات الأوروبية التي كانت تعاني من الانقسامات والصراع فيما بينها بهدف السيطرة على الأراضي والمقاطعات.

وبلغت القومية ذروتها في القرنين 18 و 19، فأضافت بعداً جديداً لفكرة وجود الدولة الحديثة. علماً أن القومية لم تسلم من الانحدار أحياناً نحو الشوفينية والاعتزاز بالذات واحتقار الآخرين، مثلما مثلتها حالة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية(2).

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الدولة القومية الحديثة ذات السيادة المنتشرة في العالم الثالث، ومنها الوطن العربي، نتاجاً أوروبياً. وقد تطلب ذلك ثلاثة أمور أساسية، تتمثل في إنجاز أكبر قدر من المركزية السياسية، وإقرار النظام السياسي، وفرض ثقافة عليا.

مع ظهور فكرة القومية تقلص عدد الدول بالتدريج في أوروبا، لأن المنحى الذي اتخذته الحركة القومية هو منحى توحيدي للكيانات الصغيرة المجزأة. فعلى سبيل المثال كان في ألمانيا معاهدة وستفاليا 900 دولة، وأدت الحروب بينها إلى تناقصها فصارت 355 دولة. وأسفرت حروب نابليون الأول عن زوال 200 دولة منها. وفي عهد الاتحاد الكونفدرالي الألماني 1815 لم يبق منها سوى 36 دولة دخلت ذلك الاتحاد، واستمرت عملية توحيد المناطق بالحرب حتى ظهرت ألمانيا الموحدة على يد بسمارك 1871، فتكونت من 24 دولة كانت باقية. وكانت عمليات التوحيد عن طريق الحروب مستمرة في كل أوروبا، وتمت الوحدة الإيطالية 1870 اعتماداً على ضم الولايات والدوقيات والإمارات والمقاطعات ذات الثقافة المشتركة، وفي مقدمتها اللغة في دولة واحدة، حيث انتقلت الموالاة في فترة الدمج والتوحيد من الحاكم إلى الدولة، أي صارت السيادة للدولة. وأسفرت كل هذه الجهود عن ثورة القومية وفكرتها في أوروبا(3).

إذا كانت الحركات القومية التحررية في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة قد أسهمت في قيام دول قومية جديدة، مثل توحيد فيتنام الشمالية والجنوبية تحت لواء الحزب الشيوعي الذي تبنى المسألة القومية، وعمل على إنجاز الثورة الوطنية التحررية في مواجهة الاستعمار الفرنسي أولاً، ثم الإمبريالية الأمريكية ثانياً، فإن هذا النهج لا يمكن اعتباره قانوناً عاماً. إذ أدت الحركات الانفصالية التي نجمت عن انشقاق داخل الحركات القومية إلى قيام دول جديدة، مثال انفصال باكستان الشرقية عن الغربية 1972 تحت اسم بنغلاديش.

وعلى كل حال، فإن أي دولة قومية لها ظروفها التاريخية والجغرافية والقومية التي أثرت على نشأتها (أي مبرر وجودها الخاص) ومن هنا يصبح من الصعوبة بمكان وجود تعريف جامع أي مقبول عالمياً للدولة القومية، لأن كل باحث يركز على زاوية معينة.

وفضلاً عن ذلك، فقد تغير شكل الدولة عبر التاريخ، وكذلك تغيرت وظائفها، وتغير مفهومها. فالدولة تفاوتت جغرافياً وتاريخياً من الدولة المدينة، إلى الدولة القومية، إلى الإمبراطورية، إلى الدولة المركزية الوحدوية، إلى الاتحادية (فيدرالية/كونفدرالية)، إلى الدولة الديمقراطية، إلى الدولة الديكتاتورية، إلى الدولة الملكية، إلى الدولة الجمهورية، إلى الدولة الأمة، إلى الدولة متعددة الأعراق. ولذلك يصعب بل يستحيل وضع تعريف ينطبق على كل مكان وزمان لما تعارف الناس على أنه الدولة(4).

في تعريف الدولة:

تعدّ العوامل البشرية من أهم المؤثرات في الدولة، وفي سلوكها السياسي، وفي جغرافيتها السياسية، وفي علاقاتها بغيرها من الأقطار وتشتمل هذه العوامل على التكوين الإثني للسكان أي القومي (الجنس واللغة والدين)، وعلى عدد السكان وتوزيعهم وتركيبهم وحركتهم وخصائصهم الحضارية وتنظيماتهم الاجتماعية.

ويمكن القول إن الدولة تتكون من أربعة عناصر هي: قطعة من الأرض، ومجموعة من الناس وسلطة عليا تنظم العلاقة بين الأرض والناس والسيادة على أرضها وشعبها من دون تأثير خارجي.

ولا يمكن تصور قيام دولة من دون إقليم جغرافي، أو من السكان قلوا أو كثروا.

الدولة هي مستودع السلطة الشرعية في التاريخ الحديث ويرى البعض أن العالم من الناحية السياسية عبارة عن نظام دولي يتكون من عدة أنظمة أصغر تتكون من الدول المستقلة ذات السيادة. وتعتز غالبية دول العالم بالدولة لأنها أبرزت الخصائص الأساسية (الأرض، السكان، السلطة، السيادة) التي تؤهلها لذلك.

وعند ما يتحدث البعض عن سلطة الدولة حالياً في العالم المتقدم، فهم لا يعنون القوة الاستبدادية المنوطة بالنخبة الحاكمة، فهذه قوتها في تراجع مُستمر، وإنما يعنون قوة المؤسسات (الانتخابات، البرلمان، الأحزاب، الدساتير، الرأي العام).

في الوطن العربي، لم ينغرس مفهوم الدولة الحديثة بعد في الفكر السياسي العربي. فكلما وردت كلمة الدولة في الخطاب العربي المعاصر تحيل على تصورها للسلطة التي يلتبس مفهومها، عند العرب بمفهوم الدولة(5).

عرف الوطن العربي، ولاسيما المشرق العربي منه، المدينة الدولة، والنظام الإمبراطوري والتفتت الإقطاعي، لكنه لم يعرف الدولة على النحو الذي حدث في الغرب الذي يشهد جميع الأشكال السابقة للدولة الحديثة.

وما التسميات التي أطلقت على أنظمة الحكم المختلفة من أسماء، كالخلافة والإمارة والسلطنة والولاية وغيرها، لا تحيل إلا على الأساس الأنتروبولوجي المشترك بين تلك الأنظمة والدولة الحديثة.

ــــ في الدولة الإمبراطورية المركزية الإسلامية لم يكن سلطانها يتعدى كثيراً المدن والحواضر وظهيرها، وكانت الجباية من المناطق النائية والهامشية أشبه ما تكون بحملة، أو تجريدة عسكرية، تذيق سكان تلك المناطق ألوان القهر والعذاب، وكذلك تأديب العصاة المارقين.

فلا يمكن الحديث عن تجربة دولة على مدى أكثر من عدة قرون متتالية. وقد انتظر العرب المسلمون أكثر من ثلاثة قرون حتى عرفوا الدولة في عهد الاستعمار الأوروبي، لذلك لا نجد في المعجمات العربية ولا في كتب السياسة السلطانية معنى لكلمة الدولة تقربنا من معناها الذي نتداوله اليوم(6).

كان الجدل الفكري في الوطن العربي حول مفهوم الدولة عقيماً، ونادراً ما نجد تنظيرات جدية ترتقي إلى مستوى الإنتاج الفكري لمفهوم الدولة، والسبب في ذلك يعود إلى الفقر المعرفي في هذا المجال بالذات، وإلى نقص التواصل مع مصادر الفكر الإنساني الذي نظر للدولة، أمثال أفلاطون، أرسطو، ابن خلدون، روسو، كانط وهيغل.

إن الحرية لم تكن توجد إلا خارج الدولة وبالتضاد معها ولم تكن الحرية تتجلى في تاريخنا الطويل إلا في البداوة والتقوى والتصوّف. وأن البنى ما قبل الدولتية كانت ولا تزال ملاذاً آمناً من سيطرة السلطة التي تتجلى في العشيرة والغنيمة والعقيدة(7).

الدولة هي العنصر العام المشترك بين جميع المواطنين. ولما كان العنصر العام هم العنصر الفعلي والأخلاقي، فإن الدولة هي تجسيد للفعل وتجسيد للأخلاق وتجسيد للحرية. ذلك لأن أساسها هو الفعل والأخلاق والحرية، أي الإنسان/المواطن، وهذا الأخير هو أساس المجتمع المدني الحديث.

عايش العرب تجربة الدولة في العهد الكولونيالي وفي عهد اللحظة الليبرالية الذي تلاه، فعرفوا البرلمان والانتخابات التشريعية والدستور والقانون الوضعي وفصل السلطات والجيش الوطني والإدارة المدنية البيروقراطية والنقابات والأحزاب السياسية والصحافة الحرة والتعليم العلماني والصناعة الحديثة والزراعة الحديثة لكن العرب لم يعرفوا فكرة الدولة، ولم يبلوروا نظرية عن الدولة(8).

وبعد ذلك جاءت السلطات الشمولية التي حكمت الوطن العربي فغابت الدولة في الفكر السياسي العربي وفي الوعي الاجتماعي إلا بوصفها سلطة تعسفية استبدادية.

ليس لدينا إذاً سوى فكرة مسبقة وناجزه عن الدولة، أي ليس لنا سوى أدلوجة عن الدولة حسب تعبير العروي الذي يؤكد أن "أدلوجة الدولة سابقة على نظرية الدولة"(9).

من هنا فإن فكرة الدولة هي المقدمة الضرورية لعقلنة السياسة.

يرى العروي أن "الفكر السياسي الإسلامي صورة مقدسة للتجربة السياسية العربية" وأن المفكرين المسلمين يتفقون في تصورهم لطبيعة الدولة ويستعملون مفهوماً واحداً هو الذي نجده في القاموس تحت مادة (دول). إذا لخصنا تعريفاتها وجدناها تتناول جميعها ميدانين. هما الحرب والمال، وتؤدي معنيين: الغلبة والتناوب.

الغلبة في الحرب تؤدي إلى الاستيلاء على المال والاستقلال به، لكن الحرب سجال، ولا دوام لسلطة جماعة واحدة إذ لا بد أن تضعف وأن تخلفها جماعة أخرى. وما تحليلات ابن خلدون المتشعبة إلا تعيينات لفكرة القهر والاستئثار من جهة وفكرة التداول من جهة أخرى(10). ويضيف العروي: هذا هو واقع الدولة، مفهومها هو التسلط (بحكم هذه التجربة) لا يمكن تصور دولة بلا جماعة معنية بالخبرات، وبالمقابل لا يمكن تصور الحرية، إلا خارج الدولة، أي في نطاق الطوبى(11).

تجربة الدولة العربية والحداثة السياسية:

الدولة العربية الحديثة، لا تعبر عن الدولة ــــ الأمة كنموذج غربي بأي معنى من المعاني، سواء منها القطرية التي اختزلت مفهوم الأمة في حدودها القطرية الموروثة من الاستعمار الأوروبي، أو القومية الحديثة التي عبرت عن دائرة انتماء أوسع، وحاولت ربط العرب بأيديولوجية قومية علمانية، ترتكز على مفهوم الوطن الواحد. كما أن هذه الدولة العربية ليست متحداً سياسياً فيه إجماع من قبل الشعب على شرعية النظم السياسية الحاكمة، التي يسيطر عليها حكام ذاتيون متقلبون، وتتسم بانتشار الفساد الواضح على صعيد أعضاء الحكومة والمؤسسات والبيروقراطية الحزبية والبوليسية، وبالانتهاك الصارخ والاعتباطي لحقوق المواطنين وحرياتهم.

على الرغم من حدوث الاستقلال السياسي في معظم البلدان العربية منذ أواسط القرن العشرين، فإن عملية انبثاق الدولة العربية قد نمت ضمن سيرورة "العصرنة السياسية" التي أدخلتها الإمبريالية الأوروبية إلى العديد من البلدان العربية، كالتمدن والتصنيع، وتطبيق نوع من الديمقراطية البرلمانية، والنظام البيروقراطي الحديث، والتعليم الحديث، ومشاركة وسائل الإعلام، واستبدال عدد كبير من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية بسلطة سياسية "وطنية" علمانية، وضمن البنية وعلاقات التبعية البنيوية للإمبريالية التي يتصف بها المجتمع العربي بشكله "الحديث" الذي يتألف من ثلاث طبقات متميزة على حد قول الدكتور هشام شرابي: "الجماهير الفقيرة (ومعظمها ريفي) والبرجوازية الصغيرة (التي تسكن المدن)، والبرجوازية الحاكمة التي تمتلك في يدها كل السلطة وكل الثروة الوطنية تقريباً. وقد تم الاستقلال الوطني (بالأحرى التبعية) ونشأة نظام الدولة المعاصرة في الوطن العربي، بقيادة هذه البرجوازية (البطركية الحديثة)، وفي ظل أفكارها وأهدافها وهي الطبقة التي تمثل النتاج الاجتماعي المباشر والأكمل لعصر الإمبريالية"(12).

تفترض العصرنة السياسية المشاركة المتزايدة في السياسة من قبل فئات اجتماعية من المجتمع ككل، وقد تسهم المشاركة الموسعة في السياسة في تعزيز سيطرة الحكم على الشعب، كما في الدول الكليانية أو أنها قد تسهم في تعزيز سيطرة الشعب على الحكم، كما يحدث في بعض الدول الديمقراطية، لكن في كافة الدول العصرية يصبح المواطنون معنيين مباشرة بشؤون الحكم وتحت تأثيرها، إن السلطة العقلانية والبنية التفصيلية والمشاركة الجماهيرية هي إذاً ما يميّـز أنظمة الحكم العصرية عن أنظمة الحكم السابقة(13).

إلغاء فكرة الدولة:

بقيت الدولة في شتى أشكالها التقليدية الموالية للغرب، أو "الثورية العسكرية"، التي انتهجت سياسة تعديل شروط العلاقة مع الإمبريالية، دولة تفتقد إلى العقلانية مطبقة في السياسة، ولا زالت سياسة الدول العربية هذه غير متحررة من المطلقات، وذات بنية تقليدية من حيث الجوهر، ولا ترتكز هذه سياستها على خدمة المصلحة القومية أولاً، ولا على التمييز بين الحقيقة الواقعية والمعتقد ثانياً، ولا على مبدأ سيادة الأمة ثالثاً.

لا شك أن أوجه العصرنة الاجتماعية والثقافية التي قامت بها الدولة العربية أضحت واضحة للعيان، من خلال تعميمها التعليم ومجانيته دون أن تجعله إلزامياً، وبذلك فإن عدد الأميين يتضاءل باطراد وترتفع نسبة خريجي المدارس الثانوية والجامعات والمعاهد العليا، وتشهد المدن العربية نمواً سريعاً وإن كان متوحشاً في غالبيته نظراً للهجرة المكثفة من الريف إلى المدينة، وبروز أحزمة البؤس والفقر في معظم المدن العربية، وتنتشر وسائل الإعلام والاتصال وتزداد توسعاً، ويشهد الدخل الفردي الإجمالي نمواً من الناتج القومي، ويتم تجهيز المستشفيات والأطباء والآلات الحديثة، ويرتفع مستوى المهارة المهنية بشكل ملحوظ في مجال الزراعة والصناعة. غير أن العصرنة السياسية التي تعني من وجهة نظر عملية عقلانية السلطة، وتوسيع المشاركة السياسية، والانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي، لا تزال تسير وفق آلية بطيئة.

في العلاقة التنابذية بين الأمة والدولة في الوطن العربي:

الأمة في اللغة تعني الجيل والجنس من كل حي. وردت كلمة الأمة بالمفرد 52 مـرّة، وبالجمع 13 مرّة، في القرآن الكريم والسنة للدلالة على جميع المسلمين في كل مكان أو زمان قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا البقرة: 143. ولفظ الأمة قد يطلق ويراد به الجماعة، وقد يراد به الدين والملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ الزخرف: 22. وقد يطلق ويراد به الذي يُقتدى به في الخير، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةًالنحل: 120.

إن لفظ الأمة قديم في اللغة العربية وشاع منذ ظهور الإسلام في بداية القرن السابع. وقد ورد ذكره في القرآن الكريم في مراجع كثيرة. لكنه من الألفاظ الحديثة في تاريخ أوروبا. ولم يتفق الفقهاء على تعريف محدد للأمة.

مفهوم الأمة عند الفارابي:

واهتم الفارابي (339هـ) بموضوع الأمة اهتماماً بالغاً إذ يمكن القول إن هذا الاهتمام يمثل موقفاً متميزاً من مواقف كل الذين كتبوا حول الأمة بين النص القرآني والنص الخلدوني إذ يتضمن في بنيته العامة كلاماً يتجه نحو واقعية التحليل الخلدوني وكلاماً ينحو نحو مثالية الأمر القرآني كما يقول ناصيف نصار.

من البديهي أن الوحدة الاجتماعية السياسية التي يعنى بها الفارابي أكثر من غيرها هي (المدينة)، وترادف لفظة الأمة، إذ نراها بوضوح متضمنة في نصوص عديدة في كتبه من أمثال السياسة المدنية وإحصاء العلوم وتحصيل السعادة والحروف وآراء في المدينة الفاضلة. والذي نريد قوله هنا إن هذه النصوص الفارابية التي أشرنا إلى مواضعها نجد فيها تصوراً يطابق ما يردده ابن خلدون (808هـ) فيما بعد حيث يصرح بالاقتران الثابت بين تصور الأمة وتصور الجيل.

إن مفهوم الفارابي أقرب إلى المفهوم السياسي لمعنى الشعب حيث ترد المفردة بلفظها عنده فيقول: العرب يعنون بالجوهر الأمة والشعب والقبيلة من حيث إنّ محور التقسيم في فلسفة الفارابي السياسية هو (المدينة) وإن إغفالها أو إسقاطها ذو دلالة مع أنه لا يعني أبداً أن الفارابي لا يعتبر الجماعة القبلية في نظرته الاجتماعية(14).

أي أن مفهوم الأمّة عند الفارابي هو مفهوم اجتماعي محوري يتمتع بمكانة عالية، ويشكل مستوى أهم من مستوى المدينة.

مفهوم الأمة عند ابن خلدون:

إذا ما ذهبنا إلى النص الخلدوني نجده هو أيضا لديه التباس مفهوم الأمة بمفهوم القبيلة ويستند تصورها إلى تصوّر العرق ونلاحظ في مواضع متعددة من نصوص (المقدمة) ارتباط الأمة بالعشائر والقبائل كما نجده يذكر لفظة الشعب حيث يقول: إن الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عودته إلى شعب آخر منها ما دامت لهم العصبية. والفارابي لا يستعمل لفظة الأمة بالمعنى الديني المتداول المعروف بل يستعملها بالمعنى الاجتماعي الطبيعي الفلسفي مميزاً مضمونها من مضمون لفظة المدينة ولفظة المعمورة ويوافقه على هذا الرأي ابن خلدون فإنه يستعمل لفظة (الملة الإسلامية) ولا يستعمل لفظة الأمة بالمعنى الديني إلا في مواضع نادرة.

ابن خلدون هو صاحب النظرية الاجتماعية والتاريخية التي جاءتنا في المقدمة، وحين تطرق إلى موضوع الأمة، تطرق إليها من زاوية المؤرخ الاجتماعي. وقد قام بالربط بين مفهوم الأمة ومفهوم الجيل، إذ إن المفهومين يأتيان معاً في معظم فصول مقدمته، على سبيل العطف أو البدل. وأكثر من ذلك، فإن ابن خلدون يفتتح كلامه على العمران البشري بمفهومي الجيل والأمة. "الحمد لله الذي له العزة والجبروت... العالم... القادر... أنشأنا من الأرض نسماً، واستعمرنا فيها أجيالاً وأمماً". العمران البشري أجيال وأمم. هذا هو المعطى العام الأول، بحسب نظرة ابن خلدون. ولا يوجد في أبواب (المقدمة) خروج عن حدود هذا المعطى، كما يظهر من المقتبسات التالية، المأخوذة من مختلف تلك الأبواب.

"إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال"(15).

يقول الكاتب اللبناني ناصيف نصار في معرض تحليله للمفهوم الخلدوني عن الأمة، وعن ارتباط هذا المفهوم مع مفهوم الجيل، بأنه ارتباط غير عارض، إذ لا يوجد حسب قول نصار سوى نص واحد في المقدمة يحدد فيه ابن خلدون معنى الأمة. ولذا نثبته فيما يلي بأكمله.

"ولما رأى النسابون اختلاف هذه الأمم بسماتها وشعارها حسبوا ذلك لأجل الأنساب. فجعلوا أهل الجنوب كلهم السودان من ولد حام وارتابوا في ألوانهم، فتكلفوا نقل تلك الحكاية الواهية. وجعلوا أهل الشمال كلهم أو أكثرهم من ولد يافث، وأكثر الأمم المعتدلة وأهل المتوسط المنتحلين للعلوم والصنائع والملل والشرائع والسياسة والملك من ولد سام. وهذا الزعم وان صادف الحق في انتساب هؤلاء، فليس ذلك بقياس مطرد. إنما هو أخبار عن الواقع، لا أن تسمية أهل الجنوب بالسودان والحبشة من أجل انتسابهم إلى حام الأسود. وما أداهم هذا الغلط إلا اعتقادهم أن التمييز بين الأمم إنما يقع بالأنساب فقط، وليس كذلك. فإن التمييز للجيل أو الأمة يكون بالنسب في بعضهم كما للعرب وبني إسرائيل والفرس، ويكون بالجهة والسمة كما للزنج والحبشة والصقالبة والسودان، ويكون بالعوائد والشعار والنسب كما للعرب، ويكون ذلك من أحوال الأمم وخواصهم ومميزاتهم. فتعتيم القول في أهل جهة معيَّنة من جنوب أو شمال بأنهم من ولد فلان المعروف لما شملهم من نحلة أو لون أو سمة وجدت لذلك الأب، إنما هو من الأغاليط التي أوقع فيها الغفلة عن طبائع الأكوان والجهات، وإن هذه كلها تتبدل في الأعقاب ولا يجب استمرارها"(16).

لم يهتم ابن خلدون بتبرير استعماله لكلمة أمة في كل مرة استعملها. فعلى القارئ المدقق أن يكتشف المعنى المقصود في كل مرة، بحسب الشروط المقارنة والمفاهيم المصاحبة، كمفهوم الجيل أو القبيلة أو العشيرة أو الجهة أو غيرها.

ومهما يكن من أمر دقة استعمال ابن خلدون لمصطلح الأمة، فإن نظرته العامة إلى المراحل التاريخية الكبرى واضحة، إذ تقوم على أن كل مرحلة تتميز عن غيرها بعدد من الأمم من حيث الظهور والسيادة.

في سياق التحقيب التاريخي في النص الخلدوني الوارد في المقدمة، لا يربط ابن خلدون مفهوم الأمة بالجيل والقبيلة فحسب، بل ربطه بالوطن أيضاً. وذلك من خلال قوله: "إن كل أمة لا بد لهم من وطن هو منشؤهم ومنه أولية ملكهم".

 

تعريف الأمة في العصر الحديث:

نصل بعد هذا الاستعراض التاريخي إلى نتيجة تتعلق بالتعريف الحديث للأمة ألا وهي جماعة إثنية من البشر لها خصائص تربط بين أفرادها برابطة الانتماء والولاء لها من خلال وشائج التاريخ المشترك، والعادات والتقاليد، واللغة، والثقافة، والدين، والحضارة، وتُميزها هذه الخصائص عن غيرها.

هناك شبه إجماع على أن تاريخ الأمم القديمة، التي ظهرت على مسرح التاريخ وكونت إمبراطوريات مثل الصين والعرب، ليس بالتأكيد هو تاريخ الأمم الأوروبية. وهذا الاختلاف الجوهري نفهمه مما كتب ماركس وإنجلز عن العرب والهنود وغيرهم من شعوب الشرق. فالأمم قديمة وعالمية، وتاريخها طويل جداً ومتنوع. تاريخ الشعوب بعد ظهور الإنسان النوع هو، جوهرياً، تاريخ تكوّن الأمم. ومن التعريفات التي تناولت مصطلح الأمة ورد في موسوعة ديــدرو Diderot الفرنسية أن الأمة هي "اسم جنس يدل على مجموعة كبيرة من الناس، يعيشون على قطعة من الأرض، داخل حدود معينة، ويخضعون لحكومة واحدة"(17).

إن مشكلة هذا التعريف تتمثل في اعتبار جميع رعايا الدولة الواحدة أمة واحدة، بصرف النظر عن انقساماتهم الإثنية والقومية. لقد كانت ألمانيا، قبل إنجاز الثورة الديمقراطية البرجوازية، مجزأة إلى عدة دويلات صغيرة، فهل يعقل أن نعتبر سكان برلين وبون وفرانكفورت من أمم مختلفة لأنهم ينتسبون إلى دول مختلفة؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت تضم عدة أقوام مثل الأتراك والعرب والأرمن والبلغار والأكراد.. الخ فهل يعقل، أيضاً، أن تعتبر هذه الأقوام كلها أمة واحدة لأنهم يخضعون لدولة واحدة؟(18).

لذلك علينا، ومع احترامنا لما تذهب إليه بعض النظريات الحديثة في الأمة من أن هذه الأخيرة لا توجد إلا في الدولة، أن نميّز بين تشكّل الأمة عبر سيرورة تاريخية معقدة وبين وجود الدولة. فمن الممكن جداً أن تكون الأمة موجودة من دون تحقيق وحدتها السياسية في إطار "الدولة الحديثة".

يمكن القول إن الأمة جماعة من الناس لها خصائصها ومكوناتها هي: منطقة جغرافية، والرغبة في العيش سويا ًأي وحدة المشيئة والإرادة، واللغة المشتركة، والعادات والتقاليد وحدة الثقافة والتاريخ المشترك.

وقد تكون الأمة خاضعة لعدة دول كما هو حال الأمّة العربية والأمّة الألمانية سابقاً والأمّة الكورية. ويعتبر التاريخ والعادات والتقاليد ووحدة الثقافة واللغة من أهم العوامل التي تخلق شعور القرابة المعنوية بين أبناء الأمة.

في كتابه المهم "اللغة العربية والهوية القومية" الصادر عن جامعة إيدنبرغ سنة 2003، يتعرض الباحث ياسر سليمان لأفكار حسن المرصفي ونجيب عازوري والقاضي اللبناني عبد الله العلايلي الذي نشر عام 1941 كتابه "دستور العرب القومي" وغيرهم من الكتّاب ممن تناولوا موضوع دور اللغة في تعريف الأمة. ويتوقف عند العلايلي الذي يرفض التعريفات الغربية للأمة، الأمر الذي شاطره فيه مؤسس حزب البعث ميشيل عفلق الذي تأثر بأفكاره أيضاً المفكر القومي المعروف نديم البيطار الذي اهتم أيضاً بوظيفة اللغة الاتصالية وبصفتها مميزا ومحددا للحدود. فمن جهة الأمة تجتمع نتيجة لتبادل الأفكار والمشاعر، وهذه الأفكار والمشاعر تميز الأمة عن غيرها، ومن هنا جاءت أفكار للبيطار مثل عدم جواز ترجمة القرآن حرصاً على خصوصيته العربية.

يولي سليمان ساطع الحصري (1880-1968) ـــــ وهو أحد أهم ممثلي الأيديولوجية القومية العربية ـــــ أهمية خاصة، ويلتفت إلى دور التعليم في التحديث وبناء الأمة. فقد أصر على أن تكون العربية لغة التعليم الوحيدة في مرحلة ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، وعلى تعريب المصطلحات العلمية. وتعريف الحصري للأمة يركز على العامل الثقافي أكثر من السياسي، فهو لا يرى الدولة شرطاً ضرورياً أو كافياً لتكوين الأمة.

يرى ساطع الحصري، في هذا المجال، أن بعض الأمم قد تكون مجزأة وموزعة بين دول عديدة كما كانت الأمة الألمانية قبل اتحادها، وكما هي الأمة العربية في الحالة الحاضرة.. كل أمة تنزع إلى تكوين دولة خاصة بها، إلا أنها تكون موجودة قبل أن تتوصل إلى تكوين الدولة، كما أنها تبقى "أمة" ذات كيان خاص حتى إن فقدت الانتظام في شكل دولة. وتكون أمة واحدة ولو تعددت الدول التي ترعى شؤونها. فالأمة والدولة شيء آخر.

ويبدو الحصري قريباً من النموذج الألماني في تعريف الأمة، ولكن بينما يهتم الفلاسفة الألمان بالآخر والمقارنات، يهتم الحصري بالعامل الداخلي للروابط العربية دون كبير انشغال بالأمم الأخرى. ويؤمن بأن للدين دوراً رئيساً في تكوين الأمة عندما تكون ذات نوع منغلق مثل اليهودية ولكن ليس على أديان مثل المسيحية والإسلام، لاسيما للتعدد اللغوي لأمم هذه الديانات.

أما بخصوص الدين كعنصر مكون للأمة فقد حدث اختلاف عليه، فعندما نشأت الأمة والقومية في أوروبا لم يكن الدين من مكوناتها نظراً لتبني معظم الدول الغربية العلمانية التي قادت إلى فصل الدين عن الدولة. لأن هذه الأفكار نشأت في أوروبا في القرنين 18 و19، بعد فك الارتباط بين الدولة والكنيسة والفصل بينهما وسيادة النزعة العلمانية هناك.

الحركة القومية في العصر الحديث:

تجدر الإشارة إلى ظهور قوتين كبيرتين في الوقت الحاضر تؤثران بشدة على المسرح السياسي الدولي، واحدة منها القومية، والأخرى الأصولية الدينية. وهما ليستا بجديدتين، وأنهما قديمتان، وكان لهما دور سياسي كبير عبر التاريخ(19).

فالقومية هي أساس نشأة الحداثة، وقبل القومية كانت الدولة الدينية ويشهد العالم في الوقت الحاضر صراعاً قومياً مريراً من قبل قوميات وجماعات دينية تريد الانفصال عن دولها، وهما يشكلان حالياً جزءاً من الحركات الاجتماعية الأوسع المؤثرة على المسرح السياسي الدولي.

 

 

وهناك اتجاهان فيها يتعلق بالحركة القومية:

1ـ الأول يرى أن القومية مفهوم أيديولوجي، وفي السياسة يعني الأمة، فضلاً عن مصالحها القومية.

2ـ الثاني يرى أن القومية هي قوة اجتماعية مستقلة، وهي متغير مستقل في التاريخ، وروجت لها النخبة، وتجاوبت معها الجماهير كمحدد للهوية.

ونقلت النخبة العربية الفكرة القومية هذه عن أوروبا، علماً أن فكرة الأمم أقدم عندهم.

وانقسمت آراء النخبة في الوطن العربي بخصوص فكرة القومية، فهناك من يعتقد في الفكرة القومية، كما نقلها عن أوروبا من دون تعديل، وهناك من ينفي هذه الفكرة بالكامل على أساس أنها ضد الدين، وهناك من يحاول التوفيق.

فالفريق الأول يهدف من وراء رأيه إلى فصل الدين عن الدولة، ومن ثم لا يكون الدين من الأسس التي تنظم على أساسها حياة الدول والشعوب.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الفكرة ظهرت أولاً في بلاد الشام والعراق، وهي كثيرة الطوائف الدينية، ولذا تبنى زعماء فكرة القومية العربية هناك مبدأ الفصل بين الدين والدولة خشية حدوث اضطرابات في دولهم، وآمنوا بفكرة القومية العربية، ويرفضون فكرة الوحدة الإسلامية.

أما الفريق الثاني فلا يقر بفصل الدين عن الدولة، وأن حياة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجب أن تنظم كلا على أساس الدين. فالإسلام دين ودولة، وهم يرفضون القومية العربية، ويقولون بالوحدة الإسلامية وزعماء هذا التيار من مصر لأنها تعاني من الطائفية كما تعاني بلاد الشام والعراق(20).

وأما الفريق الثالث، وهو الواقعي فيرى أنه لا يمكن تجاهل الدين الإسلامي مطلقاً تحت أي سبب من الأسباب في تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلاد العرب لأن الإسلام دين ودولة ما وبالمثل لا يمكن تجاهل القومية العربية مطلقاً، أي التوفيق بين الوحدة الإسلامية والقومية العربية، لكن في حدود بلاد العرب فقط، حتى تكون المسألة واقعية وقابلة للتنفيذ.

أيهما أسبق الدولة أم الأمة:

عرفت الحركات القومية في سيرورة تشكلها التاريخي طيلة القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين عدة أنماط. ويتعلق النمط الأول بالحركات القومية التي نشأت في الدول الغربية، منبت الفكرة القومية ذاتها. ففي أوروبا الغربية، حيث كانت الرأسمالية صاعدة، كان هناك تقارب كبير حول تاريخ ظهور فكرة الأمة والقومية.

وفي القرن العشرين شاع نمط الحركات القومية التحررية، حيث كانت تعتبر المسألة الوطنية، أو المسألة القومية تعتبر قضية ثورية في مقارعة الاستعمار والإمبريالية. وتعتبر الحركات القومية التحررية هي المسؤولية عن حصول المستعمرات على استقلالها. وكانت كل الحركات الساعية إلى استقلال الدول عبارة عن حركات تحرير قومية، وتجدر الإشارة إلى أن حركات التحرير القومية التي ظهرت في القرن العشرين اتخذت الطابع الاشتراكي فأصبحت حركات تحرير قومي اشتراكي.

القضية القومية في الوعي العربي:

الأيديولوجية القومية العربية ولدت في المشرق العربي، ولم تتبلور نظرية قومية عربية إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، يوم كانت شمس القومية قد بدأت تميل إلى الغروب عن أوروبا، في عالم بدأ يتنبه للشرور الإمبريالية في القومية المسلحة بالأسنان والأنياب كما لاحظ جورج طرابيشي(21).

القضية القومية واحدة من القضايا الأساسية التي احتلت مركزاً مهماً في تاريخ القرن التاسع عشر والقرن العشرين، حيث لعبت فيها الحركات القومية دوراً بارزاً.

وعلى الرغم من أن تكوين الأمم يمتد إلى تاريخ طويل جداً وأن عوامل تكوين الأمم نشأت وتبلورت عبر المسيرة العميقة للحركة التاريخية، قبل ظهور الرأسمالية، فإن ستالين اختصرها فيما بعد بعصر صعود الرأسمالية والطور البرجوازي الصاعد.

إن غياب الوحدة السياسية للأمة، لا يلغي وجود الأمة القومية، والتسليم بوجود أمة عربية واحدة، مع أن آلية الاقتحام الإمبريالي الغربي في الوطن العربي، وقانون التجزئة الموضوعي للأمة العربية، وتثبيت قاعدة الكيان الصهيوني المرتبطين بقانون التخلف والتبعية للإمبريالية، لا يلغي كل هذا، وجود الأمة العربية، لأن وجود الأمة العربية تاريخي، وإن كان هذا الوضع قد نشأ عنه كيانات قطرية، وطبقة برجوازية طفيلية مرتبطة وتابعة، لها تعبيرات سياسية معادية للقضية القومية العربية.

إن الطابع المشرقي للحركة القومية العربية قد يفسر عدم ارتباط فكرة الأمة بفكرة الدولة لدى روادها الأوائل، ثم لدى منظريها فيما بعد، مع أن مبدأ القوميات في كل مكان يقوم على أن "لكل أمة الحق في أن تكون دولة... وينبغي أن تتطابق حدود الدولة مع حدود الأمة... وأن للأيديولوجية القومية صوتاً مزدوجاً: بصوت أول تتكلم عن التوحيد، وبصوت ثان تتكلم عن الانفصال".

إن رواد الحركة القومية، أسقطوا عامل الدولة من المسألة القومية بسبب نزعة عثمانية ترتكز على "ضرب من الانتماء الديني يتنافى أو يتعارض أو على الأقل لا يتطابق مع الانتماء القومي" ونعيد تفسير حق الأمة، أو المبدأ القومي، من منطلق مجاملة، ذلك الشعور الديني، مما عرض الأيديولوجية القومية لعملية مماثلة لتلك التي عانت منها الأيديولوجية الليبرالية، والاشتراكية والعقلانية عند تكريرها في مصفاة المذهب التوفيقي لمعظم أيديولوجيي عصر النهضة العربي(22).

إن النزوع إلى تفسير القومية العربية تفسيراً ثقافياً، لا سياسياً، سيبقى هو النزوع السائد لدى واضعي النظرية القومية العربية، ولاسيما لدى ساطع الحصري وورثته.

إن خطورة النزعة الثقافية، تكمن في تجاهلها عامل الدولة في المسألة القومية، أي أنها تكمن في ترجيحها لـ كفة ما يسمى بالقومية السلبية على كفة القومية الإيجابية، قومية مجرد الشعور الانتماء على قومية الوعي والفعل.

لقد غدت الحركة القومية العربية بعد الحرب العالمية الأولى ثورات وطنية (إقليمية) على الاستعمار الغربي وعلى سياساته التجزيئية، في سبيل الاستقلال، ثم حركة احتجاج على الصيغة الإمبريالية وعلى إقامة الكيان الصهيوني، بعد استقلال الدول العربية.

وهي في جميع الأحوال حركة نخبة ذات وعي ملتبس، شبه تقليدي وشبه حديث وذات رؤية ضبابية على الرغم من أثر الثقافة الغربية الحديثة البين في وعيها، ولكنه أثر مبتور ويعاد تأويله وإطفاء أنواره وإخفاؤها لتناسب منطق الثقافة السائدة ومبادئها.

أخفق العرب في إنجاز دولتهم القومية، وليس من السهل الحكم على هذا الإخفاق الذي يعود إلى أسباب موضوعية وذاتية عديدة ومعقدة. ثم إن هذا ليس هدفنا، ما نريد إثارته هُنا هو أن الحديث عن وجود الأمّة العربية وكأنّها حقيقة بديهية ثابتة، وجوهر لا يتغيّر، الذي يتردد كثيراً ولاسيما في الأدبيات القومية، إضافة إلى الاعتقاد السائد بأن ذلك يكفي لقيام الدولة القومية، أي أن بداهة وجود الأمّة يؤدي حتما إلى حتمية قيام الدولة هو في الحقيقة أحد الأسباب الجوهرية التي أدّت إلى ذلك الإخفاق الذريع، وهو إخفاق مزدوج. فلا الدولة تحققت، ولا الأمّة اكتملت وترسّخ كيانها على أساس المصالح المشتركة.

وفي رأيي ان العمل يجب أن يبدأ من هنا، وأن القيام بمراجعة مفهوم الأمّة العربية، وإعادة بنائه على أسس واقعية لا تنحصر في الروابط الثقافية التقليدية فقط، بل ترتكز على المصالح والمنافع في جميع المجالات، ولاسيما الاقتصادية، هو اليوم مهمّة ملحّة لن يكون من المفيد، قبل النجاح في تحقيقها على صعيدي النظر والعمل، طرح فكرة الدولة القومية، لأنها ستكون فكرة لا واقعية بكل المقاييس.

 

الهوامش:

1. د. محمد محمود إبراهيم الديب، الجغرافيا السياسية، مكتبة الأنجلو مصرية، 2002، ص156.

2. المصدر السابق _ ص158.

3. المصدر السابق _ ص160.

4. المصدر السابق _ ص162.

5. جاد الكريم الجباعي، وردة في صليب الحاضر، دار الفرات، ط1/2008، ص67.

6. المصدر السابق ـ ص 68.

7. راجع محمد عابد الجابري في نقد العقل السياسي، وجورج قرم في تعدد الأديان وأنظمة الحكم.

8. جاد الكريم الجباعي، مصدر سابق، ص71.

9. عبد الله العروي، مصدر سابق، ص5/6.

10. المصدر السابق ـ ص 114.

11. المصدر السابق.

12. د. هشام شرابي، البنية البطريكية، دار الطليعة، ط1/1987، ص70.

13. ياسين الحافظ، الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة، دار الطليعة، ط1/1979، ص230/231.

14. المصدر السابق.

15. مقدمة ابن خلدون، طبعة لجنة البيان العربي1962، ص207.

16. المقدمة، ص335.

17. انظر إلياس مرقص، نقد الفكر القومي، ص424.

18. الموسوعة العربية، دمشق، ط1/2001، المجلد الثالث، ص631.

19. د. محمد محمود إبراهيم الديب، الجغرافيا السياسية، منظور معاصر، الانجلو مصرية 2002، ص483.

20. مصدر سابق، ص486.

21. راجع جورج طرابيشي، الدولة القطرية والدولة القومية، دار الطليعة، ط1/1982.

22. جورج طرابيشي، مصدر سابق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مفهوم المجتمع المدني و خصوصية التطور العربي المعاصر


شهد الوطن العربي في الفترة الأخيرة حديثاً واهتماماً "بالمجتمع المدني" وقد فتحت التطورات الاقتصادية والثقافية والسياسية في الوطن الكبير المجال أمام حرية الرأي والتعبير والمشاركة، مما دفع بالبعض إلى ترديد هذا المصطلح والحديث عنه، وإن كان هذا الحديث ــــ في غالب الأحيان ــــ يصل إلى حدود اللغط أو الاستعمال العشوائي والشعاراتي لهذا المصطلح المعقّد دونما تحديد لمضمونه ومعانيه..

لذلك، كان لابد من الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يثيرها مصطلح "المجتمع المدني"، إسهاماً منا في هذا الحوار الواسع الذي قد يكون مفيداً إذا أخلص المشاركون فيه للتدقيق العلمي وللنزاهة المعرفية والالتزام بالحس الوطني، وقد يكون مضراً جداً إذا أخفى بعض المشاركين خلفه نواياهم في المزايدة ورفع الشعارات البراقة دون معرفة بالمضمون والانبهار بالنقل والتقليد، والركض خلف الشهرة وما تقدمه وسائل الإعلام المعاصرة من ترويج وتأييد لهؤلاء في سعي هذه الوسائل خلف كل ما هو مثير ومبهر وتضخيمه والمبالغة فيه.

محاولة لتحديد المصطلح:

مصطلح المجتمع المدني واحد من بين مصطلحات كثيرة استعملها اللسان السياسي والإعلامي بكثرة في القرنين التاسع عشر والعشرين مثل "الديمقراطية" و"الثورة" و"الإصلاح" و"حقوق الإنسان" وغيرها من المصطلحات العامة..

ومن الملاحظ أن هذه المصطلحات تستعمل بشكل انتقائي وفي ظروف معينة لدرجة أن الأهداف غالباً ما تكون بعيدة كل البعد عن المعاني والمضامين الحقيقيّة، ويقصد منها الإساءة إلى حزب أو دولة أو ثقافة أو أيديولوجية معينة..

ومن جانب آخر يشمل المصطلح الواحد ذاته مضامين أيديولوجية متناقضة تبعاً للجهة التي تستعمل هذا المصطلح، فالشيوعيون يطالبون بالديمقراطية تماماً كما يطالب الجانب الآخر المعادي لهم أيديولوجياً.

لكن مفهوم "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" وغيرها من المفاهيم الشائعة يختلف تماماً عند كل من الجانبين. وفي الحقيقة نحن أمام عناوين واحدة لمضامين مختلفة، بل ومتناقضة، في بعض الأحيان..

ولما كان "المجتمع المدني" مفهوماً نشأ وتطور في الغرب واكتسب خصائص تطور هذا الغرب، فلا بد من أن يكون التعريف، القابل للنقد بالضرورة، ذا مصدر غربي...

وإجمالاً، يمكن تحديد المجتمع المدني بأنه النظام الاجتماعي العام الذي يكفل مايلي:

1 ـــــ الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ونظام السوق والمنافسة الحرة، في مستوياته الاقتصادية..

2 ـــــ حرية التفكير والتعبير والمعتقد ومجمل حقوق الإنسان وفق النظرية الغربية، في مستوياته الثقافية والقانونية والاجتماعية..

3 ـــــ المساواة الشكلية وحرية التنظيم والمعارضة، والترشيح والانتخاب وتداول  السلطة وتوسيع قاعدة المؤسسات المدنية غير الحكومية والتحويل المستمر لبعض سلطات الدولة إلى هذه المؤسسات، على المستويات السياسية..

ونشير إلى أن سمات المجتمع المدني وقيمه لخصها الباحثان د. الحبيب الجنحاني، ود. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، في النقاط التالية:

ـــــ إنه مجتمع مستقل إلى حد بعيد عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية، والتنظيم التلقائي، وروح المبادرة الفردية والجماعية، والعمل التطوعي، والحماسة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة.

ـــــ إنه مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من التنظيم المهني والجمعياتي.

ـــــ هو مجتمع التسامح، والحوار والاعتراف بالآخر، واحترام الرأي المخالف، والعلاقات في المجتمع المدني أفقية، وليست رأسية أو عمودية مثل العلاقة بين الأجير والمؤجر، أو بين السلطة والمواطن، أو بين الكهنوت الديني والأتباع.

ـــــ هو مجتمع الإبداع في أرحب معانيه، فهو الضامن لمسيرة التقدم الحقيقي والدائم(1).

يقول عبد الغفار شكر: "ان المجتمع المدني من حيث المبدأ نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة وبين الدولة من جهة أخرى وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع، والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات ومحاسبة الدولة في الأوقات كافة التي يستدعي فيها الأمر محاسبتها".

ويضيف: "المجتمع المدني هو مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر، فهو يتميز بالاستقلالية والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفردية والجماعية والعمل التطوعي، والمحاسبة من أجل خدمة المصلحة العامة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة".

ويشير (شكر) إلى أربعة مقومات للمجتمع المدني هي:

ــــ الفعل الإرادي الحر أو التطوعي.

ــــ الوجود في شكل المنظمات.

ــــ قبول التنوع والاختلاف بين الذات والآخرين.

ــــ عدم السعي للوصول إلى السلطة.

أما مكونات المجتمع المدني فهي وفق رأيه ورأي العديد من الباحثين: النقابات المهنية، النقابات العمالية، الحركات الاجتماعية، الجمعيات التعاونية، الجمعيات الأهلية، نوادي الهيئات التدريسية في الجامعات، النوادي الرياضية والاجتماعية، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال، المنظمات غير الحكومية، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام والنشر، مراكز البحوث والدراسات والجمعيات الثقافية.

وحول دور المجتمع المدني في بناء الديمقراطية يقول(شكر): "إن الدور المهم للمجتمع المدني في تعزيز التطور الديمقراطي، وتوفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمتها الأساسية ينبع من طبيعة المجتمع المدني وما تقوم به منظماته من دور ووظائف في المجتمع لتصبح بذلك بمثابة البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتشييد المجتمع، ومؤسسات المجتمع المدني تقوم بدور مهم في تهيئة المجتمع لممارسة ديمقراطية حقيقية، سواء من خلال وظائفها التقليدية، أو من خلال حياتها الديمقراطية، ويكون للمجتمع المدني دور حقيقي في بناء الديمقراطية عندما تتاح له الفرصة كاملة للقيام بهذه الوظائف أو تعزيز الطابع الديمقراطي للحياة الداخلية لمؤسساته".

في حين يرى الدكتور محمد مورو أنّ المقصود من مصطلح المجتمع المدني عند ظهوره في نهاية القرن الماضي، مجموعة من الجماعات والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية أو الأهلية أو غير الرسمية(2).

التكوين التاريخي للمجتمع المدني:

من الواضح مما سبق أن فكرة المجتمع المدني تدور حول قضيتين أساسيتين هما قضية ملكية وسائل الإنتاج وقضية السلطة..

فالقضية الأولى كانت، منذ بداية العصر الرأسمالي والثورة الصناعية الأولى مطلباً أساسياً وجوهرياً للطبقة الرأسمالية الناشئة في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وتبنى على الملكية الخاصة مجموعة كبيرة من "الحريات" في المجالين الاقتصادي والسياسي كحرية التملك والصناعة والتجارة والتصدير والاستيراد وكذلك حرية التعبير عن هذه المصالح والدفاع عنها..

أما قضية السلطة، فعلى الرغم من أنها مرتبطة تماماً بالقضية الأولى قضية ملكية وسائل الإنتاج، إلا أنها تعقيداً إذ تتعلق بمسائل عميقة ومتعددة تصل إلى الفلسفة والدين والثقافة والأخلاق.

لذلك عندما حاولت الطبقة البورجوازية الناشئة إعادة تركيب السلطة اضطرت إلى الدخول في عمق الفلسفة والأدب والدين، بل والتاريخ أيضاً..

وبالطبع، بما أن الدولة كانت المؤسسة الأكثر تنظيماً وقدرة على تركيز السلطة، على الرغم من أن مفهوم السلطة لا ينتهي في مفهوم الدولة، كان من المهم وضع مسألة الدولة على رأس قائمة اهتمامات العلوم الاجتماعية بأكملها وخاصة تلك العلوم التي كانت تأخذ أبعاداً شمولية، كفلسفة التاريخ، وعلم الاجتماع، والفلسفة السياسية، بل والفلسفة الخالصة أيضاً..

ولما كانت الدولة خاضعة لسلطة الكنيسة، كان من أول مهام العلوم الاجتماعية في تلك الفترة تأكيد علمانية ودنيوية السلطة والدولة، بمعنى سحب الغطاء الفلسفي واللاهوتي وإنهاء البعد السياسي للدين..

لذلك بدأت الجهود تتجه نحو تعزيز الدولة على حساب الدين. وفي هذا الإطار يمكن أن تفهم فلسفة هيغل، وبالأخص الهيغليون الشباب وعلى رأسهم الأخوان باوير (Bauer).

ولو استقرأنا تاريخ أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للاحظنا أبعاد العملية المتصاعدة لتعزيز دور الدولة على حساب الكنيسة حيث كانت الدولة رمز المجتمع المدني مقابل المجتمع المقاد لاهوتياً، ورمز الحداثة (العقلانية) مقابل سلطة النقل واللاهوت. المرحلة الثانية في هذا التطور جاءت نتاجاً للمرحلة الأولى. فبعد أن انتصرت الدولة على الكنيسة تصاعد تدخل الدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية لدرجة أن الدولة تحولت إلى دولة رعوية باترياركية (أبوية) تمثل المجتمع، وتنوب عنه.

وقد كان لهذا التطور أسبابه ومن أهمها ضرورة حماية السوق الداخلية وتشجيع الاقتصاد الوطني، الحروب العالمية وتمدد العملية الرأسمالية خارج الحدود.. الخ..

في النصف الأول من القرن العشرين استفحل دور الدولة وتدخلها في الاقتصاد الوطني وفي مجمل الحياة العامة. وكانت الدولة النازية في ألمانيا والدولة الفاشية في ايطاليا شكلاً خالصاً لتدخل الدولة، وهو شكل يختلف من حيث الكم فقط ـــــ وليس النوع ـــــ مع تطور الدول الرأسمالية الأخرى، بل وحتى في الولايات المتحدة التي اشتد فيها تدخل الدولة في الاقتصاد بعد النيوديل (New Deal) في الثلاثينات.

بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد هناك حاجة ملحة لتعاظم دور الدولة في حماية مصالح الطبقات الرأسمالية، فالأعداء قد تراجعوا تماماً. واستطاعت الدولة على المستوى الداخلي ترويض الحركة العمالية والفوضوية وجميع الحركات المناهضة للنظام الرأسمالي، وعلى المستوى الخارجي تم التخلص من أكبر تشوهين في النظام الرأسمالي: النازية، والفاشية، بينما لم يكن الاتحاد السوفييتي لاعباً بنيوياً في عملية الرأسمالية الوطنية والدولية. فكان من الممكن اقتصار مواجهته على مجالي السياسة والتسلح بشكل أساسي.

كان على الدولة الرأسمالية المعاصرة تغيير آليات حضورها المباشر في الاقتصاد والحياة العامة بآليات جديدة غير مباشرة تضمن حماية المصالح الرأسمالية الكبرى دون الدخول في تفاصيل علاقات الناس والتجمعات والمؤسسات. وكان هذا مطلباً له مسوغاته بسبب أنه لم يعد هناك خطر كبير على مصالح النظام الرأسمالي لا على المستوى الداخلي ولا العالمي. وقد ازداد هذا التوجه حتماً بعد سقوط الشيوعية في أوروبا.

بناء عليه، أضحى المجتمع المدني في الغرب مفهوماً ليس المقصود منه تعزيز سلطة الدولة وحضورها كما كان في القرون الماضية وإنما انحسار حضور الدولة ونقل سلطاتها إلى المؤسسات المدنية، غير الحكومية المختلفة.

وتأخذ هذه العملية طابعاً واسعاً جداً في الولايات المتحدة، بينما هي أقل دينامية في دول أوروبا الأساسية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا). ولهذا أسباب عديدة من أهمها أن أوروبا مازالت تعيش مرحلة التكوين السياسي والاقتصادي على مستوى القارة (إنشاء الاتحاد الأوروبي) مما يتطلب تعزيز سلطات الدولة الوطنية من جهة، وتعزيز السلطة (الفوق وطنية) من جهة أخرى..

 

 

المجتمع المدني ومرحلة التطور المعاصر في الوطن العربي الكبير:

هل يطرح التطور المعاصر قضية "المجتمع المدني" في الوطن العربي على اعتبارها قضية حيوية راهنة، أم أن الحديث عنها هو مجرد انبهار بما يحصل في الغرب دونما تقدير لاختلاف ظروف التطور ومراحله ومنطقه؟ وإذا كان الجواب بالنفي، ما هي مسوغات هذا الرفض للمجتمع المدني وما هي الطروحات البديلة التي تلبي حاجات التطور؟.

لا شك أن استيراد حلول المجتمع المدني بشكل جاهز ومعلب هو أمر يضر بالتطور ويتنافى مع العلمية. فلا يمكن لأي بلد أن ينفصل عن تاريخه لأن الحاضر هو أقرب نقطة في عملية تطور طويلة يطلق على ما مضى منها اسم التاريخ.

والمجتمع المدني في أوروبا لم ينشأ في رؤوس المفكرين القابعين في الغرف المغلقة وإنما تكوّن شيئاً فشيئاً عبر صيرورة تطورية طويلة قامت ضمن ظروف معينة ولعب فيها البشر دوراً محدداً بهذه الظروف ومناسباً لها...

وإذا كانت زراعة أعضاء الجسد ونقل عضو من شخص إلى آخر ممكنة في مجال الطب، فإن الأمر في المجتمعات المختلفة ليس بهذه السهولة. هذا الطرح يجب ألا يقودنا إلى الانعزالية والتفرد والانغلاق باسم الأصالة والارتباط بالموروث التاريخي، لأن هناك قوانين عامة للتطور تنطبق على جميع مجتمعات البشر، ثم هناك عوامل تجعل المجتمعات النامية أكثر تأثراً بما يجري في دول الغرب في عالمنا المعاصر بسبب آليات العولمة وتطور تكنولوجيا الاتصالات بجميع أنواعها.

يقول د. محمد عابد الجابري في تعريف المجتمع المدني: "إذا كان من الجائز أن يختلف الباحثون حول تعريف "المجتمع المدني"، فإن هناك واقعة أساسية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف، وهي أن المعطى الأساسي الذي به يتحدد جوهر هذا المجتمع هو نسبته إلى المدينة.

غير أن ما هو "أساسي" لا يكفي وحده في تحديد مفهوم من المفاهيم، فإذا كان "المجتمع المدني" هو، بالتعريف، مجتمع المدن، فإن ما يحدد وضعه ومكوناته في زمان ومكان معينين هو ما يشكل "الضد" له في ذلك الزمان والمكان.

فعندما ظهر مفهوم "المجتمع المدني" في أوروبا كان "الضد" الذي به كان يتجدد ويتميز في أذهان مستعمليه هو الكنيسة التي كانت تشكل مجتمعاً مستقلاً متميزاً، دولة داخل الدولة.

وعندما انسحبت الكنيسة كمنافس للدولة وصارت الدولة وحدها هي السلطة الوحيدة المهيمنة اتخذ مفهوم المجتمع المدني معنى آخر، إذ أصبح هذه المرة يتحدد بهذا "الضد" الجديد، وغدا شعاراً يرفع في وجه كليانية الدولة، عسكرية كانت أم ملكية مطلقة.. ومن هنا مفهوم "دولة المؤسسات"، ليس المؤسسات الإدارية والسياسية فحسب، بل أيضاً المؤسسات التجارية والنقابية والصناعية .. الخ.

هذا في أوروبا، أما في الوطن العربي، فالوضع يختلف وفق رأي الجابري: إذ إن غياب الكنيسة، كجهاز اجتماعي يحتكر الدين و "يملك" نفوس الأفراد.... الخ، يجعل من الضروري البحث خارج مجال الدين، عن "الضد" الذي يتحدد به "المجتمع المدني"، لنتساءل إذن: إذا كان "المجتمع المدني" هو، بالتعريف الأولي اللغوي، مجتمع المدن، فما هو "الضد" الذي كان ــــ وما زال ــــ يتحدد به "مجتمع المدن" في التجربة الحضارية العربية؟.

ويميز هنا بين مرحلتين في تاريخنا الحضاري: مرحلة تتميز بانقسام المجتمع، حصراً، انقساماً أفقياً: إلى "بدو وحضر"، إلى "بادية ومدينة". ومرحلة تتسم بانقسام عمودي إلى: "المجتمع العصري" و "المجتمع الأهلي". هذا مع التأكيد على أن المرحلتين لا تشكلان لحظتين من التطور الداخلي إلا بنسبة بسيطة، تكاد تنعدم في بعض الأقطار العربية.

ذلك أن الانقسام العمودي لم يكن نتيجة صراعات داخلية أسفرت عن تجاوز المرحلة الأفقية (بدو ــــ حضر) إلى المرحلة العمودية (طبقة ضد طبقة)، كما حدث في أوروبا عندما امتصت الثورة الصناعية (والتوسع الاستعماري) سكان الأرياف وألحقتهم بالمدن.

إن الذي حدث هو على العكس من ذلك تماماً: لقد غرس الاستعمار في الأقطار التي احتلها بنيات الدولة الأوروبية الحديثة، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية، فعمل بذلك على فسح المجال لقيام نخب حديثة انبثق الجيل الأول منها من الأرستقراطية المدنية التقليدية خاصة، إذ كانت أكثر اتصالاً واحتكاكاً بالمستعمر ومؤسساته. ومع النمو النسبي السريع الذي عرفته هذه النخبة، ومع تطور وعيها الوطني بالارتباط بحركة التحرر من الاستعمار في العالم برزت هذه النخبة لتشكل النقيض الذي أفرزه "التحديث الاستعماري" من جوفه وجوف المجتمع التقليدي والذي سيقود النضال الوطني من أجل الاستقلال(3).

لا يجوز للخصوصية أن تصل بنا إلى الانغلاقية، بيد أن العصرنة يجب ألا تقودنا إلى النقل والتقليد. ومهمة علم المجتمع السياسي العربي الحديث تحديد الصيغ المتحركة الأكثر جدوى ونجاعة للتعامل مع خصوصيتنا، ولكن بلغة العصر ومنطقه.

لذلك بدل أن نبحث في تجارب الآخرين كي نستورد حلولهم المعلبة، لابد من الانتباه إلى موروثنا الثقافي والحضاري الكبير، وإلى مجمل كينونتنا التاريخية بهدف إعادة اكتشاف هذا الموروث والبحث فيه عن منطلقات وجذور يمكن البناء عليها استخداماً لمنطق العصر ومتطلبات النمو والتطور.

وفي هذا الصدد قد يُساعدنا كثيراً إعادة اكتشاف الفلسفات الاجتماعية والحلول التنظيمية التي طرحتها الثقافة العربية الإسلامية في عصر النهضة العربية، والتي حاربتها وضغطتها الأيديولوجية الحاكمة آنذاك سواء في العصر الراشدي أو الأموي أو العباسي وما بعده.

إن إعادة اكتشاف إخوان الصفا والمعتزلة، ومن ثم ابن رشد والمعري وغيرهم كثيرون وصولاً إلى ابن خلدون، يسهم كثيراً في وضع حلول عربية تتناسب مع منطق العصر وحاجات التطور. بل إننا نصر على أن الجوهر المشترك عند هؤلاء جميعاً يركز على القضية الأساسية التي طرحتها الحداثة في أوروبا بعد قرون والتي نتج عنها مفهوم المجتمع المدني والمفاهيم الأخرى (كالديمقراطية والتقدم) وهذه القضية هي قضية إزالة استلاب الإنسان، وبالتالي استلاب المجتمع، وتحريره وعقلنة تنظيم المجتمع.

وعلى هذا الأساس يمكن إيجاد الصيغ العملية التي تلبي حاجات التطور، وهذه الصيغ لا يمكن أن تلبي تلك الحاجات إلا إذا كانت هي نفسها صيغاً قابلة للتطور، وتتضمن في بنيتها آليات التغيير المستمر دون أن تتحوّل الحلول المرحلية إلى قوالب جامدة تصل إلى مرحلة المقدس وتعيد إحياء عملية الاستلاب الشامل للفرد والمجتمع..

وقد يكون من المفيد وضع منهج لمثل هذا التفكير يستند إلى أسس عديدة نقترح من بينها التالي:

1ــــ إن قضية تخليص المجتمع من جميع أنواع الاستلاب وتوطيد سلطة الإنسان على حياته وعقلنة العلاقات بين الناس، هي القضية المركزية العامة لكل البشر، وهي قانون عام يجمعنا مع الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين والصينيين وكل شعوب العالم وأممه. وهذه القضية تميز المجتمع الإنساني وتجعله المجتمع الأكثر قدرة على تحقيق التقدم والتطور الشامل.

2ــــ إن النظرة إلى هذه القضية يجب أن تكون واحدة في جميع بقاع العالم بمعنى أن الحلول والنتائج يجب أن تتناسب مع القضية ذاتها لا أن تخالفها. وهذا أمر يتعدى المنطق الصوري الخالص ولا علاقة له بهذا المنطق، وإنما الحديث هنا حول ضرورة أن يؤمن كل مجتمع بأولوية هذه القضية ومركزيتها....

3ــــ إن نهج التعامل مع هذه القضية التي تشترك بها جميع المجتمعات يجب أن يلتزم بثلاثة معايير أساسية:

أ . الموروث الثقافي والحضاري للمجتمع المعني.

ب . درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي العام.

ج . طبيعة القوى الاجتماعية وحجمها وعلاقاتها.

4ــــ إن نهج التعامل مع هذه المعايير يجب ألا يكون سكونياً بمعنى أن تؤخذ المعايير على حالها، وإنما لا بد تعامل دينامي ــــ وأحياناً انتقائي ــــ مع هذه المعايير.

فالموروث الثقافي والحضاري يعامل معاملة نقدية انتقائية بما يستجيب لمنطق العصر وحاجات التطور، فمثلاً لا تهمني الحلول السياسية والتنظيمية اللامركزية التي وضعتها السلطة الأموية أو العباسية، بحد ذات هذه الحلول، وإنما يهمني الكيفية التي طرحت فيها قضايا الحكم، كما يهمني كيف تعامل علماء تلك الفترة مع هذه القضايا، وما هي جدوى الحلول التي وضعت وظروفها وإمكانات تطبيقها....

أما درجة التطور الاقتصادي والاجتماعي العام فيجب أن ينظر إليها في مضامينها الحركية، أي على أساس أن تكون الحلول محرضاً لتطور الاقتصاد وليس عاملا لإبقائه وهنا تطرح نظرية التنمية حلولا كثيرة لا بد من العودة إليها.

وفيما يخص القوى الاجتماعية وحجمها وعلاقاتها يجب هنا النظر إلى هذه القوى كما هي موجودة فعلا على الأرض لا كما هي موجودة في الكتب المترجمة. إذا كانت أوروبا قد نهضت بفعل نشاط الطبقتين الرأسمالية والعاملة (البروليتاريا) فهذا لا يعني أننا نحن العرب يجب أن نقول إنه لا يقوم بالتطور إلا هاتان الطبقتان.

وإذا نظرنا إلى مجتمعنا العربي نجد أن الطبقتين غير موجودتين بالمعنى الأوروبي، وأن المجتمع العربي لا يتضمن  تركيبات طبقية بالمعنى الأوروبي للكلمة وربما من المفيد التعامل مع مصطلح الجماهير أو الطبقة الوسطى الواسعة مع كل ما يتطلبه هذا التعامل من حلول نوعية تستجيب لبنية مجتمعنا الحقيقية..

إن دراسة سريعة وعامة للمجتمع العربي تؤكد مايلي:

1ــــ إن التحولات الاقتصادية والاجتماعية تتسم بالدينامية القصوى. فلو بدأنا بالعام 1960 كنقطة انطلاق، نجد أنه في ظرف خمسين عاما حصل تطور كبير بالمنظور التاريخي. هذا التطور السريع يفرض منطقه بغض النظر عن أسبابه ودواعيه. علم الاجتماع السياسي العربي المعاصر يجب أن يركز على تحليل هذا التطوّر وبناه ومضامينه وآفاقه وانعكاساته الاجتماعية والثقافية..

2ــــ في مجمل هذا التطور السريع نجد أن ظاهرة معينة وهي تطور الدولة بسرعة أكبر من تطور المجتمع، مما جعل الدولة قاطرة تتقدم بغض النظر عن التفاصيل. وهذا أمر مشترك بين جميع الدول العربية من المغرب وحتى الإمارات.

3ــــ إن أية دراسة جادة للتطور العربي والقوى المؤثرة فيه يجب أن تنطلق من حقيقة التطوّر وجهته الدولة وليس الحركة الاجتماعية ذاتية المنشأ القائمة على أساس الصراع ـ

والسؤال الذي يطرح ما هي آفاق دور الدولة؟ هل الدولة مازالت ضرورية للتقدم أم أنه آن الآوان لتضييق سلطة الدولة لصالح توسيع سلطة مؤسسات المجتمع المدني؟.

إن المرحلة التي تعيشها أغلب الأقطار العربية إن لم يكن جميعها تتطلب تعزيز دور الدولة، ولكن هذه المسألة يجب أن توضّح وفق مايلي:

1ــــ إن الدولة يجب ألا تطرح كتكوين مقابل المجتمع، كما هو في بعض مراحل تطور الغرب حيث طرح المجتمع المدني بديلاً للدولة...

2ــــ إن الدولة يجب ألا تنغلق على المجتمع وتشكل كياناً ذاتياً سلطوياً متعالياً مما يعزّز الفصل بين الجانبين، وإنما لا بد من أن تكون مفتوحة، بالمعنى البنيوي اتجاه المجتمع تستمد منه مسارات التوجه والمصالح والأهداف...

3ــــ إن الدولة يجب أن تستمرّ كموجّهة للتقدم والتطوّر العام، أي أن تضع معايير التطور فوق أي اعتبارات أخرى، وأن تكون هذه المعايير قاعدة تقويم عملها وعمل موظفيها..

4ــــ أن تنسحب الدولة من الإدارة ومن النشاطات التي ليست لها أهمية عامة وأن تترك هذه المجالات للأفراد والمجموعات والمؤسسات غير الحكومية..

5ــــ أن تمتلك الدولة آليات متطورة وسريعة لحل قضايا الإساءة من فساد وهدر، وأن تضع أخلاقية ومسلكية شديدة لموظفيها، بشرط أن تتصاعد هذه المعايير كلما تصاعدت رتبة الموظف ومسؤوليته..

 

 

الهوامش:

1. د. الحبيب الجنحاني، ود. سيف الدين إسماعيل، المجتمع المدني وأبعاده الفكرية، دار الفكر/دمشق.

2. عبد الغفار شكر ومحمد مورو، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية، دار الفكر.

3. د. محمد عابد الجابري، أي هذه النخب يشكل المجتمع المدني؟ ـ جريدة الاتحاد 29/3/2005.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العــــرب و المعـــاصــــرة :الهوية ضرورة أم خيار؟


بات موضوع الهوية واحداً من الموضوعات السياسية التي تتصدر النقاشات السياسية والفكرية العربية في العقود الأخيرة. ويبدو أن إثارة هذا الموضوع تأكيداً أو نفياً آخذاً في التزايد مع تزايد التحديات التي تفرضها العولمة على الشعوب؛ ذلك أن الهويّة، في رأي بعض الباحثين والمفكرين آلية دفاعية متينة تحمي أصحابها من غزو العولمة المتوحشة، ومن هيمنة الثقافة الواحدة(1). وفي رأي بعضهم الآخر عقبة لا بدّ من إزالتها؛ لأنها تحول دون اللحاق بركب الحضارة ودخول العالمية.

والمهم في كل هذا أن سؤال الهوية هو اليوم سؤال حقيقي ومصيري، إلا أنه ليس سؤالاً جديداً كما نرى. فمنذ أن عرف العرب الغرب المستعمر الذي فرض عليهم نمطه في الحداثة، أصيبوا بصدمة عميقة زلزلت كيانهم ومزّقته، وفرضت بقوّة سؤال الهوية في مواجهة الآخر الغربي (العدو). ولم يكن السؤال في هذه الحالة يحتمل سوى إجابة واحدة هي: التأكيد على الهوية العربية الإسلامية، ولا سيما في مضامينها القومية والدينية الأكثر تعصّباً ورفضاً للغرب وحداثته جملة وتفصيلاً. ولأنها كانت خط الدفاع الأول عن الذات القومية الغزو الاستعماري، فقد كانت الهوية مقبولة من الجميع، حتى في صورتها الأكثر إمعاناً في المغالاة، والأكثر إندغاماً بالدين. بل إن شخصية سياسية مثل الرئيس الراحل بورقيبة، والمعروفة بعلمانيتها الشديدة، وعمق معرفتها وانتمائها للثقافة الغربية، وإعجابها بحداثة الغرب، لم تكن تستطيع في حقبة النضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي (في تونس) إلا أن ترى وتعلن أن الحجاب هو مقوّم من مقومات الهوية والشخصية الوطنية. ولكن بعد رحيل الاستعمار المباشر وانتهاء خطره، لم يعد سؤال الهوية تأكيداً مطلقاً لها في مواجهة العدو الخارجي، بل غدا سؤالاً تشكيكياً وضع الهوية نفسها في موضع الاتهام من قبل النخب غربية التكوين والثقافة في دول الاستقلالات.

ولقد بدا في سنوات الاستقلال الأولى أن الأيديولوجيا الوطنية التحديثية قد نجحت إلى حد ما، في تهميش الهوية  العربية الإسلامية، وبناء هوية عديمة الصلة بالعمق الحضاري على أساس وطني وقطري. هي مزيج من الأحداث التاريخية والبطولات الوطنية وقيم الحداثة الغربية وشعارات التنمية والرفاهية. إلاّ أن تفجّر الأزمات السياسية والاقتصادية لم يلبث أن كشف ضعف وتهافت الهويات المصطنعة، وأعاد الهوية الأصلية المهمشة بقوة إلى الفضاءات السياسية والثقافية.

وهكذا فإن ما نشهده اليوم من عودة قوية إلى التأكيد على ثوابت الهوية يبدو رداً طبيعياً على تحديات داخلية، مصدرها الاختيارات السياسية والحداثة المشوهة، وخارجية العولمة المتوحشة والأمركة الزاحفة(2).

غالباً ما تشترك تعريفات الهوية في إبراز عنصري التميّز والاختلاف، حتى ليمكننا القول: إن هوية ظاهرة ما هي ما يجعلها مختلفة عن غيرها، أي: إنها جملة خصائصها التي تنفرد بها، وتختلف وتتميّز قياساً بغيرها. إن ما نسمّيه الهوية الفردية هي مجموعة الخصائص الجسدية والنفسية التي يتميّز بها كل إنسان بين أقرانه. فإذا ما انتقلنا من الأفراد إلى الأمم نرى أن الهوية القومية هي «مجموعة الصفات أو السمات الثقافية العامة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الذين ينتمون إليها، والتي تجعلهم يُعرفون ويتميزون بصفاتهم تلك عمن سواهم من أفراد الأمم الأخرى»(3).

ويربط باحثون آخرون بين الهوية والقومية انطلاقاً من أنّ «مفهوم هوية مجتمع ما متصل إلى حد كبير بما سُمي بمصطلح شائع أكثر هو القوميات، وهو مفهوم حديث نسبياً ومرتبط أساساً بتميّز القوميات في القرن التاسع عشر»(4). ولعله متأكد أن خطاب الهوية وثيق الصلة بالخطاب القومي.

فهل يعتبر خطاب الهوية الوريث التاريخي للخطاب القومي؟

ينطوي مثل هذا السؤال على اعتراف ضمني باستنفاد مضامين الخطاب القومي، ولاسيما عند من يقولون بموت الأيديولوجيا القومية، ويرون أنه «ليس من المعقول في العالم المعاصر التحدث عن الشخصية القومية»(5). والجواب هو أن الثقافة لا ترث القومية، ولا تحل محلّها، وما يحدث في حالتنا العربية الراهنة هو أن القومية العربية تستنفر كل قواها ــــ ولا سيما الثقافية منها ــــ في مواجهة الغزو الثقافي الجديد الذي يستهدف ثقافتها مدخلاً لتذويب هويتها.

والهوية القومية تختلف عن الهوية الوطنية، فالأولى تتعلق بالأمة، والثانية بالدولة، ويمكن القول: إنّه إذا أقامت الأمة دولتها الواحدة، كانت لها هوية وطنية يمكن اعتبارها لقاءً طبيعياً بين الأمة والدولة، كما أن هويتها القومية تؤكد ــــ بما لا يدعو للشك ــــ بأنها أمّة متمـيّــزة من غيرها من الأمم. أما إذا كانت الأمة مقسّمة إلى دول متعددة، كالأمة العربية مثلاً، فإن هويتها تبقى عرضة للضعف والتآكل والانتكاس بسبب ما يخترقها يومياً من عوامل التفتت والهدم، متمثلة في الدعاوي القطرية والعشائرية والطائفية وغيرها. وإذا كان غياب الوحدة السياسية العربية لا يلغي الهوية العربية، فمن «المؤكد أن قيام الوحدة سيسبغ على الهوية عمقاً ومتانة وشرعية»(6) لا تتمتع بها الآن.

ونحن لا نرى من جانبنا ـــــ دقيقاً ولا واقعياً ــــ حصر مفهوم الهوية الوطنية بالنسبة إلى الأمة متعددة الدول في توحيد الأمة في دولة قومية واحدة. كما نعتقد أن هذا الموقف من الدولة القطرية، الذي كرسته بعض المفاهيم القومية المتطرفة، بعيد عن الموضوعية. ففي حال الأمة متعددة الدول، كالأمة العربية، تبرز أمامنا الهوية القومية، رغم ضعف التعبير عنها في أقطار، وغيابه في أخرى، تبرز كهوية عامة ومشتركة بين هذه الدول. كما تبرز الهوية الوطنية الخاصة بكل دولة؛ كالهوية المصرية والهوية السورية والهوية التونسية. لكن علاقة الهوية الوطنية بالهوية القومية الأم ليست علاقة انفصال وصراع ونفي متبادل، بل علاقة تفاعل وتكامل بين العمومية القومية والخصوصيات الوطنية.

والهوية القطرية هي الهوية الوطنية، لكن ما شاع في الخطاب القومي من استخدام مفهوم القطرية نقيضاً لمفهوم القومية، ومغالاة بعض التيارات الوطنية في إنكار الهوية القومية، حمّل الهوية القطرية معنىً مناقضاً، وحتى معادياً للهوية القومية. وربما كان من الأكثر دقة الآن أن نتحدث عن نزعات وطنية أو قطرية متطرفة، وحتى عن نزعات طائفية وإثنية. كما أن مفهوم الهوية القومية لم يخل من نزعات متطرفة أيضاً ترى في هذه الهوية جوهراً ثابتاً منغلقاً ومعطى جاهزاً لا يحتمل المناقشة، مما أدى إلى النظرة الخاطئة للعلاقة بين الهوية الوطنية والهوية القومية والقائمة على العداء والنفي المتبادلين.

صحيح أن التناقض والتنافر قائم بين الدولة القطرية والدولة القومية، أما الدولة الوطنية فيمكن اعتبارها خطوة على طريق بناء الدولة ــــ الأمة.

فكيف تتحول الدولة القطرية إلى دولة وطنية؟

إن تطوّر المجتمع المدني في الأقطار العربية، وانبثاق دولة الحق والقانون عنه، هي الخطوة الضرورية الأولى، بل هي السيرورة المفضية إلى الدولة الوطنية التي تنشأ بفعل القوى الداخلية. وهذه الدولة الوطنية هي التي ستلغي الدولة القطرية، وتفتح إمكانات التوحيد القومي، لأن نمو المجتمع المدني من شأنه إعادة إنتاج الهوية الوطنية ــــ القومية في ضوء حقائق العصر الحديث ومعطيات التقدم، حيث ينمو العنصر القومي الوحدوي طرداً بنمو العناصر الديمقرطية، وتغدو الوحدة العربية حاجة موضوعية لا تمليها التحديات الخارجية فحسب، بل تمليها أيضاً الحاجة إلى التقدم. وحينذاك تصبح العلاقة بين الوطني والقومي علاقة ضرورية وموضوعية.

بعد هذا يمكننا التساؤل عن المفهوم الخاص لهوية شعب ما من الشعوب غير المفهوم العام الذي ينطوي على فكرة التميّز من الغير، هل هوية شعب ما هو الثابت والمشترك بين أفراد ذلك الشعب؟ أم هي هويته القومية والثقافية أو الوطنية، أم أنها مجموع هذه الهويات؟ وما مكونات هذه الهوية؟

يرى بعض الباحثين أن هوية الأمة «التي هي حقيقتها المميزة لها تتشكل من عنصرين أساسيين: نمط العلاقة الرابطة بين الأفراد، والمنطلق الأيديولوجي الذي أنتج ذلك النمط. فهذان العنصران هما اللذان يعطيان لكل أمة حقيقتها التي تتميز بها من الأمم الأخرى، ويكون بها تشخصها في الواقع، وسيرورتها في التاريخ»(7). ويمكن أن نبدي ملاحظتين على هذا الرأي:

أولاهما أنه يجعل نمط العلاقات التي تنتظم أفراد الأمة ــــ بما فيها التاريخ واللغة والاقتصاد والسياسة ـــ نتاجاً للأيديولوجيا ــــ وضعية كانت أم دينية ــــ مع أن الكثير من هذه العلاقات ــــ ولا سيما اللغة ــــ سابقة على الأيديولوجيا والعقيدة. فاللغة العربية، مثلاً، سابقة على الإسلام، والعلاقة بينهما شديدة التشابك. وعليه، فلا يمكن أن يكون نمط العلاقات التي تنتظم أفراد الأمة كلها نتاجاً للمنطلق الأيديولوجي.

والملاحظة الثانية أنه يعلّق بقاء الأمة أو زوالها على ما تُبنى عليه خصائص الهوية من عناصر الحق أو عناصر الباطل(8). وهذا معيار واسع فضفاض لا يوضح ما الهوية الحقّة وما الهوية الباطلة؟ إذا جاز التعبير، وإن كنا نرجّح أن الهوية الحقّة المقصودة هي الهوية ذات المنطلق الأيديولوجي الديني، وهو هنا (الإسلام).

والهويّة ــــ عند الجابري ــــ حالة ديناميكية، ونزوع نحو الهدف «فالعربي ليس وجوداً جامداً ولا هو ماهية ثابتة جاهزة. إنه هوية تتشكل وتصير. ولذلك فأن يكون الإنسان عربياً، وليس فقط مغربياً أو مصرياً أو عراقياً.. إلخ، هو أن يكون عروبياً، أي نزوعاً نحو تعزيز الوحدة الثقافية العربية القائمة بوحدة اقتصادية، ونوع ما من الوحدة السياسية»(9) كما أن هوية العربي عنده هي : «أن يشعر بأنه عربي فعلاً عندما يتعرّض شعب أو فرد عربي لعدوان أجنبي»(10) وهذا ما نلمسه في الواقع عامة، وفي واقعنا العربي تخصيصاً، حيث يتأجج الشعور بالهوية العربية كلما نشطت آلة العدوان الصهيوني وازدادت صلافة قادته.

وهناك ممن يحمّل مفهوم الهوية حتى السمات السيكولوجية والمعطيات السياسية، بما في ذلك الدولة الواحدة التي تضم الأمة.

ولعلنا نميل إلى القول: إنه إذا كانت الدولة ضرورة لاكتمال الهوية الثقافية وبروز خصوصيتها الحضارية، فإنها ليست مكوناً ضرورياً من مكوناتها، وإلا فإننا سنضطر لإنكار الهوية الثقافية لأمم وشعوب ما زالت تناضل من أجل أن يكون لها وطن ودولة. أما بالنسبة إلى الأمة العربية التي لم تحقق دولتها القومية الواحدة بعد، فإن هويتها الثقافية القومية لا تتوقف في وجودها على قيام هذه الدولة، ولكنها، قطعاً، ستكون هوية أقوى وأقدر على الفعل عالمياً لو قامت.

إن هذه الآراء وغيرها لا تعبّر بالدقة والتحديد عن مكونات الهوية (هوية الأمة) بحكم أنه لا توجد مكونات عامة نجدها في كل هويّة من هويات الأمم. فقد يكون الدين مكوّناً من مكوّنات أمة أو شعب، وقد لا يكون كذلك بالنسبة إلى هوية أمة أخرى. ومع ذلك يبدو لنا أن الدين واللغة والثقافة هي أبرز مكونات الهوية، فالثقافة هي المعبّر عن خصوصيات الأمم وفلسفاتها وإمكانات أبنائها وأهدافهم.

ونحن نبحث في مكونات الهوية، لابد من التساؤل: هل هي مكونات ثابتة وأبدية أم إنها متغيرة؟. والجواب، كما نرى، أن الهوية عرضة للتبدل والتحول والتجدد في ملامحها. لكن بعض مكوناتها تميل إلى الثبات. وهذا ما نسمّيه بالمكونات الثابتة؛ كالدين واللغة. وحتى هذه لا تسلم من التغير البطيء (تغير فهمها وتأويلها) ولكنها أقل تأثراً بالمتغيرات؛ لكونها تدخل في صلب العقيدة وبعضها الآخر يميل إلى التغيّر؛ لأنه أكثر تأثراً بالمتغيرات؛ باعتباره يقع خارج مجال العقيدة (العادات، والتقاليد، والفن والحس الجمالي....).

ويبدو لنا أن المتغيرات المصيرية الخطيرة التي تصيب الهوية، وقد تقضي عليها، تتعلق بتغير مكوناتها الثابتة كلياً، أما المتغيرات المألوفة فهي تلك التي تتعلق بتغير مكوناتها الثابتة، منظوراً لها على أنها مرجعيات أساسية في تحديد الهوية. فقد تجد جماعة ما في إحدى المكونات الثابتة مرجعاً أساسياً في تحديد هويتها، ثم تدفعها دوافع أيديولوجيا وظروف موضوعية جديدة إلى اختيار مكون آخر، وقد تختلف الجماعة نفسها حول المرجع الذي يحدد هويتها، فيختار بعضها إحدى المكونات، أو يختار بعضها الآخر مكوناً آخر، وهنا ينشأ ما يسمى صراع الهوية.

إذا كانت مكونات الهوية معطيات موضوعية مستقلة، فإن وعيها مجال واسع للميول والرغبات الذاتية والتأويلات الخاصة، وبالتالي للاختلاف وحتى التصادم. ويبدو هنا تأثير الأيديولوجيا حاسماً في اختلاف النظرة لهذه المكونات. فالعلمانيون ـــ على اختلاف
انتماءاتهم ـــ لا يعترفون بالدين مقوماً من مقوّمات الهوية، بينما يرى فيه الإسلاميون المقوّم الأوحد.

الفريق الأول يتعامى بدافع أيديولوجي عن رؤية حقيقية موضوعية.

في حين أن الثاني يتحرك بدافع أيديولوجي أيضاً، فيضخم هذه الحقيقة حتى تغدو هي الحقيقة الوحيدة وكل ما سواها ضلال.

والقوميون العرب ـ مثلاً ـ يعتقدون أن اللغة العربية هي أقوى مكونات الهوية العربية؛ ولذلك ينظرون بعين الريبة والتوجس إلى اللهجات العامية، ويربطونها بالتجزئة والقطرية، ويذهبون إلى حد اعتبارها خطراً حقيقياً على الهوية(11).

والإسلاميون أيضاً يتعصبون للعربية ، ولكن بدافع ديني وليس قومياً ... فاللغة العربية بالنسبة إليهم، تستمد قدسيتها من الإسلام، لأنها لغة القرآن، ومن هنا تجب المحافظة عليها والوقوف في وجه اللهجات المحلية المنافسة(12).

لكن (للقطريين)، وبعضهم يرتدي لبوس اليسار، رأي آخر، فهم ينحازون إلى اللهجات العامية، ويرون فيها تجسيداً للخصوصيات الوطنية، على عكس اللغة الفصحى التي تبدو لهم أقرب إلى لغة أجنبية منها إلى لغة وطنية.

إن النظرة التقديسية للهوية كالنظرة التحقيرية لها. كلتاهما تصدران عن تأويل أيديولوجي، والخطورة هي في النتائج العملية لهذا التأويل. فتقديس الهوية يؤدي ببساطة إلى رفض الآخر، ويتحول في حدوده القصوى إلى عنصرية وعدوان. أما تحقيرها فيقود إلى الاغتراب والذوبان والتلاشي.

في توجهنا نحو المستقبل نصطدم بمعضلة اسمها الحداثة.

كيف يمكن أن نتصدى لهذه المعضلة؟ هل العلاقة بين الهوية والحداثة محكومة بالتناقض والتنافر؟ هل قرب المغرب العربي ــــ مثلاً ــــ من أوروبا جغرافياً وكونه كان مستعمراً من قبلها يشفع  له الاستراحة من عناء البحث والاستكانة إلى محاكاة ما حصل في أوروبا؟

هناك أصوات كثيرة تدعو إلى القطيعة مع الهوية ومع البُعد القومي التاريخي كشرط من شروط الإقلاع. حسبنا في الردّ على هؤلاء أن نتعجب: كيف يمكن لخصوصية شعب أن تحدد بكونه (وربما لازال) مستعمراً.

ومن جهة أخرى وهناك من لا يرى في الضفة الأخرى لبحر الروم إلا مصدراً للعداء والخطيئة ورمزاً لويلات الاستعمار، وهذه أيضاً نظرة أحادية الجانب لا تخدم عملية التحديث الفعلي.

بين هذين الرأيين المتطرفين يقبع المواطن العادي البسيط فريسة لأمواج حداثوية هدّارة غير منتظمة تعقبها أمواج سلفية مفرقة في العدمية. وهكذا أصبح المجتمع قابلاً للانفصام بين القبول التام والرفض التام. ولا غرو، والحالة هذه، أن نلاحظ في الفترة الأخير تكاثر مظاهر متناقضة، في نفس الوقت، من الانحلال الخلقي والتماهي التام بالغرب إلى الجمود والتحجّر. وهو ما يولد حالة تصادم كموني لا زالت الوسطيّة والتعقل المغربيين قادرين على امتصاصها، ولكنها قد تصبح قابلة للانفجار في حال عدم توجيه التطور بشكل منطقي ضمن مشروع نهضوي واضح المعالم.

الثابت أن الحداثة لن تجانبنا مهما غرسنا رؤوسنا في رمال الصحراء فالعالم، بفضل تطوّر وسائل الاتصال، تحوّل إلى جسم قابل للعدوى، ولكن من الواضح أننا سنكون في أفضل الحالات رصيفاً لهذه الحداثة فيما لم تفعّل أجهزة مناعتنا. رصيفاً لا يستمد قيمته إلا من الطريق الرئيسية لحضارة لا نشارك في صنعها.

بمعنى آخر ليس هناك مهرب ولا ملجأ من هذه الحداثة والتصدي لها واجب وضروري.

والثابت أيضاً أن الغرب على لسان مفـكّـريه اعترف بخيبة مسعاه الحداثوي، وليس أدل من كلمات "آلان توران" على ذلك: «إن صورة قرننا التي يقدمها الإحصاء متناقضة تناقضاً مكشوفاً مع الصورة التي أعدّها المفكرون والكتاب الكبار، من توماس مان إلى سارتر، هذا الانفصال بين الوقائع والمعنى، بين الاقتصاد والثقافة يعرّف أفضل تعريف أزمة الحداثة»(13).

يجدر بنا إذاً أن نتعظ وألا نصرّ على محاكاة الغرب حتى في خيباته.

ترى ما هو الخط الذي يجب أن يختطه المغرب العربي، مثلاً، في التصدي للحداثة؟

إذا سلمنا للواقع المغاربي بخصوصياته، فمن المنطقي إذاً أن تأخذ هذه الخصوصيات بعين الاعتبار. ولكن هل تجعل هذه الخصوصيات من المغرب واقعاً هارباً من العام العربي؟ لا نقـرّ بذلك.

ولدينا أن الحداثة العربية تتنزّل ضمن جدلية الوطني والقومي. لا ننفي الخاص ولكننا لا نسقطه من حضن العام.

كما أننا نرى أن هذه الحداثة العربية لا يمكن أن تتم وتكتمل إلا ضمن مشروع نهضوي عربي عام يؤاخي بين عمق الحضارة وانتشار عملية التحديث. بين الهوية الراسخة والتماهي المباح. بين التاريخ والمستقبل.

لماذا النهضة قبل الحداثة في سلّم المقولات؟ وهل يمكن أن نقول بتلازم ضروري بين النهضة والحداثة بحيث أنّ من لا نهضة له لا حداثة له؟

نحن بعيدون عن الجزم بهذا التلازم بشكل عام. فالواقع يوفر لنا أمثلة متعددة عن حدوث حداثة بدون حدوث نهضة شاملة إلا أننا نقرّبه في حالات خاصة تكون الأمة العربية واحدة منها. نعني تلك الحالات التي تشكل فيها القوم ووعي القوم بأنفسهم وبتميزهم الثقافي في فترات تاريخية سابقة خاصة إذا كانوا قد بلغوا ما بلغه العرب من إبداع وحضارة وقيم حضارية وأخلاقية يلعب فيها المقدّس الديني فيها دوراً جوهرياً. هذا الموروث الحضاري لا يموت ولا يندثر بل يبقى في وعي القوم وفي لا وعيهم. وهو بحكم هذا التواجد الكثيف والملح لا يسمح بتجاهله. وإذا تمّ هذا التجاهل فسيكون قسرياً ومرضياً وقصير العمر وقد يتطلب علاجه فترة تطول أكثر منه.

للتاريخ ثقله وللأصالة ضريبتها ولا بد من حمل هذا ودفع تلك لمن أراد أن يبلغ الهدف.

مفارقة عصرنا تكمن في أن القوة الحداثية الرائدة الآن متخلصة من عبء هذا الوزر التاريخي متخففة من مسؤولياته ونراها، لذلك، لا تقيم وزناً إلا للراهن، بل إننا نمضي أبعد لنقول إنها معمل حداثة لا يتوقف عن الإنتاج والاستهلاك والتصدير، وهي خير مثال للانعتاق من ثقل الموروث والماضي؛ وذلك لأكثر الأسباب بساطة: ليس لها ماض ولا موروث. إنما هي مركب كبير من أجزاء صغيرة خرجت عن أصولها، وفقدت جذورها من دون عقدة ذنب، وأصبحت تبحث لنفسها عن هوية في المصلحة والمنفعة. وهذا ربما كان سراً من أهم أسرار الطفرة الاقتصادية الأمريكية التي تمضي لا تلوي على شيء آخر سوى الربح وخدمة مصالحها ولو أدى ذلك إلى إفناء شعوب بأسرها.. وهي في كل ذلك متناسقة مع نفسها. فقد أحلّت شعور الخوف واتهام الآخر وعقدة المحافظة على النفس محلّ القيم الحضارية التي جاءت بها الرسالات والأديان.

والسؤال إلى متى سيدوم هذا التقدم الاقتصادي وكم سيكفي منه لسدّ فراغات الروح الذي لن يتصالح مع اختزال الإنسان ــــ خليفة الله على الأرض ــــ إلى مجرّد كائن اقتصادي؟

الطفرة الأمريكية صالت وجالت وحطّمت نمر الورق وحولته إلى ورق، وافتعلت حروباً وربحتها وما زالت ماضية في برنامجها الذي ينصُ على فرض مشروع الحداثة على الطريقة الأمريكية على العالم بأسره. وهو مشروع مغرٍ يعجّ بالشهوات وأسباب الرفاهية وسهولة الوصول وإباحة الوسائل. إلا أنه مشروع قاتل يحمل في ذاته جرثومة الدمار لكل ما هو حي ابتداءً بالإنسان والحيوان وانتهاءً بالطبيعة.

ولو تعقبنا هذا الوباء لوجدناه في الإرهاصات الأولى للحداثة الأوروبية عندما كانت النهضة الأوروبية لا تزال في المهد. وقتها انفلتت فلول من المغامرين من عقال القيم الإنسانية، وأبحرت بعيداً في البحث عن الذهب وأسست ما يسمى الآن بالولايات المتحدة الأمريكية على جماجم السكان الأصليين. الحداثة الأمريكية إذا هي الإبن غير الشرعي
للحداثة الأوروبية وقد انفصلت عن مشروعها النهضوي، والذي حاولت أوروبا أن تتمه فيما بعد، ولكنها لم تنجزه. وللحداثة الأوروبية نتائج أخرى وخيمة منها حركة الاستعمار وتبرير نظريات المجال الحيوي والتفوق العرقي ومنها كذلك حربان عالميتان ونذير بأخرى أخيرة.

لقد أحلّت الحداثة الأوروبية كهنوت العقل محلّ عقل الكهنوت، وأنزلته منزلة المطلق. هل كانت لها طريق أخرى غير تلك التي سلكتها بين محاكم التفتيش والمحارق والمقاصل التي طالت شكل الكواكب وحركة دورانها؟ لا نستطيع الإجابة الآن إلا بما يقدمه لنا التاريخ.

إن العلاقة بين النهضة والحداثة هي علاقة جوهرية إضافية إلى أنها هي التي تحدد مدى إنجازية هذين المشروعين بما يتناسب ومفهوميهما وإن كانت النهضة تبدو أشمل، إلا أن العلاقة بينهما ليست علاقة الكل بالجزء.

وهناك عناصر حداثوية تخص أكثر من مشروع نهضوي خاصة في عالمنا المعاصر الذي يسعى للتعميم. وإذا كان الأمـر كذلك فإنه لا بد من إطار تتـزاوج فيه الحداثة بالنهضة، وهذا الإطار إنساني بطبعه يخص بني البشر وتتطور داخله الأمم والشعوب بحرية ومسؤولية أخلاقية.

وأما إذا انفصلت الحداثة وخلقت لنفسها إحداثيات اعتباطية فإن الشياطين لا محالة خارجة من القمقم والحريق منتشر لابدّ.

تجريد الحداثة العربية من حاملها القومي سيؤدي حتماً إلى أزمة قيم «لن تحلّ إلا بمصالحة بين قيم التحرر في تراثنا العربي الإسلامي وقيم تحرر العصر.. ففي الدين الإسلامي مخزون لا ينضب من قيم التحرر والتعاضد والتكافل وهي قيم يجب أن نعتزّ بها وأن نحافظ عليها وأن نواجه بها أخلاقيات الاستبداد»(14).

إن التأكيد على الهوية بمكوناتها وأبعادها وتموضعها في الوعي الاجتماعي هو، في اعتقادنا، الطريق الأمثل إلى الفعل الواعي الذي بدونه لا يمكن أن نؤسس لمرحلة لاحقة نكون فيها أكثر إيجابية وصولاً إلى دورة حضارية ثانية. وهذا يقتضي أن نربط مفهوم الهوية بفكرة التاريخ والصيرورة والتغير والتقدم.

إن سؤال الهوية، بهذا المفهوم، ليس له من جواب منطقي وتاريخي إلا في المجتمع المدني ودولة الحق والقانون المبنيين على أسس ديمقراطية وإنسانية.

في هذه الصيغة للهوية يتجلى جدل العام والخاص والفردي، ويتجلى المضمون الواقعي لحرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، والأساس المنطقي والتاريخي للديمقراطية وهي أهم الأسس في بناء الأمة الحديثة بمقوماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

لم تعد مسألة الهوية مجرد قضية وجدانية تتعلق بتعريف الذات، بمعنى تأكيد الوجود في ذاته، وإنما أضحت قضية تسهم في البحث عن طريق الخلاص، وفي محاولة إيجاد سبل تعزيز عملية النهوض المجتمعي بجميع إبعاده.

وبهذا يصبح النظر إلى الماضي وإعادة اكتشاف الجذور سبيلاً ضرورياً لتحديد الحاضر وتعزيز منطلقات التوجه نحو المستقبل.

لكن إعادة اكتشاف الجذور يجب أن تتم عبر منطق العصر، إذ لا سبيل إلى البحث عن الذات دون الارتكاز إلى أرضية فكرية ومنهجية صلبة مصنوعة من مفاهيم العصر ومستندة إلى مضامينه.

وتكتسب الحداثة أهمية إذا كان منطقها يتطابق مع منطق البحث عن الذات، أي إذا كان التوجه نحو المستقبل يتطابق مع فعالية البحث عن الجذور. وهذا هو واقع المسألة العربية والإسلامية اليوم. وهو عامل إيجابي جداً في عملية النهوض العربي الإسلامي المعاصر.

كيف يتطابق منهج الحداثة مع الأصالة فيما يخص الحضارة الإسلامية؟

سنجيب بإيجاز عارضين بعض جوانب هذا التطابق وليس جميعها:

1. إن الحداثة تتطلب التأكيد على المنهج العقلي في فهم الواقع وإدراكه، وهو ما يتطابق تماماً مع أصول الفكر الإسلامي وتأكيده على استخدام المنهج العقلي استخداماً لازماً وضرورياً.

2. إن الواقع المعاصر يقوم على منطق التكامل والثقافات الواسعة، كما يقوم على فلسفة الأحجام الكبيرة في كل شيء، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي. وبما أن الثقافة الإسلامية عميقة في مضامينها، شمولية في أطرها، فإن إعادة إحيائها يتفق مع منطق العصر اتفاقاً جوهرياً.

3. إن الواقع المعاصر يقوم على منطق التكتلات الكبيرة، وهذا المنطق يتناسب وإعادة إحياء واقعنا العربي والإسلامي، إذ أنه لا يمكن إعادة الإحياء الإسلامي دون دعوة إلى وحدة الشعوب الإسلامية ضمن مشروع إسلامي واسع، في المفهوم الجغرافي والاقتصادي والسياسي والثقافي...

4. إن منطق العصر والحداثة يقوم على التركيب وليس على التفكيك، بمعنى أنه من الضروري إيجاد العلاقة التوافقية بين الدوائر المختلفة واكتشاف خواصها الانسجامية وليس التنافرية. وعلى هذا الأساس يمكن تحديد الروابط البنيوية التوافقية بين دائرة المصلحة الوطنية للقطر الواحد، وبين دائرة المصلحة القومية العربية، كما لابد من تحديد الروابط البنيوية التوافقية بين دائرة المصلحة القومية العربية والمصلحة الإسلامية الأوسع...

إن توافق الدوائر يؤكد جوهر الواقع، إذ أن هذا الجوهر شمولي وتكاملي بالضرورة. فتأكيد البعد التونسي يجب أن يكون تأكيداً للدائرة المغاربية، ومن ثم للدائرة العربية، وللدائرة الإسلامية بشكل أوسع...

إن مهمة المثقفين العرب والمثقفين المسلمين اليوم، يجب أن تتركز على البحث عن هذه الروابط التكاملية وتأكيدها. هذا هو جوهر المشروع القطري الحقيقي، والمشروع القومي العربي، والمشروع الإسلامي. وبهذا تكتسب الثقافة بعداً تقدمياً، يتجه نحو كشف الجوهر في العمق، وكشف معالم الطريق نحو المستقبل في الوقت نفسه.

إذا استطاع النشاط الثقافي التركيز على هذه المضامين فسينتهي ضياعه وارتباكه ومحاولاته لاجترار الماضي أو نفيه دونما جدوى أو معنى....

 

الهوامش:

  1. 1. أنظر بخاصة :

-         Edger Morin et Sami Nair, Une Polituque de Civilisation,Paris Ed-Arlea 1997, P.15.16.17.

-         Ignacio Ramonet, Tyrannie de la Communication, Paris, Galilee, 1999.

  1. 2. أنظر Ignacio Ramonet, Tyrannie de la Communication, Ibid
  2. 3. أحمد بن نعمان، الهوية الوطنية، دار أمية – الجزائر 1996م، ص23.
  3. 4. سعد الغراب، العامل الديني والهوية التونسية، الدار التونسية للنشر 1990م، ص12.
  4. 5. فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة، 1993م، ص200.
  5. 6. وميض نظمي، المثقف العربي بين السلطة والجماهير، المستقبل العربي، ع186/8/1994، ص65.
  6. 7. عبد المجيد النجار، صراع الهوية في تونس، ص13.
  7. 8. أنظر المرجع السابق، ص13.
  8. 9. محمد عابد الجابري، مسألة الهوية، مركز دراسات الوحدة العربية، 1995م، ص15.
  9. 10. المرجع السابق، ص16.
  10. 11. عبد الكريم غلاّب، أزمة المفاهيم وانحراف التفكير، مركز دراسات الوحدة العربية 1998م، ص253/264.
  11. 12. عبد الكريم غلاّب، أزمة المفاهيم وانحراف التفكير، مركز دراسات الوحدة العربية1998م، ص253/264.
  12. 13. آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة الجهيم، وزارة الثقافة/ دمشق 1998، ص124.
  13. 14. منصف المرزوقي، الاستقلال الثاني، دار الكنوز الأدبية، بيروت1996، ص133/134.

 

 

 

 

 

القطـــري ـــــ القــــومــي : مصالحة أم فك اشتباك؟

 

 

كثيراً ما فهمت العلاقة بين "القومي" و "القطري" فهماً خاطئاً بسبب خضوعها لأحد موقفين أيديولوجيين. موقف قومي تقليدي يرى في "القطري" شراً مطلقاً لا مناص من إزالته كلياً، وموقف قطري يرى في القومية خطراً ينبغي التصدي له ومحاربته بكل الأشكال.

وإذا كانت المسألة القومية، بالنسبة لنا نحن العرب، ضرورة تاريخية لا يمكن تصور إمكانية بقائنا واستمرارنا ولا حتى مشروع نهضتنا خارجها، فإن هذا يستدعي رؤية موضوعية لهذه المسألة وقطعاً جذرياً مع مختلف النزعات الطوباوية والرومانسية والحتمية التي أفرغتها من كل مضمون.

والحقيقة أن ما يتطلبه الواقع العربي ومازال في مواجهة التحديات الآخذة بالتعاظم من ضرورة التوحيد القومي، لم يقابله على الصعيد النظري فكر يترجم هذه الضرورة انطلاقاً من هذا الواقع ودون قفز على حقائقه.

وفي غياب هذا الفكر، نتيجة اختفاء المثقفين بالتلهّي بما هو مستورد من قضايا، أو خوفاً من أدوات السلطة والرغبة في استرضائها، سادت ثقافة سياسية جديدة اعتمدت الترويج لشعارات سياسية تستجيب لرغبات الأغلبية وغرائزهم، وتخدم، في الوقت ذاته، أهداف السلطة والقبول بشرعيتها وتوجهاتها.

لقد أهمل الخطاب السياسي القومي الجوانب التي لا تروق له في الواقع العربي، وأسقطها من الحساب تماماً وفي مقدمتها المسألة القطرية.

كما يذكر في هذا المجال الأدبيات السياسية للأحزاب القومية والتي جعلت الحزب القومي يتماهى مع الأمة العربية في هوية واحدة. بحيث لا يعود للأمة من وجود خارج حدوده ورؤاه. وهكذا فقد تحكمت في الفكر القومي رؤية أيديولوجية (ذاتية خاصة) حصرية وتمامية تحجب واقع الدولة القطرية، وتحول دون معرفته كما هو، ومنطق تبريري يتمحور حول معصومية الذات (الحزب، الجماعة) وتماميتها وكمالها.

فقد تعاملت تلك الأدبيات مع الواقع العربي وكأن لا وجود فيه للدولة القطرية، معتبرة أنها محض نتاج استعماري زائل حتماً والحال أن الاستعمار لم يكن في الحقيقة سوى أحد العوامل التي ساهمت في نشوء الدولة القطرية.

والسبب هنا يبدو رئيسياً والحال ليس كذلك، إذ ان ترسخ هذا النمط من الدولة يعود إلى تطور بنى محلية أولاً، وفي بعض الحالات كانت تلك البنى تحمل مضامين قومية وتنادي بالوحدة ولكنها رسخت مفاهيم تدعم البناء القطري.

من المؤكد، اليوم، بعد ما حصد الفكر القومي خيبات ونكسات خطيرة، أنه ما لم يعترف هذا الفكر بوجود الدولة القطرية، وما لم يعدّها من حقائق الواقع العربي، فإنه يصعب عليه التوصل إلى بديل قومي ممكن التحقق.

ويطرح المحللون العرب الذين عايشوا إخفاق التجربة القومية العربية في بناء دولة قومية مركزية، مجموعة من الأسئلة حول مكونات الواقع وأهمها مسألة وجود الدولة القطرية ذاته من عدمه، بمعنى ما المقصود بالدولة القطرية من حيث الشكل؟ وهل تحمل أصلاً صفة الدولة، ذلك أن الواقع العربي يتسع حالياً ليشمل أكثر من نموذج "دولة" بمعنى آخر، هل هناك دولة بالمعنى الحقوقي والمؤسساتي أم لا؟ أم نحن أمام نماذج مختلفة؟..

إن الاعتراف بواقع الدولة القطرية التي تمكنت خلال عقود من الزمن من إنشاء وتكريس بنى اجتماعية ونفسية داخل مجتمعها ليس انحرافاً أو تنازلاً، كما يتوهم بعض القوميين، بل هو شرط لمعرفة نشأة هذه الدولة وتكوّنها معرفة موضوعية، نعتقد أن الفكر هو اليوم أحوج ما يكون إلى ذلك في مسعاه إلى صياغة البديل القومي المقنع والمقبول.

يبدو لنا بعد نصف قرن من إمكانيات أهملت وفرص لم توظف أن الحل الذي يستجيب لطموحات الجميع هو استعادة الدولة الوطنية (القطرية) والارتقاء بها إلى دولة ديمقراطية، أي إعادة إنتاج الدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون المعبّرة عن الكلية الاجتماعية والقائمة على مبدأ المواطنة كمقدمة ضرورية لمشروع ديمقراطي.

وبناء على ذلك يمكن القول إن الاعتراف بالدولة القطرية هو من هذه الزاوية شرط لتجاوزها وليس ارتداداً إلى الموقع القطري المناهض للقومية. أما إنكار الدولة القطرية أو تجاهلها لأنها مجرّد كيان مصطنع من عمل الاستعمار محكوم بالزوال..! فلن يغيّر شيئاً من وجودها العيني ولا من حقيقتها الواقعية، بل هو سيوفّر لها، على العكس من ذلك تماماً، الذريعة للعداء مع القومية وتضخيم الخصوصية القطرية.

إن من بين أشكال الوعي الاجتماعي العربي يبدو الوعي القومي أكثرها التباساً لأنه ممزّق بين تعبيرين: واقعي كما تعبّر عنه الجماهير العربية، ونظري (نخبوي) كما يتجلّى في الفكر القومي، يفتقران إلى الانسجام. وهذا ما شكل على مدى عقود، ولا يزال يشكّل، عائقاً في وجه تقدّم الوعي القومي وتأثيره المنشود في تحقيق أهداف الأمة. لذلك نرى من الضروري تسليط الضوء على أبرز الأسباب التي تباعد ما بين هذين التعبيرين وتمنع الانسجام بينهما، وفي مقدمتها المفهوم الأيديولوجي الممثل للعلاقة بين القطري والقومي.

لا بدّ في رأيي من التمييز بين القطرية كواقع موضوعي يتمثل في وجود الدولة القطرية العربية وبين الأيديولوجية القطرية المعادية للقومية العربية التي تنتجها الأنظمة الحاكمة. إذ ليس من الضروري، في رأينا، أن تنتج الدولة القطرية أيديولوجية ضدّ القومية، وليس صحيحاً أن هذه الدول، التي ارتبط قيامها باستراتيجيات تفتيت الوطن العربي ومنع وحدته، محكومة بإنتاج أيديولوجية تكرّس هذه الاستراتيجيات ولا تستطيع الاستمرار كدولة دون هذه الأيديولوجية. إن مصدر المطابقة الوهمية بين الدولة القطرية والأيديولوجية المعادية للقومية العربية يصدر عن خلط بين هذه الدولة وبين نظامها السياسي لاسيما أن النظم السياسية في معظم الدول العربية تكاد تكون نظماً مؤبدة.

والحال أن الدولة، كما هو معروف، ليست نظاماً سياسياً مهما طال عمر هذا النظام، لأنها أكبر وأبقى منه. ومصالح الدول، في ظل انعدام الديمقراطية وتفشي الاستبداد، ليست مطابقة بالضرورة لمصالح أنظمتها أيضاً. وهو ما يتجلّى بشكل مأساوي في وطننا العربي حيث التعارض جذري وحاد بين مصلحة الدولة ومصلحة النظام، ذلك أن المصلحة الوطنية لهذه الدولة تكمن موضوعياً في التكامل القومي مع غيرها من الدول العربية، بينما تقتضي المصلحة الشخصية للنظام الحاكم الحفاظ على التفتيت القطري ومعارضة التكامل القومي الذي يرى فيه تهديداً لسلطاته المطلقة ولما يعتبره ويعدّه ملكية خاصة.

ولأدلجة مصلحتها الخاصة عملت السلطات الحاكمة في الأقطار العربية على خلق وعي "قطري ــــ قومي" يجعل من كل دولة عربية أمة ويحل محل الوعي القومي العربي. وجنّدت في سبيل ذلك إمكانات مثقفيها ووسائل إعلامها. ولعلّها توهمّت أن الخصوصيات القطرية والمشاعر الوطنية، بل والدولة القطرية نفسها، يمكن أن تشكل مضمون هذا الوعي البديل.. لكنّها وأمام النتائج الراهنة التي انتهى إليها هذا المشروع لجأت إلى استثمار الوعي القومي العربي عبر محاولتها توظيف العروبة والإسلام في خدمة أهدافها ومصالحها السلطوية مفرغة إياهما من كل مضمون سياسي قومي، وهو ما لم تنجح فيه أيضاً مما دفعها إلى الاعتماد على الحلول الأمنية في مواجهة أزمتها العميقة أزمة المشروعية السياسية والأيديولوجية.

بيد أن المشكلة الرئيسة التي قفز عنها الفكر القومي لا تزال قائمة، على الصعيدين النظري والعملي، وهي عدم تطابق فكرة الأمة العربية مع وجود الدولة القطرية لذلك لا تزال مشكلة الهوية تقلق الفكر القومي، ولم يتوقف الكلام فيها بعد.

فهل يستمد العرب هويتهم من شروط وجودهم الواقعية: الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية، أم من شيء ما غير هذه الشروط وفوق هذا الوجود؟.

ولا تزال إشكالية القطري والقومي تسبب للفكر القومي الكثير من الإرباك والحرج، وقد اجتهد فيها المجتهدون، فالقطري هو الواقع القائم غير المعترف به، والقومي هو المستقبل المنشود وغير المعروف.

إن فشل مشروع صياغة وعي قطري ــ قومي بديل هو نتيجة لعجز الدولة القطرية نفسها عن أن تكون دولة أمة، أو ضد الأمّة كما يريد حكامها. وهذا ما يضعها أمام خيارين: إمّا أن يستمرّ حكامها في إنتاج أكذوبة أنها دولة أمة، وتقوية النزعة القطرية بما يعمّق التناقض مع الأمّة العربية والمصالح القومية المشتركة، رغم ما تبديه ظاهرياً من حرص كاذب على هذه المصالح. وهو ما يبدو خياراً بلا أفق لأنه يكّرس ضعف هذه الدولة وهشاشتها، ويضخّم طبيعتها الأمنية، وإمّا أن تسلك السلطة الحاكمة طريق تغليب المصالح الوطنية للدولة ولاسيما في التكامل القومي، وإشاعة الديمقراطية وهذا هو مفهوم الدولة الوطنية الذي يفترض وجود سلطة وطنية ديمقراطية تأتي عبر النضال السياسي.

وفي الحالتين تبدو الدولة القطرية حقيقة موضوعية من الخطأ القفز عليها. لكن الفرق نوعي بين أن تكون هذه الدولة غير المكتملة مزرعة خاصة يمتلكها الحاكم ولا يتورع عن إعلاء أسوارها والتناحر مع أمثاله من حكام الدول العربية الأخرى. بل ولا يتورع عن السير في ركاب أعداء الأمّة، وبين أن تنخرط هذه الدولة في مشروع قومي متكامل لا يتناقض مع سيادتها بقدر ما يساعدها على تجاوز مواطن ضعفها وهشاشتها، وهذا هو البعد الوطني الذي يجب أن يشكل بعداً سياسياً من أبعاد القومي.

حين نتحدث عن الأمة العربية على نحو ما يتحدث القوميون بلا تبصر، تفرض علينا الصفة (العربية) أن نتجاهل واقع أن الأمة مقسمة إلى عدة دول ومجتمعات، مصرية، تونسية، سورية، عراقية، وعن شعوب مصرية ولبنانية وتونسية. ولكن الفكر القومي يرفض الحديث عن الدولة الوطنية في هذه الأقطار، لأن الدولة القطرية لا تزال هامشية تقع على محيط دائرة مركزها "الأمة العربية"، التي تحتم عليه أن يقصر مفهوم الدولة على الدولة القومية.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا ينتمي العربي ثقافياً وروحياً إلى دولة قومية متخيلة لا وجود لها خارج وجدانه ولا ينتمي إلى الدولة القطرية القائمة بالفعل هنا والآن؟.

إن تجاوز التناقض بين القومي والقطري بإلغاء القطري هو تماماً كتجاوزه بإلغاء القومي لا يمكن أن يصدر في الحالتين إلا عن وعي مبتور وغير متكامل. ولهذا لابدّ من الإقرار أولاً بهذه الثنائية التعارضية التي دعت مفكّراً كهشام جعيط إلى القول بأن الأمّة العربية لا توجد حالياً وأن القوتين الواقعيتين الوحيدتين هما الشخصية العربية والإسلامية والشخصية القومية المحدودة (يقصد الوطنية)(1).

لكن جعيط يقترح على الفكر السياسي العربي حلاً لذلك مهمته إدماج الشخصيتين وتجاوزهما وتركيبهما تركيباً قائماً على نظرة شاملة للمصير ومتعلقاً بأمل التجديد، ذلك أن الشخصية العربية الإسلامية وحدها عاجزة عن إنشاء المستقبل ولكن تركيبها مع العنصر القومي (الوطني) من شأنه أن يجعلها تسهم بقوّة في بناء مصير مشترك وتعزيز الصلة العضوية بين الشعوب(2).

إن الدولة القطرية لا تمثل، في حدّ ذاتها، عائقاً في وجه الوعي القومي العربي أولاً، لأنها ليست دولة ـ أمّة مثلما يحلو لأصحابها أن يتصـوروا، ولا تمتلك مقومات مثل هذه الدولة. وثانياً لأن الانتماء الوطني لا يلغي الانتماء العربي الإسلامي بل على العكس فهو يؤكده. وبدل أن تكون الدولة القطرية، بفعل سلطتها السياسية القطرية، ضدّ الأمّة، يمكن أن تتحوّل، وبفعل سلطتها الوطنية، دولة مع وحدة الأمة. بل "إن تحويل الدولة القطرية القائمة اليوم إلى دولة وطنية، أي إلى دولة مستقلة ذات سيادة إزاء الخارج، وتعبير عن الكلية الاجتماعية في الداخل، هو الخطوة الضرورية الأولى نحو الوحدة العربية. وكلما كانت دولة عربية ذات سيادة فعلية واستقلال فعلي إزاء الخارج، وتعبيراً فعلياً عن كليّة مجتمعها تغدو أكثر قابلية للاندماج في مشروع وحدوي أو في صيغة وحدوية"(3).

وعلى هذا فإن البحث في إمكانية المصالحة بين "القومي" و"القطري" أمر واقعي وممكن، ولعلّه أكثر فائدة للقضيّة القومية من العداء القومي التقليدي للدولة القطرية العربية.

المهمة الأساسية والملحة الآن هي مثلما يلاحظ أحد الباحثين: "إخراج النظرة التناقضية الماضية والحالية للعلاقة بين القومي والقطري من حيز الواقع القائم. وهذه الحالة لها أساس في الواقع العربي. فهناك العديد من الدول العربية تعدّ نفسها جزءاً من القومي ويتجلّى ذلك في الأهداف والشعارات والسياسات وإن غابت هذه النظرة في بعض الدول العربية فنتيجة ضغط خارجي"(4). وإنّ ما يجعل هذه المهمة واقعية وممكنة هو أنه لا مخرج للقطري من أزمته المتفاقمة إلا بالقومي، كما أنّه لا إمكانية عملية في الواقع العربي الراهن لحركة "القومي" خارج "القطري".

لقد كان لنشأة الدولة القطرية العربية ولا سيما ارتباطها السياسي والاقتصادي بالاستعمار الأوروبي الأثر الكبير في إضعافها. والحقيقة أن الاستعمار لم يرحل عن الوطن العربي إلا بعد أن نجح في تفتيت بنيته الجغرافية والاقتصادية والبشرية، وإقامة الكيان الصهيوني في القلب منه ناقلاً القضية القطرية من مستوى التدخل العسكري المباشر إلى مستوى السلطة السياسية التابعة تاركاً التبعية تنتج بأشكال لا متكافئة، وفي معظم الأحيان، سلطات سياسية تتوارث التبعيّة والاستبداد(5).

المشكلة الوطنية أو القومية عند الفكر القومي تتلخص في النظر إلى الدولة القطرية القائمة بالفعل على أنها دولة مؤقتة وعابرة في انتظار قيام الدولة القومية المنشودة: دولة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، أو الدولة الإسلامية أو الدولة الاشتراكية.

لقد بات مؤكداً، بعد تجربة نصف قرن تقريباً، أن الحركة القومية العربية التي استولت على السلطة، لم تبن يوتوبيا الدولة القومية العربية، بل إن حضور السلطة الطاغي، حجب فكرة الدولة المنهجية والمعقدة والبالغة التجريد، وأنتج تطابقاً وتماهياً بين هذه السلطة والدولة والحزب القومي. لذلك كله، بات علينا أن نهتم بفكرة الدولة، قبل أي صفة أخرى من صفاتها، قطرية أو قومية.

وقد كان على الدولة القطرية في وضعية قصورها البنيوي أن تواجه تحديات وأن تخفق في مواجهتها إخفاقاً ذريعاً. أول هذه التحديات هو الشرعية فقد كانت هذه الدولة ممزقة بين وجودها القطري وبين ثقافتها العربية وهي ثقافة لا قطرية أساساً تتعارض مع القطرية ولا تعترف بها ولا تخضع لمنطقها(6). ولئن حاولت بعض السلطات العربية التغلّب على هذا التعارض بتبنّي إحدى أيديولوجيتين قومية أو دينية، حقيقة أو شكلاً، فإن بعضها الآخر حاول اختلاق أيديولوجيا قطرية ترتكز على تضخيم الخصوصيات المحليّة معمقاً بذلك الشرخ بينه وبين الشعب. وقد برهن فشل هذه المحاولات، بما فيها الدعوات المشبوهة إلى هوية جديدة للمنطقة العربية كالهوية الشرق ــــ أوسطيّة وغيرها، على أنّ الوعي القومي العربي الثقافي والسياسي عصيّ على الاختراق، وأنّه ما من سبيل أمام السلطات القطرية غير تغيير وعيها القطري.

ثاني هذه التحديات هو التنمية التي أثبتت حصيلتها في الدولة القطرية العربية استحالة نجاح مشاريعها في الإطار القطري الضيق. وتكفي الإشارة في هذا الصدد إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالأقطار العربية وانحدار بعضها إلى مصاف الدول الأكثر فقراً في العام. "ولقد أصبح من البديهي اليوم أنه ليس هناك من مخرج من هذه الوضعية المتفاقمة غير قيام نوع من الاتحاد بين البلدان العربية يجعل التكامل والتعاون والتضامن بينها حقيقة واقعية نامية ومتجذرة"(7).

ثالث هذه التحديات هو الخطر الصهيوني الذي فشل العرب متفرقين حتى الآن في التغلب عليه. ولعلّ ما آل إليه ميزان الصراع العربي الصهيوني من اختلال شديد لصالح كفة العدو يعود إلى فقدان الموقف العربي الموحّد في ظل عجز الدولة العربية القطرية الفادح عن التصدّي منفردة للعدوان الصهيوني.

وإذا كان هذا هو شأن الدولة القطرية في مواجهة الخطر الصهيوني، فماذا عساها تفعل اليوم وهي تواجه سياسة الإذلال الأمريكية؟

يبدو، إذاً أن لا أمل للدولة القطرية العربية في التغلّب على هذه التحديات والخروج بالتالي من مأزقها إلا بتجاوز قطريتها وعياً وممارسة والانخراط في العمل القومي والسير بخطى حثيثة نحو التعاون والتكامل السياسي والاقتصادي العربي.

من جهته لا يستطيع "القومي"، في هذه المرحلة، أن يتطلع إلى تخطّي "القطري" إلا من خلال هذا الأخير. ولا يملك الفكر القومي بالتالي إلا تغيير موقفه من "القطري" وتصحيح فهمه لموضوع الأمّة والدولة. وهو الموضوع السياسي الشائك الذي لحقه خلال النصف الثاني من القرن العشرين تشويشاً وضبابية لم تكن الاتجاهات الانعزالية وحدها مسؤولة عنهما فقط بل يتحمّل الاتجاه القومي النصيب الأكبر من تلك المسؤولية. ولعلّ هذا ما يجب أن يدفع القوميين إلى مراجعة علاقتهم بالدولة مراجعة نقدية عقلانية من شأنها أن تساهم في صياغة موضوعية لبرنامج عمل عربي واقعي قابل للتحقيق ضمن الظروف الراهنة. "وبما أن الظواهر تخضع إلى التاريخ قبل أن تركن للمماحكة المنطقية فإنّه يتعين على الوعي القومي أن يتعامل مع الوضع العربي الراهن وفقاً لإمكانيات هذا الوضع القائم والمسلّم مؤقتاً بالأوضاع السياسية العربية"(8).

إن مسألة الدولة ليست حديثة في التاريخ العربي. ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنها أصبحت رئيسية منذ وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم). فقد اضطرّ الخليفة الأول إلى الإقدام على خوض حروب الردّة، على ما يذهب بعض الباحثين، من أجل مسألة تخصّ الدولة أكثر ممّا تخصّ الأمور الإيمانية حيث إنّ المرتدين التزموا بالصلاة ورفضوا دفع الزكاة. فيما ذهب الخليفة الثاني إلى الاجتهاد في أمور تخصّ الدولة أو تخصّ الأمة من وجهة نظر الدولة. ويجب أن لا "ننسى أنّ الوحدة السياسية لم تعرف في التاريخ العربي إلا في صدر الإسلام، في إطار مفهوم الأمّة الإسلامية، وأنّ التجزئة تلت تلك الفترة"(9). ولن نطيل في تناول موضوع الدولة عند الأمويين الذين فضّلوا الانطلاق من الدولة في تسيير الأمّة وليس العكس كما يقضي الشرع. فأسقطوا مبدأ الشورى المنصوص عليه في القرآن والسنّة، وكذلك عند العباسيين الذي شهدت خلافتهم اضطراباً في العلاقة بين الأمّة والدولة، وظهور الدول والدويلات المتعددة في ديار الإسلام.

هذا يعني أننا نرفض الرأي التبسيطي القائل بأن الاستعمار الأوروبي هو الذي جاء بالدول داخل الدولة الواحدة على حين غفلة من الرجل المريض، أو بعد وفاته. وكما هو معروف فإنّ الدولة العثمانية كانت هي الأخرى متعارضة مع مفهوم الدولة العربية (المنشودة) شكلاً ومضموناً وحجماً (سياسة التتريك.. عدم ضمّها المغرب الأقصى). إن الاستعمار الأوروبي مدان قبل كل شيء باستعماريته وأشكاله المتعددة التي من بينها تثبيت بعض الحدود وتغيير أخرى، بما يضمن إطالة عمره بما في ذلك دعم وترسيخ أنظمة قطرية انعزالية في وجه النهضة العربية التي بدأت بخوض معركة الاستقلال ولم تتمكن من إنهاء مهمّتها.

مرض الدولة إذن قديم ولعلّه قد استفحل أثناء الاستعمار، وخاصة بعد خروجه العسكري وتأسيس الدولة القطرية التي أريد بها، قبل كل شيء، إيقاف الزخم القومي الذي أعقب تخلّص العرب من الأتراك، لأنّ الدول الاستعمارية التي أصبحت في غنى عن لواحق المتروبول كأسواق وكمصادر للخامات طوّرت أشكال استعمارها ودعمت من يسهر على مصالحها أحسن منها، وسنّت القوانين والمعاهدات والوعود (سايكس ــــ بيكو.. بلفور..وغيرها) ولا يجب أن نهمل من الحسبان ما أدخله الاستعمار من تعديلات وتحويرات في بعض البنى القطرية أثناء استعماره لها. فقد تعامل في هذا المضمار بدراسة ميدانية عميقة وتخطيط بعيد المدى والنظر بحيث "أنتجت السياسات الاستعمارية بتعبيراته الفكرية والسياسية والاقتصادية، أوضاعاً داخل كلّ منطقة وداخل كل دولة ممّا وفر أسساً واقعية لقيام سلطات تحكمها قوى سياسية قادرة على النهوض بالدور الموكل إليها في تثبيت نظام السيطرة والتجزئة"(10).

إزاء هذه الحركية والليونة الاستعمارية، لم يشهد القرن الماضي إلا تشدداً وجموداً لدى القوى السياسية القومية التي لم تنضج على الرغم من صدق النيّة وظلّت سجينة طوباوية لازمتها حتى في أنضج محاولاتها (الجمهورية العربية المتحدة). لقد رفض المدخل القطري، وظلّت الأفواه تغنّي بما لا تستطيعه الأيدي في حين أن الجميع يدرك أن الأهداف السياسية لا تتحقق بغير الوسائل السياسية، وأنّ القلاع لا تؤخذ إلا من الداخل. كان لا بد من فهم العلاقة الجدلية بين القطري والقومي، ولكن ذلك لم يحصل على مستوى العمل السياسي الفعلي. ونحن لا نستطيع الجزم بأنّ ذلك كان ممكناً منذ البداية.

لا يزال الفكر السياسي العربي بكل تلاوينه لا يميز بين الفكر القومي، والأيديولوجية القومية، والأحزاب والحركات القومية التي تتبنى أيديولوجيا قومية، والتي وصلت إلى السلطة. ويحمل مسؤولية وأزمة الأوضاع الراهنة المزرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية في الوطن العربي إلى الفكر القومي العروبي الوحدوي، بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن الهزيمة التي منيت بها الأمة العربية هي هزيمة الفكر القومي. يقيناً أن هزيمة الأمة العربية اليوم هي هزيمة تشمل الأفراد والجماعات، والطبقات، والأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الأيديولوجية، والحركة القومية العربية ويمثل إخفاق الأخيرة وعجزها عن تحقيق أطروحاتها في الوحدة والنهضة العربية ــــ على رغم التأييد الأدبي والسياسي للجماهير الشعبية العربية لها ـ إخفاقاً تاريخياً عادلاً.

لكن الذي يتحمل وزر هذا الإخفاق التاريخي والهزيمة السياسية للأمة ليس الفكر القومي العروبي ولا المشروع القومي، وإنما الحركة القومية، التي يعتبر انهيارها وهزيمتها هي ذاتها هزيمة المجتمع المدني وضموره، وتهميش الشعب، وإخراجه من السياسة، وتسيد الدولة القطرية التسلطية، التي حطمت كل المبادئ والنماذج الثابتة في الوجدان الاجتماعي (الديمقراطية، الرابطة القومية، التنمية بشروطها الوطنية والقومية) إشباعاً لنزواتها وخدمة لذاتها.. فالدولة القطرية إذن هي التي تتحمل وزر هذه الأوضاع لأنها أدارت ظهرها للأيديولوجية القومية ولأيديولوجية الإسلام فصنعت لنفسها أيديولوجية منغلقة.

الدولة القطرية العربية التي تروج لها بعض التوصيفات أنها "الدولة القومية" أو "الدولة الوطنية الحديثة" هي حالة تعبر في الصورة العامة عن رهانات ورغبات أيديولوجية، أكثر مما تعبر عن حقائق واقع هذه الدولة القطرية ذاتها، التي تبقى نشأتها التاريخية مختلفة جذرياً عن السياق التاريخي ـ السياسي الذي نشأت فيه الدولة القومية الغربية، ولأنها أيضاً ظلت بعيدة كل البعد عن الفتح البورجوازي الحديث. بل لأنها تجهل كلياً هذا الفتح البورجوازي المسمى بالحداثة السياسية والثقافية، التي تقوم على ركيزتين أساسيتين هما: الديمقراطية السياسية الحديثة، والعلمانية والعقلانية.

فالمظهر الخارجي الحديث للدولة القطرية العربية يخفي واقعاً داخلياً ذا بنية تقليدية ومتخلفة من حيث الجوهر، تهيمن فيها أيديولوجية تقليدية، لا تزال ترى السياسة شأناً من شؤون شخص الحاكم أو الزعيم أو القائد الملهم، الذي يستمد مبدأه وفعاليته من الواجهة المؤسسية لسلطة بيروقراطية الدولة، ونظام الحزب الواحد، وأيديولوجية بيروقراطية الدولة، التي تفهم وتمارس السياسة في بعدها التقني البراغماتي وترفض منطق الحوار الفكري، والجدل الثقافي والمعرفي، وتعمل على إخضاع تنظيمات المجتمع المدني لمنطق هيمنة أجهزة الدولة.

إن سيرورة تشكل الدولة القطرية العربية الحديثة في علاقتها بالمجتمع المدني من جهة، وبالقوى الاجتماعية من جهة أخرى، لم تتم في نطاق القطيعة مع ميراث الدولة الكولونيالية التي تمثل الاستمرار التاريخي للدولة البيروقراطية الحديثة، التي ولدت في أعقاب الثورة الديمقراطية البورجوازية في الغرب من ناحية، مثلما لم تتم القطيعة مع الدولة السلطانية التي سادت العالم الإسلامي من ناحية أخرى.

وهذه الدولة القطرية العربية التي اضطلعت بتطبيق مشروعها التحديثي في نطاق علاقته بالمجتمع التقليدي الذي دمرت الرأسمالية الكولونيالية توازنه العرضي الذي كان سائداً، والذي وسم المجتمع العربي الكولونيالي بالتجزؤ والتذرر والتباعد والتنافر بين مختلف أطرافه، قد خلقت بيروقراطيتها الحديثة، ذات الطابع المركزي، المهيمنة على هياكل ومؤسسات السياسة والاقتصاد والمتغلغلة في بنى ومؤسسات المجتمع المدني الوليد، حيث أصبحت هذه الدولة القطرية التي توحدت مع جهازها وبيروقراطيتها الحديثة خارجة عن المجتمع المدني، ومنفصلة عنه.

وكانت هذه الدولة القطرية تمثل في الوقت ذاته العنصر التكويني الرئيس للعلاقات الرأسمالية باعتبارها دولة تبحث دائماً عن ممارسة سياسة وسطية بين النموذج الليبرالي ونموذج رأسمالية الدولة، وكانت تجسد رأسمالية الدولة التابعة للمراكز الرأسمالية الغربية بامتياز. لكن بعد تضخم هيمنة الدولة على المجتمع المدني وصولاً إلى تدويله، وإلغاء دور القوى الاجتماعية والشعب على صعيد إنتاج السياسة في المجتمع، انبثقت الدولة البيروقراطية التسلطية الحديثة، وامتلكت ناصية الاستبداد المحدث، من "مصادر الاستبداد التقليدي باحتكار الحكم مركز السلطة" من ناحية، ومن خلال "احتكار مصادر القوة والسلطة في المجتمع" عبر اختراق المجتمع المدني على مختلف مستوياته ومؤسساته.

و"قد تغلب فهم السلطة لدى بعضهم على الهم القومي، وربما لو نجحت الدولة الوطنية في أن تكون دولة قطرية بالمفهوم العام للدولة لشكلت ضماناً منيعاً للانتقال من الحالة القطرية إلى الحالة القومية. ولكن الذي حصل هو العكس تماماً بحيث باتت العشيرة والطائفة هي الضامن للسلطات في أغلب الأقطار العربية"(11).

تكمن خصوصية التحديث في الدولة القطرية العربية في انفصاله الكلي عن المسألة الديمقراطية، والحداثة السياسية، سواء في مفهومها الليبرالي الغربي المتعلق بإحلال مفهوم المواطنة، والاعتراف بسلطة الفرد الحر المسؤول، وبناء المؤسسات السياسية والدستورية التمثيلية، وما تقتضيه من إحلال قيم المشاركة السياسية من جانب الشعب في الشأن العام، بما في ذلك حق الانتخاب وحق الرقابة على مؤسسات الدولة وعلى رجال الدولة باعتبارهم وكلاء المصلحة العامة، أم ببعدها المتعلق بالتوزيع العادل للثروة الوطنية وتوحيد التنمية وفق اختيارات اقتصادية اجتماعية تخدم مصالح الطبقات والفئات الشعبية.

إن الفشل التاريخي للدولة القطرية نموذج الدولة والأيديولوجية القومية، وانتشار ظاهرة الشعبوية وانعدام تقاليد الحوار الديمقراطي في ظل تغييب كامل للديمقراطية، والهزائم المتلاحقة التي منيت بها الأمة العربية، وإخفاق المشروع النهضوي العربي، شكلت جميعها الأرضية الخصبة، والأسباب الرئيسية للعودة الضخمة والصارخة للعامل الديني، والاستخدام غير الرشيد للإسلام من جانب الحركات الإسلامية.

الثابت أن السلطات القطرية (ومن بينها من يبطن التشرذم وينادي بالوحدة العربية) قد أتّمت المهمّة المنوطة بها من قبل حليف اليوم (مستعمر الأمس)، ولكنّها اليوم وصلت ـ كما وضحنا سابقاً ـ إلى منعطف جديد يطرح عليها مسائل لا عهد لها بها، ولا يمكن حلّها في حدود القطر الواحد في زمن التكتلات الذي نعيشه ولذلك فقد بدأ البحث مرّة أخرى عن وسائل غير قومية:

هذه المرة أورومتوسطية، أوروأطلسية، إفريقية.. وقد لا يكون من حقنا أن نطالب حكومات لا تضع ضمن إستراتيجيتها مشروعاً قومياً، بأن تتصرف وفق المنطق القومي، ولكن من حقنا أن نطالب القوميين بعدم التفريط في الفرصة المتاحة مرة أخرى، أي أن يكفوا في مستهل هذه الألفية عن الجمود والتحجّر، وأن يتعاملوا مع الواقع بواقعية في المنهج وفي الأساليب، ويصحّحوا فكرهم السياسي القومي. والمقصود هنا هو خطأ تعامل هذا الفكر مع الدولة بإنكاره لها واقعاً قائماً واعترافه بها حلماً فقط. والحلم لا ينافي العمل السياسي بل لعلنا لا نستطيع تغيير شيء دون أن نحلم بما هو أحسن منه، ولكن تحقيق الحلم يتطلب، قبل كل شيء، الانطلاق من الواقع المراد تغييره.

لا بد لنا من الاعتراف إذن أننا عملنا ضد الدولة الواحدة لأننا لم نسع إليها سعي المؤمن بل نظرنا إليها من علٍ حتى قيل: "أنتج القوميون العرب نظرية الأمة، لكنهم لم ينتجوا نظرية في الدولة القومية"(12).

في الحقيقة كانت هناك بوادر لن نتوانى عن وصفها بالعبقرية لدى روّاد الفكر القومي، ولكنّها لم تمض في طريق تطوّرها المنطقي. فكرة فصل الأمة عن الدولة، على سبيل المثال، فكرة صائبة من حيث المبدأ، لكن الخطأ طالها عند ما تحوّلت إلى فكرة مطلقة. فساطع الحصري عندما نادى بالفصل بين مفهوم الأمّة ومفهوم الدولة كان يريد أن يدافع عن فكرة وجود الأمة نفسها ضد من قد يستنتج أنّ الأمة لم تعد موجودة، لأن دولة الأمّة أصبحت دويلات، وأراد في الوقت نفسه ألاّ يمنح فرصة للتنظير لإمكانية استنساخ أمّة خاصة بكل دويلة بحيث تصبح الأمّة أمماً. إلا أن هذا الفصل بين المفهومين لم يترافق بوصل بينهما يتمثل في إرادة السعي (على مستوى المفهوم) لتوحيد أجزاء الأمة ــــ الدولة. نحن نرى في جدل الفصل والوصل هذا منطلقاً لما ندعو إليه من واقعيّة في تناول الموضوع القومي، من حيث الارتقاء من القطري إلى القومي عبر الدولة القطرية الوطنية التي تعي منذ البداية انتماءها لأمتها، وتعي في الوقت نفسه أن منطق الدولة ومنطق الأمّة لا يتطابقان دائماً ولكنهما لا يتقاطعان بالضرورة في سعي واع إلى التطابق. ويذهب البعض إلى أنّ الحصري لم يستطع "أن يفهم أنّ منطق الدولة ــــ أي دولة ــــ هو منطق قومي بالضرورة.. ويضطلع إلى حد بعيد بوظيفة تحقيق الإنتاج والتكامل الاجتماعي أي ما يسمى بـ "بناء الأمة". بل يمكن للدولة أن تنشئ قوميتها"(13).

الدولة في موضوعنا هي الأصل وجميع صفاتها الأخرى تابعة، والأمة، بمعناها الحديث، هي الأمل وجميع صفاتها تابعة.

التلازم بين الأمة والدولة تلازم ضروري في سبيل إقامة دولة قومية بمعزل عن الشروط الموضوعية. بل يمكننا الحديث عن عملية/عمليات تشكل الأمة والدولة الأمة في الوقت ذاته ولا فصل بين هذا وذاك.

لم يكن هناك في التاريخ أمم أنشأت دولاً قومية بل كان هناك دوماً جماعات مختلفة شكلت أمماً حديثة ودولاً قومية حديثة بالتلازم الضروري بفعل عوامل مختلفة وعلى درب آلام طويلة، ومراحل اختلفت سياسات وتضحيات.

نحن نرى أن الدولة ــــ بحكم فصلها كمفهوم عن مفهوم الأمّة ــــ لا تنشئ قوميتها ولا "تقوْمن" وأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو خلق مواطنة قد تستطيع ــــ بحكم الوصل بين المفهومين ــــ أن تشارك في بناء دولة الأمة، والأمثلة كثيرة. فأين هي الأمة السوفيتية مثلاً أو الأمّة الجنوب إفريقية البيضاء أو حتى الأمّة الكندية ناهيك عن الأمّة "الإسرائيلية".

يذهب الباحث هشام جعيط إلى أن أخطاء الفكر القومي العربي المعاصر يتمثل في "أنّ الأمة العربية تقدّم كمعطى ينبغي التعجيل بتجسيمها في التاريخ، والتعبير عنها في المستوى السياسي، في حين أنّ الأمة العربية ليست أمراً واقعاً تماماً، كما أنّها لم توجد في الماضي وجوداً متكاملاً. فلا مجال لطرحها كواقع لا يقبل النقاش. ولا مجال لإعادة بنائها.. بل الذي يجب إذا أمكن ذلك هو بناؤها بالعرق والجهد"(14).

ويصعب ألا نتفق مع ما يطرحه المفكّر هشام جعيط من ضرورة البناء بالعرق والجهد، وعدم جدوى إعادة البناء على الأقل . ولكننا نتساءل كيف أن الأمة العربية ليست أمراً واقعياً تماماً، وكيف أنّها لم توجد في الماضي وجوداً مكتملاً وإلى أي درجة هي واقع وإلى أي درجة اكتمل أو لم يكتمل وجودها في الماضي؟. ألا تكون الأمة العربية معطى جاهزاً شيء وألا تكون واقعاً شيء آخر. هذا إذا لم نفقر مفهوم الواقع ونرجعه فقط إلى العياني السياسي أو الاقتصادي.

ليس هناك تناقض داخلي في كلام جعيط فقد فضّل في طرحه التحرّك بحرية تامة انطلاقاً من القطر دون شرط من "القومية المحدودة"، أي الانتماء القطري عبر التغيير دونما أفق مرسوم فيما يؤدي إلى الوحدة أو إلى إمكانات أخرى . ومن المنطقي أن تُعطى "الأولوية للتغيير على التوحيد"(15)، وليس في هذا الكلام ما قد يثير تحفظنا إلا بقدر ما نتكلم عن بعث الأمّة في حين يتكلّم جعيط عن التغيير. نحن نقرّ بضرورة العمل المُبدع الحر، ونحن أيضاً، في الظرف الراهن، نعطي الأولوية للتغيير على التوحيد، إلا أن الأولوية الكبرى هي للتغيير من أجل التوحيد وليس للتغيير، وذلك إيماناً منّا بضرورة التغيير والتوحيد معاً. ومن هُنا فإننا نذهب مع جعيط على طريق التغيير والبناء بالعرق والجهد، ولكننا لا نشك في وجود الأمة، لأن فكرة بعث الأمة لا تستوي دون وجودها وهذا لا يصحّ على أمتنا العربية وحدها وإنما على كل الأمم التي انبعثت والتي ستبعث.

صائب تحذير جعيط من مقارنة الوضع العربي الحالي بالمثال الألماني في القرن التاسع عشر، فالاختلاف بيّن لكننا في هذا المضمار نوّد أن نسوق مثالاً ألمانياً آخر هو وضع الألمانيتين بعد الحرب العالمية الثانية. فقد قسّمت الأمّة الألمانية آنذاك إلى دولتين عدوّتين تنتسبان إلى معسكرين عدويّن، وحدث التغيير في كل شطر وفقاً لحلفه ودام هذا الوضع قرابة نصف قرن كما نعلم. الواقع الاقتصادي والسياسي في كلا البلدين كان محدّداً باتجاهين مختلفين إن لم نقل متناقضين ولو فرضنا أنّ الألمان أعطوا الأولوية للتغيير على التوحيد، لربما كان من الأيسر لألمانيا الشرقية أن تغرق في سياسة الإصلاحات والتحويل الاقتصادي على النمط ما بعد السوفيتي، ولربّما كان العبء أخفّ على اقتصاد ألمانيا الغربية ولما كان لسور برلين أن يذهب شظايا، ولكن الذي حصل هو أن فكرة الأمّة الألمانية هدمت السور ووحّدت الدولة بقطع النظر عن التكاليف التي تكبدّها الاقتصاد الألماني الغربي، ولم يبق من واقع الانشطار في غضون عقد واحد إلا بقدر ما بقي من أطلال السور.

أمتنا العربية إذن موجودة ومن حقها أن يكون لها دولتها الواحدة على غرار الأمم التي أنجزت وحدتها القومية، وليس في ذلك مشكلة، فيما أرى، إلا عند من ينكر على أمتنا وجودها أصلاً.

المشكلة الحقيقية تكمن في الوصول إلى هدف الوحدة، وقد ثبت بعد مختلف التجارب الوحدوية التي قامت في الوطن العربي أنّ العاطفة والأيديولوجيا على أهميتها ولزومهما، لا يكفيان لحل هذه المشكلة.

ونحن نشارك أحد الباحثين اقتراحه ضرورة الإجابة علمياً وليس وجدانياً وسوسيولوجياً، وليس أيديولوجياً على سؤال: كيف الطريق إلى الوحدة العربية(16) دون استغناء عن العوامل الأيديولوجية طبعاً، وعدم تجاهل الواقع المعاش في الخطط والأساليب الرامية إلى تغييره، أي "محاولة تحقيق ما يجب أن يكون مع مراعاة ما هو كائن، لا بتجاوزه تجريدياً والقفز فوقه بلا مبالاة"(17)، والحال أنّ الواقع العربي المعاش شديد الوضوح في التعبير عن العلاقة بين القطري والقومي "وسواء تمّ توصيف الواقع القومي بأنّه نظام قومي تمت إعادة صياغته قطرياً من خلال التجزئة، أو بنظام قطري تجري إعادة صياغته قومياً. فهناك مظاهر من الترابط بين الاثنين. فالقطري جاء على قاعدة القومي بالرغم من أن جميع المحاولات التي تبرزه كنقيض للقومي فإنّه يحتوي القومي، والقومي الآن مجزوء وموزّع في القطري لكنه أيضاً يحمل النزوع المستمر اللحظي مما هو قائم والعودة إلى الوضع الطبيعي، أي إلى الوحدة العربية"(18) .

إن هذه الوضعية تجعل من المستحيل على الفكر القومي أن يتجاهل الوعاء القطري إلا عن طريق التجريد الفكري ونفي الواقع الملموس كما فعل طوال عقود من الزمن.

هل للوحدة العربية مصداقيتها العلمية والمعرفية لأنّنا نريدها، أم لأنّها تستجيب لضرورة تاريخية وتمثل الردّ الأمثل على التحديات والأخطار التي تهدد الدول العربيّة دون استثناء؟.

وهل فكرة الوحدة العربية تتضمن تحقيقها أم أن تحقيقها مسألة مشروطة بجملة من العوامل الذاتية والموضوعية المعقدة التي تحكم الواقع العربي الراهن؟.. وهل فكرة الوحدة العربية تتضمن أيضاً صيغة تحققها العملية أم أن تفاعلها مع الواقع هو الذي ينتج هذه الصيغة؟.

لنسأل أيضاً: هل يستطيع الفكر القومي أن يتبّنى العلمانية مثلاً وأن يرى فيها شرطاً للحداثة والتقدّم في الأقطار العربية التي لا ترى شعوبها ذلك؟.. وهل يجوز له القفز على اتجاه الشعوب ومعتقدها معبّراً بذلك عن نزعة نخبوية نشطة؟... وهل يستطيع الفكر القومي ألا يكون معنياً بالنضالات الاجتماعية والديمقراطية التي تخوضها الجماهير العربية في أقطارها بحجّة أنها نضالات قطرية لا تلتقي مع أهدافه وغاياته؟

أسئلة طرحناها على سبيل الأمثلة لا الحصر لنؤكد ما أشرنا إليه سابقاً من عقم محاولة القفز على القطري، ونخلص إلى أن جدل القومي ــــ القطري في هذه المرحلة تجد تركيبه في الوعي القومي داخل كل قطر ومن حيث هو وعي عملي يرى في نهوض القومية العربية حركة اجتماعية داخلية ومعركة قومية خارجية(19).

لقد حملت النخبة القومية العربية "الدولة القطرية"، من المساوئ والعيوب والآثام ما يكفي للحيلولة دون انعقاد أي اجتماع وطني حولها، وما يكفي من سوء لعدم تبنيها أو توظيفها في مجتمعات لم تعش تجربة الدولة من قبل، فبدت الدولة القطرية كأنها جسم غريب مزروع في بيئة ترفضه، فلا تمده بمقومات الحياة والنمو.

الدولة القطرية هي الأسوأ المرادف للتجزئة الكولونيالية، ومن ثم فإن نفي التجزئة الكولونيالية هو نفي الدولة القطرية.

إن مواجهة الطابع غير الديمقراطي للدولة القطرية العربية مواجهة صريحة (تشكل) بداية البداية التي على الفكر القومي العربي أن ينطلق منها لتثبيت نظريته في الوحدة العربية.

الأمة ــــ الدولة ليست معجزة تحصل دون خضوع للقوانين، وليست هبة يهبها آباء الأمة لأبنائها، بل هي صيرورة يشارك فيها كل من له مصلحة وقدرة. فلا بدّ إذن من توافق بين المصلحة القطرية والقومية ولا بدّ من وعي هذه المصلحة. وهذا التوافق قائم في العمل الواعي على تحويل الدولة القطرية إلى دولة وطنية بكل معاني هذه الكلمة. فهذه الدول هي وحدها القادرة على بناء دولة الأمّة.

 

الهوامش:

1. هشام جعيط. الشخصية العربية الإسلامية. ترجمة المنجي الصيادي.دار الطليعة ط2/1991ص 51.

2. المرجع السابق. ص51.

3. جاد الكريم الجباعي. قضايا النهضة. دار علاء الدين 2003. ص188.

4. ماجد شدود وآخرون. القومي والقطري. المركز العربي للدراسات الاستراتيجية 1999.

5. المرجع السابق.ص36.

6. انظر محمد عابد الجابري. إشكاليات الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربي 1989/ص81.

7. المرجع السابق. ص8.

8. ماجد شدود وآخرون. القومي والقطري. ص37.

9. عبد العزيز الدوري. تعريف المشروع الحضاري. مجلّة المستقبل العربي س24.ع269/2001. ص42.

10. حسن الضيقة. في الاجتماع الإسلامي المعاصر. دار الإيمان 1993. ص55.

11. غياث كنعو. الأمّة العربية. دورية المناضل. ع370/ديسمبر2008.

12. عبد العزيز الدوري. تعريف المشروع الحضاري. مرجع سابق. ص54.

13. محمد جمال باروت. الدولة والنهضة والحداثة. دار الحوار/سورية (د.ت) ص22/23.

14. هشام جعيط. الشخصية العربية الإسلامية. مرجع سابق. ص64.

15. هشام جعيط. مرجع سابق. ص64.

16. انظر تركي الحمد. دراسات أيديولوجية في الحالة العربية. دار الطليعة 1992ص150.

17. المرجع السابق.

18. ماجد شدود وآخرون. القومي والقطري. مرجع سابق. ص91.

19. المرجع السابق. ص39.

 

 

 

 

 

 

 

 

العــــروبـــة و الإســـلام:   ثنائية الجوهر الواحد

 

 

لم تكن العلاقة بين العروبة والإسلام مجال جدل أو بحاجة إلى التأكيد من وجهة نظرنا. فهما متصلان ومتكاملان في التاريخ والواقع على أرض العرب. و"حينما نقول (العروبة وعاء الإسلام) فقد أضفنا شرفاً عظيماً لهذه العروبة حيث جعلناها ظرفاً لشيء ثمين وغال ألا وهو الإسلام، ورفعنا من قدرها حيث جعلناها وعاء يحوي ثميناً وسياجاً يحافظ على المقدس. وقولنا (الإسلام روح العروبة) يعني جعلنا العروبة جسداً يتحرك بتحرك الإسلام، ولا حركة لجسد دون روح"(1).

لقد وجد الافتراق بين الاثنين في الوعي السياسي العربي الحديث، على أن فكرة الافتراق أو الانفصال بين العروبة والإسلام لم توجد فقط في الفكر القومي العربي، بل وجدت أيضاً في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فإذا كان القوميون قد أسقطوا عامل الدين (الإسلام) من تكوين الأمة وشخصيتها القومية، فإن الإسلاميين وَعَوْا الإسلامَ بمعزِلٍ عن العروبة، وعَدّوها في جملة "العصبيّة الجاهلية" التي حاربها الإسلامُ في ما زعموا. وبذلك يكون الفريقان معاً قد خاضا مضاربة أيديولوجية في الهويّة غيرَ ذاتِ علاقة بالموضوعية العلمية أو بالواقع التاريخي(2).

وإذا كان أمر العلاقة بين المفهومين بهذا الشكل من التداخل والتكامل فما السبب الذي جعل بعض الدارسين ينكرون ذلك بل ويذهبون إلى حد القول بالتمايز والاختلاف بين المفهومين. ربما يكون مرجع ذلك أمرين: "الأول هو ذلك التردّي والقصور المعرفي لعدم قراءتنا للتاريخ بشكل جيّد وللنتاج الفكري للأسلاف بشكل كامل... أما الثاني فقد أصبحنا نستمدّ المعرفة وفق مصطلحات ومعايير ومبادئ ارتضاها لنا الآخرون، فهي غريبة على مبادئنا وتراثنا. وقد غرّبتنا عن ماضينا الذي يجب أن نستمدّ منه المعرفة"(3). وبالفعل فإن النظرية القومية تأسست وفق مقاربات الواقع الأوروبي حيث كان التخلّص من اللاهوت ضرورة أوروبية كما يقولون. كما يذكر أن القراءات التي عبّرت عنها حركات الإسلام السياسي المعاصر لمسألة الأمّة لم تكن إلاّ ردّة فعل ملتبسة ومتشنجة تجاه مقولات الحداثة الغربية.

إن محورَ الإسلام والعروبة هو المفصَلُ الرئيسي في قضية الأمة، لأنه يلامس فعلاً أهمَّ نقطتين محدّدتين في هذا المفهوم. وهو إلى ذلك يثيرُ أصعبَ الأسئلةِ التي تقود بيُسرٍ إلى التناقض الشكلي، إذ يبدو كما لو أنَّ إدخالَ أحَدِهِما في صُلبِ الموضوعِ ينبُذُ وجودَ الآخر. فإذا قلنا: إنَّ الإسلامَ يدخل في تعريفِ الأمّةِ وجدْنا عرباً غير مسلمين واحترْنا في تصنيفهم، وإذا أصْررنا على العروبة فقط، وجَدْنا مسلمين من غير العَرب ولكن من ذوي الثقافة العربية، واحترنا في تصنيفهم كذلك. هل هذه الحيْرَةُ في مَحَلِّها؟ نحن لا نُخفي شكَّنا في مثل هذه المقاربات الشكلية ويقيننا أنَّ هذا التناقضَ شكليٌ هو الآخر ولا علاقةَ له بجوهر الموضوع.

المقاربة الكمية، من حيث الزمن أو العدد، لا تقيم وزناً كبيراً لروح الموضوع. فماذا يعني أن تكون اللغة العربية سابقةً نزول الوحي على الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟ وفيم يتناقض ذلك مع وجوب وحدانية الإسلام لمن اعتنقه؟ ولماذا يَتمُّ تغييبُ الروابطِ بين العروبة والإسلام؟ وما هي الثقافة العربية إن لم يكن الإسلامُ جوهرها لدى جميع العرب وضمنهم النصارى والصابئة؟ وما هو المحيط الثقافي للمسلمين غير العرب في المنطقة العربية إن لم يكن عربياً؟(4).

في البداية لم تكن ثنائيةُ عرب ـ إسلام قائمة كتناقض جوهري أو حتى شكلي، ولكن ما حدث خلال المدّة الممتدة للدولة العباسية وغزوِ المغول، وبخاصة خلال الحكم العثماني من نِزاعات شُعُوبيةٍ وسياسة تتريك قائمة على كُره العرب، دفع الناسَ إلى التفكير في الشخصية العربية بمعزل عن باقي الشعوب الإسلامية. وإذا أضفنا إلى ذلك قدومَ المستعمِر الأجنبي منذ حملة نابليون وحركة الاحتلال الأوروبي للدول العربية، فَسَنَفْهم مدى تأجّج الشعورِ القومي العربي، كتعبير عن وضع العرب الواقعين بين سِندان التخلّفِ العثماني ومطرقةِ التهديدات الأجنبية.

إجمالُ القولِ: إن العرب قد وجدوا قبل الإسلام وانتشروا جماعاتٍ وقبائلَ وعصبيات متفرقةً في منطقة جغرافية واسعة من اليمن إلى بلاد الشام مروراً بالجزيرة العربية. وكانوا يرتبطون برابطة الدمِ والنسب ورابطةِ اللسان، كما كانت لهم هُويّة ثقافية وحضاريّة. إلا أنه يصعب الحديث عن أمة عربية قبل الإسلام. "لقد كوّن الإسلامُ الأمّةَ، بُنيةً من التضامن السياسي ـ الديني التي امتصَّتْ شيئاً فشيئاً كلَّ الحقيقةِ العربيةِ"(5).

قبل الإسلام لم يكن من مبدأ أو فكرة أو هدف يوحد العرب ويدفعهم إلى القيام بدور تاريخي وإنساني، وبه أصبحوا أمة ذات رسالة روحية وثقافية إلى العالم. وهذا الدافع الجديد هو الذي أتاح لهم فتح مناطق واسعة من العالم نشروا فيها الدين الجديد ومنحوها حضارة جديدة عبر عمليتي الأسلمة والتعريب.

ومع أن هاتين العمليتين كانتا متلازمتين فإن نشر الإسلام امتد ليشمل أماكن أوسع من المنطقة الجغرافية التي شملها التعريب. "وبوجه عام فإن كل قطر رسخت فيه العروبة وثبتت، رسخ فيه الإسلام وثبت، ولكن العكس غير صحيح، فثمة أقطار مثل: فارس وبلاد الأفغان أسلم أهلها جميعاً وثبت فيها الإسلام، ومع ذلك فإن تعريبها لم يتم إلا في نطاق ضيق"(6).

صحيح أننا نعثر في مؤلفات بعض المفكرين والكتاب القوميين على اعتراف بأهمية الإسلام في التاريخ العربي إلا أن هذا الاعتراف لم يجد أبداً معادله الفكري والسياسي في النظرية القومية. ربما كان الدكتور عبد العزيز الدوري واحداً من القلائل الذين حاولوا وضع الإسلام في قلب القومية العربية ليمحو بذلك أي شك يحيط الطبيعة التكافلية لترابطهما(7). ويرى باحث أخر أن الإسلام وحده هو الذي حول العرب "من جماعة عرقية إلى أمّة تستند إلى الانتماء الثقافي. وعالج الإسلام الناشئ في بيئة حضارية البداوة بوصفها شذوذاً. وفي القرون اللاحقة أصبح الإسلام واللغة العربية القاعدتين الأساسيتين للأمة العربية بوصفها كياناً ثقافياً"(8) ولم يُخفِ بعض المفكرين العرب المسيحيين كقسطنطين زريق إعجابهم بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والدور المركزي للإسلام في تاريخ العرب، وتأكيدهم على أهمية الإسلام الثقافية كمجموعة قيم ورموز(9).

لكن يبقى ميشيل عفلق أكثر المفكرين المسيحيين العرب إيماناً بارتباط الإسلام بالقومية العربية حتى إنه حث العرب المسيحيين على حب الإسلام والحرص عليه حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم، ذلك أن "الإسلام هو تاريخنا وهو بطولتنا وهو لغتنا وفلسفتنا ونظرتنا إلى الكون وأشياء كثيرة يصعب حصرها وتعدادها.... لا يوجد عربي غير مسلم، هذا إذا كان العربي صادق العروبة وإذا كان متجرداً من الأهواء ومتجرداً من المصالح الذاتية(10).

إلا أن الفكر القومي العربي في توجهه العام لم يعترف للإسلام بأي دور فاعل في تكوين الأمة العربية واضطر إلى سد هذه الثغرة الكبيرة باختلاق مزاعم وتصورات هي نتاج الأيديولوجيا أكثر منها نتاج الحقيقة والتاريخ. ومن ذلك القول بأن الأمة العربية وجدت قبل الإسلام. ويقول هشام جعيط رداً على هذا الزعم: "سبق الحدث العربي الإسلام، وهذا من المعطيات التي لا نزاع فيها. لكن الماضي العربي الجاهلي واقع دون تاريخ في جملته. وقد ألقى الإسلام والفتح العربي (بالشعب) العربي في المجتمع التاريخي، فحطما عزلته التي جعلت منه شعباً برابرياً أقصي عن المغامرة البشرية" بل إن الأمر يتجاوز هذه الحدود والفضاءات، ذلك أن الإسلام لم يقتصر على أن يقوم بدور رئيس كرائد للعربي يرشده للتمدن، مؤكداً مبدأ الدولة وباعثاً على ثورة ذهنية بل عمل على إبراز (أمة عربية)، فقنن لغتها وثبتها، ومنح في الجملة هيكله إلى الانتماء العربي"(11).

أما الفصل بين العروبة والإسلام، الذي جاء أصلاً نتيجة إنكار دور الإسلام الجوهري في تكوين الأمة العربية، فقد اقترح لحل مشكلة مفتعلة تتعلق باعتراض مزعوم من قبل العرب غير المسلمين، أي المسيحيين، على ارتباط العروبة بالإسلام وخوفهم من هذا الارتباط الذي يمكن أن يهدد وجودهم وانتماءهم إلى الأمة العربية!. نقول مشكلة مفتعلة لأن المسيحيين أنفسهم يقرون بانتمائهم إلى الفضاء الإسلامي تاريخاً وحضارة.

وهذا أحد كبار المفكرين العرب المسيحيين، اليوم، يرى في الإسلام ثقافة قومية بالنسبة إلى المسيحيين وتعبيراً عن تراثهم الحي"(12). بينما يقول باحث عربي فاضحاً زيف هذه المشكلة "إن التذرع بوجود جماعات عربية غير مسلمة في صفوف الأمة للقول إن بناء التلازم بين العروبة والإسلام يضعف من نسيج التكوين القومي، أو يقيمه على مقتضى استبعاد جماعات عنه هو أمر عارٍ عن الشرعية، ويقايض التاريخ والحقيقة التاريخية بأفكار أيديولوجية لا وظيفة لها سوى الإيقاع بين رابطتي العروبة والإسلام للإجهاز على طاقات الأمة الكامنة فيها"(13).

وهذا شاهد آخر على تهافت تلك المزاعم وتُعدّ شهادته أرفع من أن ينالها التشكيك أو القدح أو التجريح: يقول نقولا زيادة "أنا وطنوس وشنودة ورثة حضارة واحدة عربية إسلامية. عملنا في وقت من الأوقات على بناء صرحها. ونحن أبناء أرض نمت هذه الحضارة فيها"(14).

كما نذكر في هذا المجال أن العروبة قد عاشت وتعايشت مع "جماعات" ثقافية أخرى غير عربية في مشرق الوطن ومغربه مثل الكرد والأمازيغ وقبائل أفريقيا.

على أن التأكيد على جوهرية العامل الإسلامي في تكوين الأمة لا يعني أنه العامل الوحيد كما تذهب إلى ذلك بعض التيارات الإسلامية. وإذا كان القرآن الكريم قد أكد على أولوية رابطة العقيدة في تكوين الأمة حتى تماهت هذه الأخيرة بالإسلام والمسلمين، فإن ضرورة اعتبار جوانب أخرى غير الدين أو المذهب في تكوين الجماعات البشرية وفي تمييزها بعضها من بعض، وعدم تغلب الدعوة القرآنية على الفوارق الفاصلة بين الشعوب التي دخلت في الإسلام، ذلك كله حمل بعض كبار المؤرخين والفلاسفة، في المائة الثانية من تاريخ الخلافة العباسية، كالمسعودي والفارابي، على فك الازدواجية، أي على استعمال لفظة الأمة بالمعنى الاجتماعي التاريخي واستعمال لفظة الملة أو لفظة الشريعة للدلالة على المعنى الديني الذي تنطوي عليه لفظة الأمة في النص القرآني(15). ومع ذلك فإن الأمم التي حافظت على بناها الثقافية واللغوية ما قبل إسلامية ترى، اليوم، أن الإسلام من حيث هو منظومة روحية ثقافية هو جزء لا يتجزأ من روحيتها القومية، فالأتراك يعتبرون الإسلام حالة قومية تركية، والملاويون (ماليزيا) يعتبرون أنّ الخروج من الإسلام يعني قطعاً الخروج عن القوم ثقافياً.

إن التأكيد على الإسلام الثقافي الحضاري كمكون جوهري من مكونات الأمة العربية لا ينفي إطلاقاً ما يتمتع به كلاهما من استقلالية "لأن القومي صعيد مستقل في التكوين التاريخي والحضاري حتى وإن كان العامل الديني من محدداته، ثم لأن جغرافية الديني أوسع مجالاً من جغرافية القومي وهي تستوعب تعبيرات عدة ومختلفة عن هذا الأخير"(16).

انطلاقاً من كل هذا يمكننا القول إن صورة العلاقة بين العروبة والإسلام كما تحققت تحققاً تاريخياً موضوعياً تقدم ما يأتي:

1. إن العرب تحولوا إلى أمة بالرسالة المحمدية. وهذا لا ينفي أنهم وجدوا قبل الإسلام كجماعات اجتماعية متفرقة في مجال فسيح، وجمعت بينها قرابة الدم وعصبية النسب، كما لا ينفي مساهمتهم الثقافية وأهليتهم الحضارية، إلا أن العرب لم تكن قبل الإسلام أمة بالمعنى الصحيح للعبارة. كانت بالأحرى جماعات وعصبيات وقبائل تقيم الصلة بينها رابطةُ الدم والنسب في مقام أول ورابطة اللسان الذي لم يكن موحداً تماماً في مقام ثان. ثم إنها كانت فوق كل ذلك جماعات متعادية متناحرة على شروط البقاء. ومع الإسلام صارت كياناً جديداً وجماعة توحدها فكرة كبرى وتصنع لها الشوكة كما الحافز إلى صناعة التاريخ والنهوض به و(نشر الإسلام). والرسالة بقدر ما كانت دعوة للتوحيد كانت أيضاً صناعة كاملة لأمة جديدة على مسرح التاريخ.

وهكذا أتى توحيد الله تعالى يمثل في نتائجه الاجتماعية توحيداً للجماعات العربية في أمة. وهكذا أيضاً تداخلت في التكوين الشخصية الاجتماعية للأمة مع شخصيتها الروحية بل قلْ كانت الأولى في صلب هذه.

ولعل ذلك أيضاً كان من بين أكثر الأسباب وجاهة في إحداث ذلك النوع النادر من التلازم بين الدين والدنيا في التجربة الإسلامية. وعلى ذلك فإن الإسلام منح العرب الشعور بهويتهم كجماعة متميزة ومكنهم من بناء وعي منظومي بالعالم والطبيعة والتاريخ وبالتالي صنع منهم أمة.

2. إن كون العرب ولدوا ولادة جديدة مع الإسلام وكون الإسلام بات جوهر الكينونة العربية حقيقة أدركها العرب مع الزمن حيث تكرس ولاؤهم لدينهم أكثر من ولائهم لجنسهم وباتت عروبتهم مطابقة لإسلامهم ملازمة له.

ويؤكد التاريخ العربي أن العرب نظروا إلى أنفسهم من خلال رابطتهم الدينية لا من خلال رابطة الجنس والنسب يصح هذا على حالة الشرق ويصح أكثر في حالة المغرب.

3. إن علاقة العروبة بالإسلام تعززت أكثر بلغة الوحي العربية وظلت عروبة القرآن هي الأساس في كل تلك العلاقة. ولقد زادها رسوخاً أن الرسول عربي النسب.

وليس تفصيلاً في تاريخ العرب إذاً أن يكون الوحي بلسان العرب وأن يكون الحديث النبوي بلسان العرب وأن تكون كل المدوّنة الفقهية الإسلامية باللغة العربية. إنه يعني أن كل تراث الإسلام الديني كان عربياً وحتى "الأعاجم" أنتجوا معارفهم تاريخياً داخل الإسلام باللغة العربية.

وإذا كانت الأديان كمجموعة من القواعد الضابطة لسلوك المرء مع نفسه ومع الأمة التي ينتمي إليها، تحتاج إلى لغة هي وسيلتها في الدعوة والانتشار، وممارسة الطقوس والشعائر، فإن اللغة العربية، هي بالإضافة إلى ما ذكرنا، تنفرد عن سائر اللغات في علاقتها بالإسلام. فنزول القرآن الكريم بها جعلها في موقع التقديس كالقرآن ذاته، إذ هي مفتاح فهم العقيدة ووسيلة المحافظة عليها(17).

كثيرة هي الطروحات التي تناولت العلاقة بين العروبة والإسلام، وقد اختلفت مضامينها إلى حد التناقض والرفض، ذلك لأنها لم تؤسس على العلم والتاريخ والموضوعية بقدر ما كانت نتاجاً أيديولوجياً وسياسياً واضحاً. و"الحقيقة أن العروبة والإسلام ليس لهما إلا حالتين. إمّا حالة الواحد، أي التفاعل الكيميائي الكامل الذي يخلق العنصر الذي بتفككه تنتهي مواصفات هذا العنصر ومميزاته، وتعيد العنصرين إلى حالة ما قبل التفاعل. أو حالة اللاتفاعل وكل منهما يسير في اتجاه وبذلك يكون كل منهما مضاداً للآخر وينهيه عملاً بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (إذا عزت العرب عز الإسلام)"(18).

في ضوء هذه الحقائق كيف ننظر إلى علاقة العروبة والإسلام في الحاضر؟

أولاً ـــ لا يعني بناؤنا التلازم بين العروبةِ والإسلامِ اندفاعاً إلى إقامة مطابقة بين الأمة العربية والأمة الإسلامية ذلك لأن القوميَ صعيدٌ مستقل التكوين التاريخي والحضاري كما ذكرنا. العروبةُ انتماءٌ قوميٌ والإسلام انتماء ديني. الأمة المادية كحقيقة سوسيولوجية وثقافية ولسانية هي إطار الأول فيما الأمة الروحية كانتساب إلى عقيدة جامعة عبر ــــ قومية هي إطار الثاني. يوحد بين العرب جامعُ اللسان وجملةُ التراث الثقافي المعبر عنه بذلك اللسان، والذي يمثل شخصيةَ جماعات اجتماعية تدين أكثريتُها بالإسلام غير أنها تتميز عن سائر الجماعات الأخرى التي اعتنقت الإسلام. ليس من شك إن الإسلامَ هو من حوّل العربَ إلى أمّةٍ غير أن رسالةَ الإسلامِ لم تنجز هذا التحويل إلا لأن هناك جاهزية ثقافية بالمعنى الانتروبولوجي تسمح بصيرورة تلك الجماعات العربية إلى أمة، وإلا لماذا لم تتحول القبائل الإفريقية التي أسلمت إلى أمة. نعم ليست العروبة انتماء إلى عرق بدليل أن جماعات كثيرة غير عربية تعرّبت وصارت جزءاً من الأمة العربية بل وقدمت مساهمتها الخلاقة في إثراء الثقافة والحضارة العربية. غير أن رابطة اللسان التي كَرَّست شخصيةَ الأمّة هي مما لا يقبل التجاهل في مضمار الفهم الحديث لتكوين الأمم والقوميات.

وفي كلّ حال ثمّة حاجة إلى تفادي السقوط في نظرتين حديتين للعلاقة بين العروبة والإسلام، نظرة الفصلِ الكلّي التي تُسقط وتُعدم الدور المركزي والأساسي للإسلام في تكوين الأمة العربية، ونظرة الوصْل الكلي التي تُسقط خصوصية القومي في علاقته بالديني.

إن علاقة التلازم الجوهري بين العروبة والإسلام تجعل من العبث محاولة المفاضلة بينهما لأن كليهما قد أعطى الآخر ما يدخل في صُلب وجودِه واستمرارِه. ولعّل الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) هو التجسيدُ الحيُّ لهذا التلازم كونه النبي العربي الذي اختاره الله ليبلّغَ دينَه القويم مشرِّفاً العروبة بهذا الاختيار. وغنـيّ عن البيان أن الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قد جمع في شخصيته الفذّة كل المزايا والفضائل العربية. وجسّد كل معاني الشهامة والشجاعة والكرم. وكان باختصار تجلياً راقياً للروح والثقافة والأخلاق والقيم العربية في أبعادها الأكثر سُمواً وارتفاعاً. هذا إضافةً إلى فضائله الذاتية التي كان يشار بها إليه قبل الإسلام .

وقبل تكليفه بالرسالة "لم يكن ــــ النبي محمد (ص) ــــ يعلم أنـّه سيبعث نبيـّاً، وما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكنه كان يدرك تماماً مشروعه الوطني في بناء الأرض وإنقاذ أهله، وبعث إرادة التحرر والنهضة في شعب غارق في أوهام الجاهلية.

مذ كان طفلاً غدا مع عمـّه أبي طالب إلى الشام... كان يدهش ويتأمل: الكلام عربي والعادات عربية والأنساب عربية، والوجوه عربية والطعام عربي والأسماء عربيـّة، كل شيء هنا بين الحجاز وبصرى عربي حتى الصميم إلاّ الحاكم فإنّه مستورد من بيزنطة!! كيف يمكن لأمــّة أن تحقق نهضتها وهي أسيرة إرادة الغرباء؟"(19).

وقد أعطت العروبةُ للإسلام رجالاً من طينة خارقة حملوا رسالتَه ونشروها في جهات الأرض الأربعة. وقد حقق العربُ في مضمارِ الفتح الإسلامي تلك الإنجازات العسكرية والسياسية والثقافية الباهرة التي صنعت للإسلام انتشاره وشوكته. ولم تكن العبقرية العسكرية والاستراتيجيةُ والروحُ الجهادية العالية هي فقط ما أنجح عملية نشر الإسلام، فقد كان على العرب، بعد فتح البلدان ودخولها، أن يعلموا اللغة العربية والفقه الإسلامي وقد برعوا في ذلك أيما براعة، وظهرت في هذا المجال أسماء كبيرة لا تقـلّ أهمية في التاريخ الإسلامي عن كبار القادة العسكريين والاستراتيجيين.

كما أن العرب الفاتحين كسبوا قلوبَ أقوامٍ كثيرةٍ إلى الإسلام بفضل ما أبدوه من حسن الأخلاق والسلوك والتعامل وقد حقّق هذا العامل المعنوي في كثير من الأحيان ما عجز السيف عن تحقيقه وأكمل في أحيان أخرى مهـمـّة السيف. وفي كل هذه المجالات وجَد الإسلام في العرب خير من حمل رسالته ونشرها.

على أن انتصار الإسلام وانتشاره على النحو الكبير الذي تمّ وقيام الدولة الإسلامية مترامية الأطراف ما كان ليتمَّ لَوْلاَ نجاح العرب المسلمين بقيادة الرسول الكريم ثم بقيادة خلفائه الراشدين في إقامة الدولة العربية النواة التي تَوَحَّدَ فيها العرب فكانت وحدتُهم منطلقَ النهوض بالرسالة المحمدية وحملها إلى الأمم والشعوب الأخرى.

يتبادر إلى الذهن السؤال: من رسم حدود الدولة العربية الوليدة؟

يجيب الدكتور محمد حبش: "لقد بدأ، النّبي، أولاً بتوحيد جزيرة العرب، ثم أطلق رجاله إلى بلاد العرب التاريخية التي تمتد تقليديا من الكويت إلى موريتانيا. هي أراض لم يحصل أن زارها النبي الكريم من قبل، ولم تكن لديه بالطبع خرائط لجغرافيا أرض العرب ولكنـّه كان يدرك تماماً أنّ هناك كفاحاً قــدّمه الآباء السوريون من فينيقيين وكلدان وبابليين على شواطئ المتوسط من أنطاكية إلى غزّة إلى الإسكندرية إلى قرطاج..

وفي تحديد البوابة الشرقية قال عمر: وددت لو أنّ بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا يصلون إلينا ولا نصل. إليهم!!.. ولم يكن ليقبل الجنوب إلاّ من باب المندب إلى بحر العرب، وفي الجانب الأعلى من وطنه العربي كان يقول اتركوا الترك ما تركوكم.. أما حدوده الشرقية فتشتمل، كما وردت في رسالته إلى واليه المنذر بن ساوى، على ما بين عمان والكويت . أما حدوده الغربية فقد أعلنها يوم قال سنفتح لكم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا . وهو نضال تحرري هائل اتصل بكل عاصمة بناها الفينيق العربي حتى شواطئ عقبة بن نافع، وهي الشواطئ التي انزرع فيها الآباء الفينيق العرب منذ فجر التاريخ"(20).

أيضاً أعطت العروبة للإسلام لغتها الفريدة. ويدلّ الاختيار الرباني للغة العربية لتكون لغة القرآن الكريم على ما تمتاز به هذه اللغة من خصائص تجعل منها لغة استثنائية بل اللغة الوحيدة القادرة على استيعاب الخطاب الرباني والمعاني الإلهية والأحكام الشرعية. وكانت مزايا اللغة العربية ولاسيما قدرتها التعبيرية العالية وإمكانياتها الواسعة وجزالتها وجمالها قد تجلّت بوضوح في المنجز الشعري الجاهلي إلا أنها وصلت مع القرآن إلى ذروة الإعجاز. الأمر الذي "دفع بشيخ الإسلام بن تيمية إلى الافتاء بوجوب تعلّم اللغة العربية على كل مسلم ومسلمة اعتماداً على قاعدة أصولية مفادها أنّ معرفة الإسلام مرتبطة بمعرفة اللغة العربية، وعلى ذلك فمعرفتها واجبة على كل مسلم ومسلمة بحجة أن (مالا يتم الواجب إلاّ به يعتبر واجبا).."(21).

أما ما أعطاه الإسلام للعروبة فيصعب إحصاؤه أيضاً. فهو الذي وحّد العربَ كما أوضحنا في غير موضع ونقلهم من طور القبيلة إلى طور الدولة وهو الذي طبع لغتهم بطابع القدسية من خلال القرآن الكريم وهو الذي "ضرب نطاقاً حول العرب فمنع تسرب الديانات الغربية إلى بلادهم وبذلك صان ذواتهم من التجزئة ووحّد ولاءهم"(22).

ويبقى القرآن الكريم هو السّر الأعظم الذي حافظ على الكيان العربي بحفظه اللغة العربية في وجه كل الأمواج التي اجتاحت العرب وقبل ذلك وحّد القرآن اللهجات العربية الكثيرة ومنع تفرقها. وجعل من اللغة العربية قطباً ينجذب إليه المسلمون وذلك من خلال منع تأدية الفروض الدينية إلاّ بالعربية. وبكلمة واحدة فإن الإسلام ممثلاً بالقرآن الكريم قد صان العربية من التداخلات والآفات المعادية وبالتبعية فإنه صان الأمة العربية من التحطم والميوعة والانحلال(23).

ثانياً ـــ من الأسئلة التي تثيرها أطروحة التلازم السؤال عن موقع العرب غير المسلمين في كيانية قومية (عربية) يمثل عامل الدين (الإسلام) واحداً من أساساتها.

لا يجد المسيحيون العرب أنفسهم في مواجهة مع مفهوم للأمة العربية تحتل فيه رابطة الإسلام موقعاً مركزياً لسبب يعترفون به قبل غيرهم: هو أنهم ينتمون إلى الإسلام ثقافياً وحضارياً فهم (قاوموا الغزوة الصليبية لفلسطين واختاروا الولاء لحضارتهم والإسلام مركز فيه على الولاء لنصرانيتهم التي يقاسمهم العدو إياها، وفعلوا الشيء نفسه في العصر الحديث حيث تصدوا لمقاومة الاحتلال الأجنبي الأوروبي لديارهم مع إخوانهم المسلمين، وعلى ذلك فوجود جماعات عربية غير مسلمة في صفوف الأمة لا يضعف من نسيج التكوين القومي أو يُقيمه على مقتضى استبعاد جماعات منه)(24).

ونخلص من كل ذلك إلى النتيجتين التاليتين:

1. إن السعي إلى إعادة التلازم بين العروبة والإسلام ليس فعلاً أيديولوجياً قيصرياً يُجافي منطق التاريخ والواقع بل إليهما ينتمي وعليهما يٌبنى.

2. إن هذا التعريف إذ يحتفظ للعروبة داخل الإسلام بشخصيتها الثقافية واللسانية والحضارية المميزة والمستقلة فهو يحتفظ للإسلام بحسبانه ثقافة وحضارة، بمركزيته في بناء الاجتماع العربي على ما في جوفه من عناصر تكوين دينية مختلفة.

 

الهوامش:

(1) أحمد حمزة عبد الباقي. الإسلام روح العروبة. المعارج س19.ع 110/2009.

(2) انظر عبد الإله بلقزيز. العروبة والإسلام. المستقبل العربي.ع 254/ 2000.

(3) عيد الدرويش. العروبة والإسلام. المعارج س19. ع 110/2009.

(4) انظر محمد صالح الهرماسي. العبور إلى المستقبل. دمشق 2006.

(5) هشام جعيط. أوروبا والإسلام. ترجمة عتريسي. دار الحقيقة 1980. ص152.

(6) جورج انطونيوس. يقظة العرب. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. دار العلم
للملايين ط7/1983.ص75.

(7) انظر يوسف الشويري. القومية العربية.مركز دراسات الوحدة العربية 2000 .ص73.

(8) المرجع السابق. ص69.

(9) انظر المرجع السابق ص100.

(10) ميشيل عفلق. البعث والتراث. بغداد 1976. ص28.

(11) هشام جعيط. الشخصية العربية الإسلامية. ترجمة الصيادي. دار الطليعة. ط2/1990.ص26.

(12) يوسف الشويري. مرجع سابق.

(13) عبد الإله بلقزيز. العروبة والإسلام. مرجع سابق.

(14) نقولا زيادة. المسيحية والعرب. قدس للنشر والتوزيع. ط2/2000.ص56/57.

(15) ناصيف نصار. مفهوم الأمّة بين الدين والتاريخ. دار الطليعة. ط2/2003. ص29.

(16) عبد الإله بلقزيز. من العروبة إلى العروبة. الشركة العالمية للكتاب. 2003. ص156.

(17) انظر د. أحمد بن نعمان . مستقبل اللغة العربية. دار الأمّة 2008.ص179/185.

(18) محمد خالد عمر. عروبة الإسلام وإسلام العروبة. (د.ن) 1998. ص138.

(19) د.محمد حبش.المشروع السياسي لرسول الله. موقع ثوابت عربيةWWW.thawabitarabiya.com

(20) د. محمد حبش . المرجع السابق.

(21) د. أحمد بن نعمان. مستقبل اللغة العربية. مرجع سابق.ص191.

(22) جلال السيد. حقيقة الأمة العربية. دار الطليعة 1960. ص68.

(23) المرجع السابق ص73.

(24) انظر عبد الإله بلقزيز. العروبة والإسلام. مرجع السابق.

آخر تحديث: الثلاثاء, 24 أبريل 2012 17:10
 
العبور الى المستقبل في إعادة بناء الفكر القومي طباعة إرسال إلى صديق
كُتب للقراءة
الكاتب د. محمد صالح الهرماسي   
الأربعاء, 01 فبراير 2012 15:18

كتاب العبور الى المستقبل .. للدكتور محمد صالح الهرماسي

 

لتحميل الكتاب pdf :

العبور الى المستقبل

آخر تحديث: الأربعاء, 01 فبراير 2012 15:32
 
باقي المقالات...


الصفحة 1 من 14

هويتنا

" ثوابت عربية " موقع فكري سياسي ثقافي يهتمّ، كما يشير عنوانه، بالشأن العربي من منظور قومي عروبي إسلامي إنساني، وعلى خلفية الإيمان بأهداف الوحــدة والتحرير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتجدّد الحضاري. ففي عالم يُراد فيه للعرب أن يكونوا ورقة في مهبّ الرياح الفكرية والسياسية العاصفة، حتى يسهل الاستمرار في احتلال أرضهم، للمزيد..

خدوا المناصب لكن خلولي الوطن

على القيادة تشكيل هيئة متخصصة لملاحقة قادة العدو
قد يبدو هذا المطلب غريبا على البعض، أو قد يراه البعض الآخر انه غير قابل للتحقق، أو... إقرأ المزيد...


حرية التعبير، أم حرية التدمير!
سنكون جميعاً على موعد بعد أيام قليلة لمعرفة من كان يكذب ويبالغ إعلامياً، من بين... إقرأ المزيد...


بيان فلسطين...
الموت عبادة... والعبادة موت... وصهاينة التيه... يعبدون الله... بقتل شعب فلسطين... ودفاع... إقرأ المزيد...


مفتي الديار الصهيونية !!
أحزاب مصرية تندد بفتوى القرضاوي أحزاب مصرية تندد بفتوى القرضاوي "بان الجهاد ضد... إقرأ المزيد...


غزة تنتصر الأنفاق الحربية قدسية وطنية وسرية عسكرية
لم تكن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة حكيمةً بقرارها فتح الأنفاق العسكرية أمام... إقرأ المزيد...


رسالة إلى جماهير الشعب الفلسطيني..... رسالة إلى من يهمه الأمر.....
لطالما تفاخر الشعب الفلسطيني بكوادره وبعلمه. وأنا كنت طالبة في جامعة النجاح... إقرأ المزيد...


بيان التجمع العربي والإسلامي لدعم خيار المقاومة 7آب 2014
  تساءل أمين عام "التجمع العربي والاسلامي لدعم خيار المقاومة" الدكتور يحيى غدار،... إقرأ المزيد...


مجزرة المسجد الأقصى الوحشية المجزرة الوحشية تجسِّد الإبادة والإرهاب الصهيوني المستمر على الشعب الفلسطيني
خطط الجيش الإسرائيلي إبان حكومة الإرهابي شامير مع عصابة «أمناء الهيكل» لارتكاب... إقرأ المزيد...


أي سياسة حازمة لمواجهة الإرهاب في تونس؟
بعد حوالي سنة من الهجوم الإرهابي الذي استهدف القتل والتنكيل بنحو8 جنود من الجيش... إقرأ المزيد...


الهدنة المسمومة
دبلوماسية التهدئة هي الحرب الصامتة اللاحقة للحرب نفسها وحتمية وراء كل صراع مسلح... إقرأ المزيد...


في اليابان
1- في اليابان تدرس مادة من أولى ابتدائي إلى سادسة ابتدائيا سمها "طريق إلى الأخلاق"... إقرأ المزيد...


تطبيقات ذكية تغني عن الذهاب للصالات الرياضية
أظهرت دراسات أميركية حديثة أن “تطبيقات اللياقة البدنية تساعد بشكل كبير في... إقرأ المزيد...


الكسل أحلى من العسل
يسحب الزوج نفساً عميقاً من لي المعسل ثم يدخل يده في جيبه ساحباً الجوال ليهاتف أم... إقرأ المزيد...


يارئيس الجمهورية لا تفترض حسن النية
هل يمكن لمن تعود أن يأخذ فقط لعشرات السنين أن يتعود العطاء فجأة؟ هل يمكن لمن تركوا... إقرأ المزيد...


مصر وبزوغ توازن دولى جديد 8
كيف تصرفت الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقد التسعينات وحتى الآن بعد أن أصبحت... إقرأ المزيد...


لوميني أنا!
أنا لا أخسرُ شيئاً غيرَ نفسي! ونفسي هذه أوصافها: تافهةٌ مجنونةٌ محروقةٌ دوما... إقرأ المزيد...


أن نعرف طريق النصر... ونسلكه
تعليق على رد الأستاذ الفتيح أكثر ما شدّني في مقال الأستاذ صالح الفتيح هو ما أورده،... إقرأ المزيد...


صحافة العدو

كفى تحريضا على المواطنين العرب
الاثنين, 25 أغسطس 2014
أثارت المواجهة العسكرية في قطاع غزة موجة مشاعر قبيحة تميل الى أن...
حقهما في الزواج
الاثنين, 25 أغسطس 2014
زواج مورال مالكا ومحمد منصور هو زواج طبيعي. كل علاقة زواج...
إسرائيل تمنع آلافا من سكان الضفة الغربية من السفر إلى الأردن
الاثنين, 25 أغسطس 2014
كان جهاز الأمن العام ("الشباك") منذ حزيران هذا العام يمنع خروج آلاف...
قصف غزة بالمدفعية غير الدقيقة
الاثنين, 18 أغسطس 2014
استخدم الجيش الإسرائيلي في القتال في قطاع غزة قوة استثنائية من...
إلى اللقاء في الجولة القادمة
الاثنين, 18 أغسطس 2014
للشاعر قصيدة مغناة يقول فيها "يوجد هنا صيف حار، الخريف سيأتي بعده....

قصائد تسكننا بأصواتهم

أغانٍ للفنان رابح درياسة

قصائد مغنّاة للشابي

You are here  :